تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (٥)

يقول: زي هذه الخيل مثل زي فوارسها؛ لأن كل فارس عليه درع ومغفر ولثام، وفرسه مغطى بالتجافيف، والبرقع.

وما ذاك بخلاً بالنّفوس على القناولكنّ صدم الشّرّ بالشّرّ أحزم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بخلاً: نصب لأنه خبر ما واسمه ذاك وهو في موضع الرفع.

يقول: تغطيتهم أنفسهم وخيلهم ليس لجبنهم وبخلهم بالحياة، ولكنه مقابلة الشر بالشر، ودفع الشر بمثله، هو الحزم وجودة الرأي.

والصدم: ضرب الشيء بمثله. وهذا قريب من قولهم: الحديد بالحديد يفلح.

أتحسب بيض الهند أصلك أصلهاوأنّك منها؟ ساء ما تتوهّم!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول لسيف الدولة: إن السيوف الهند كأنها تظن أصلها أصلك، وأنك سيف مثلها؛ لما سميت باسمها وقد ساء ما توهمت، لأنك أشرف منها جوهراً، وأمضى منها في الأمور، وإنما أشركتها في الاسم لا في الجوهر والخصال، فأنت من العرب أصلاً، وهي من الهند، وليس فيها خصالك.

إذا نحن سميّناك خلنا سيوفنامن التّيه في أغمادها تتبسّم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: إذا سميناك تبسمت سيوفنا في غمودها عجباً بأنك سميها، فكأنها حسبت أنك منها أصلاً ومنظراً، وليس الأمر كذلك.

ولم نر ملكاً قطّ يدعى بدونهفيرضى! ولكن يجهلون وتحلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

بدونه: أي بدون قدره.

يقول: ما رأيت ملكاً يسمى بدون قدره ويرضى بذلك غيرك! فإنك لقبت بسيف الدولة فرضيت به لحلمك، وهو لا يرضون لجهلهم.

أخذت على الأرواح كلّ ثنيّةٍمن العيش تعطى من تشاء وتحرم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الثنية: العقبة.

يقول: حكمت بين الأرواح وبين العيش، فكأنك قعدت على طريق الحياة، فمن شئت خليت سبيل حياته، ومن شئت صرفتها عنه. يعني أنك قد استوليت على أرواح العباد، فمن أغثته يبقى، ومن لم تغثه يهلك..

فلا موت من سنانك يتّقىولا رزق إلاّ من يمينك يقسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

يقول: إن آجال الخلق في سنانك، وأرزاقهم في يدك، فلا موت يتقى إلا من سنانك، ولا رزق يقسم إلا من يمينك.

وضربت خيمة كبيرة لسيف الدولة بميا فارقين، وأشاع الناس أن المقام يتصل، فهبت ريح شديدة فسقطت الخيمة فأرجف بذلك وتطير وتحدث الناس فيه، وتكلموا عند سقوطها فقال أبو الطيب رحمه الله تعالى. يمدحه ويذكر الخيمة:

أينفع في الخيمة العذّل؟وتشمل من دهرها يشمل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العذل: جمع العاذل.

يقول: عذل الخيمة على سقوطها غير نافع، لأنها لا تقدر أن تشمل سيف الدولة مع اشتماله على الدهر، وإحاطته به ودهرها نصب بيشمل ومن كناية سيف الدولة، وهو بمعنى الذي وهو نصب بيشمل.

وتعلوا الّذي زحلٌ تحتهمحالٌ لعمرك ما تسأل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وتعلو: فعل الخيمة: والذي: في موضع نصب، لأنه مفعول تعلو.

يقول: كيف تعلو الخيمة سيف الدولة؟ مع كون زحل تحته! وما تسأل الخيمة من العلو عليه أمر محال.

فلم لا تلوم الّذي لامها؟وما فصّ خاتمه يذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

التاء في تلوم للخيمة. وقيل: للخطاب. وما في قوله: وما فص خاتمه. للنفي بمعنى وليس. ويذبل: جبل.

يقول: من لامها على سقوطها فقد سامها أمراً محالاً، فلها أن تقابله بما هو محال مثله. فتقول: لم لم تجعل فص خاتمه يذبلا؟ الذي هو الجبل، فكما أن هذا محال، فكذلك استقرارها فوق سيف الدولة محال، والهاء في خاتمه تعود إلى الذي.

تضيق بشخصك أرجاؤهاويركض في الواحد الجحفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

الأرجاء: النواحي، الواحد رجاً.

يقول: جوانب الخيمة، ونواحيها تضيق عن شخصك؛ والواحد من الجوانب - لسعته - لو ركض فيه جيش عظيم لما ضاق عنه. يعني أنها على سعتها تضيق عنك! وقيل: أراد بالواحد: الواحد من الخيام: يعني أن الواحد من الخيام يركض فيه العسكر الكثير، لعظمه وسعته، إلا أنه تضيق عن شخصك نواحيها.

وتقصر ما كنت في جوفهاوتركز فيها القنا الذّبّل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: إنها وإن كانت عالية السمك بحيث يمكن أن يركز فيها الرمح، ولكنها تقصر عنك، في الوقت الذي تكون فيها؛ لأنك أعلى من النجم، وأرفع من السماء.

وكيف تقوم على راحةٍ؟كأن البحار لها أنمل!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: كيف تستقر الخيمة على راحتك؟ فكل أنملة منها مثل البحر، فلا يستقر البناء على الماء. وإن قل، فضلاً عن البحار.

فليت وقارك فرّقتهوحمّلت أرضك ما تحمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

الوقار: السكون. والتاء في تحمل قيل: للأرض: ومعناه ليتك قسمت وقارك على جميع الخلق، وحملت الأرض من الوقار ما يمكنها أن تحمله؛ لأنها لا تستطيع أن تحمل جميع وقارك.

وقيل: التاء للخطاب ومعناه: ليتك حملت الأرض ما تحمل أنت من الوقار. ولو فرقت وقارك على جميع الخلق لوصل إلى هذه الخيمة جزء منه وأمكنها بذلك القدر من الوقار السكون والاستقرار.

فصار الأنام به سادةًوسدتهم بالّذي يفضل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يعني: لو فرقت وقارك وحلمك بين الناس، لوسعهم وصاروا به سادة حلماً وكنت تفوقهم بالذي يفضل عنك من الوقار والحلم.

رأت لون نورك في لونهاكلون الغزالة لا يغسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

الغزالة: الشمس وقت طلوعها، وكذلك المشرق.

يقول: رأت الخيمة نورك قد عادها، وأضاءت الخيمة به، كما تضيء الأرض بالشمس، فلا يمكن إزالته عنها كما لا يزال ضوء الشمس. وروى: كلون الغزالة لا ينصل من نصول الخضاب.

وأنّ لها شرفاً باذخاًوأنّ الخيام بها تخجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

باذخاً: أي عالياً. والعامل في أن مفتوحة رأت.

يقول: رأت هذه الخيمة لنفسها شرفاً عالياً على سائر الخيام، ورأت أن الخيام تخجل من شرفها.

وقيل: أراد أصحاب الخيام.

فلا تنكرنّ لها صرعةً؛فمن فرح النّفس ما يقتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: لا تنكر سقوطها، فإنها لما رأت نورك فيها، وتشرفها بك، غلبها الفرح فسقطت؛ بما داخلها من الطرب والسرور. ومن الفرح ما يقتل صاحبه!! وهذا مثل قوله ومن السرور بكاء.

ولو بلّغ النّاس ما بلّغتلخانتهم حولك الأرجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: لو بلغ الناس ما بلغته هذه الخيمة، لخانتهم أرجلهم من هيبتك، ولسقطوا كما سقطت.

ولمّا أمرت بتطنيبهاأشيع بأنّك لا ترحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

التطنيب: من الأطناب، وهي الحبال تشد إلى أوتاد الخيمة.

يقول: إنك لما أمرت بضرب الخيمة، أشيع فيما بين الناس بأنك لا ترحل، بل تقيم.

فما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

التقويض: هو قلع الخيام، ونقض البناء من غير الهدم. وأشار: من الإشارة إلى الشيء. وهو بمعنى الدلالة، لا بمعنى المشورة. واعتمد وأعمد: أي ما قصد الله إسقاط هذه الخيمة، ولكن أراد أن يعلم الناس أنك راحل، ودل بذلك على بطلان اعتقادهم باتصال المقام، وترك الارتحال.

وعرّف أنّك من همّهوأنّك في نصره ترفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

من همه: أي من إرادته. وقيل: من عنايته ونصره، والهاء في همه ونصره ترجع إلى اسم الله تعالى. وترفل: أي تسحب في أذيال النصر.

يقول: إن الله تعالى عرف الناس أن سيرك من مراده، وأنك في عنايته، وأنك مؤيد بنصره، وعليك من نصره حلل ترفل فيها؛ فلهذا أسقطت الخيمة.

فما العاندون؟ وما أثلواوما الحاسدون؟ وما قوّلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

العاندون: الأعداء. والواحد عاند، وأصله من المغالبة عند الجرح، إذا غلب دمه ولم ينقطع سيلانه، وأثلوا: أصلوا من التطير لسقوط الخيمة وما في قوله: فما العاندون وما الحاسدون للاستفهام، ومعناه الإنكار والاستحقار. وما في قوله: فما أثلوا ما قولوا بمعنى الذي.

يقول: ما قدر الأعداء وما أصلوه من الأراجيف والأقوال، وما قدر الحاسدون، وما تقولوا من الأكاذيب.

هم يطلبون فمن أدركوا؟وهم يكذبون، فمن يقبل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: هم يطلبون غايتك، أو يطلبون أعداءهم، فمن أدركوا منهم؟! أي لا يدركون ما يؤملون، وهم يكذبون عليك فمن يقبل قولهم؟! أي لا يقبل منهم ما يقولون.

وهم يتمنّون ما يشتهونومن دونه جدّك المقبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

الهاء في من دونه تعود إلى ما أي أن أعداءك يتمنون ما تشتهيه أنفسهم، ولكن سعادة جدك، وإقبال دولتك، يحول بينهم وبين مرادهم.

وملمومةٌ زردٌ ثوبهاولكنّه بالقنا مخمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

ملمومة: أي كتيبة مجموعة. والزرد: حلق الدرع. وقوله زرد ثوبها في موضع الصفة لملمومة ولما جعل الدرع ثوبا: جعل الرماح خملها؛ طلبا للمشاكلة.

يقول: من دونه جدك المقبلن وكتيبته مجموعة، أثوابها الدروع، وعلى هذه الأثواب خمل من الرماح: فهي مخملة بالرماح

يفاجئ جيشاً بها حينهوينذر جيشاً بها القسطل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

الحين: الهلاك. والقسطل: الغبار. وحينه رفع لأنه فاعل يفاجئ والقسطل فاعل ينذر ويجوز أن يكونا مرفوعين بالابتداء وبها في موضع رفع خبر الابتداء. ويفاجئ وينذر: فعل سيف الدولة. والأول أظهر. وبها يعود إلى الملمومة.

يقول: إن سيف الدولة تارة يسرى إلى العدو ليلا، فيفاجئه هلاكه ولم يشعر به، وتارة يسير نهاراً بهذه الكتيبة، فينذر جيشاً بغبارها فيهرب منه. وقيل: أراد أنه يسير مرة في الحزن من الأرض ولا يثير الغبار فيفاجئ جيش العدو، ومرة في السهل فيثير الغبار فيهربون.

جعلتك بالقلب لي عدّةًلأنّك باليد لا تجعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: أنت أجل من أن تنالك الأيدي فتدخرك، كما تدخر سائر السيوف والأموال، ولكن صيرتك في اعتقادي عدة لي لكل شدة، وذخراً لكل نائبة.

لقد رفع الله من دولةٍلها منك يا سيفها، منصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: رفع الله دولة أنت سيفها، وأبان على جميع الدول فضلها، والهاء في لها وسيفها للدولة. والكاف في منك خطاب لسيف الدولة.

فإن طبعت قبلك المرهفاتفإنّك من قبلها المقصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

المرهفات: السيوف المرققة الحد، والمقصل: القاطع.

يقول: إن كانت السيوف سبقتك بالطبع، فأنت سبقتها في جودة الجوهر والقطع، فأنت أول سيف قاطع.

وإن جاد بقلك قومٌ مضوافإنّك في الكرم الأوّل

يقول: إن تقدمك الأجواد في الجود، فأنت سبقتهم في الفعال، وتقدمتهم في كرم الخلال، فأنت وإن تأخرت عنهم وجوداً، تقدمتهم كرماً وجوداً.

وكيف تقصّر عن غايةٍوأمّك من ليثها مشبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

المشبل: التي معها أشبال، وأراد بالليث: أباه. والهاء في ليثها للأم فجعلهما أسدين، وجعله شبلهما.

يقول: فكيف تقصر عن غاية ترويها، وأنت ليث ابن ليث ابن لبؤة.

وقد ولدتك فقال الورىألم تكن الشّمس لا تنجل؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

تنجل: أي تلد.

يقول: إنها في شرفها شمس، فلما ولدتك تعجب الناس وقالوا: أليس الشمس لا تلد؟ فكيف ولدت الآن! فجعله شمساً مولوداً من شمس.

فتبّاّ لدين عبيد النّجوم ومن يدّعي أنّها تعقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

تباّ: نصب على المصدر وعلى الذم بفعل مضمر، ومعناه: ضلالاً وخسرانا لدين من يعبد النجوم، ومن يدعي أنها تعقل وتختار وتميز. بين العلة في الذم.

وقد عرفتك فما بالهاتراك تراها فلا تنزل؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يعني: لو كانت النجوم تعقل، لكانت إذا رأتك تراها، وتنظر إليها نزلت إليك وخضعت لك، لأنك أعلى منها محلا، فلما لم تفعل علم أنها غير عاقلة.

ولو بتّما عند قدريكمالبتّ وأعلاكما الأسفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

يقول: لو حل كل واحد منكما المحل الذي يستحقه، لعلوت عليها وصرت في الفلك، وسفلت هي عنك، فصار أعلاكما الآن وهو النجم: الأسفل.

أنلت عبادك ما أمّلتأنا لك ربّك ما تأمل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التاء في أملت، تعود إلى العباد.

يقول: أنلت عبادك وهم الخلق ما أملوه منك، فبلغك الله آمالك في دنياك وآخرتك. وقيل: الضمير في قوله: ما أملت راجع إلى النجوم: أي أن ما فعلته من تبليغ الناس مناهم، كانت النجوم تأمله، فلا تقدر عليه فأملت ما أملته النجوم.

قال ابن جني: ولما أطلق على الناس لفظ العبودية له، بين في آخر البيت أنه من جملة العباد وأنه محتاج كسائر الناس فقال:

أنا لك ربّك ما تأمل

فجعله مثل سائر الناس في الحاجة. صنعة وحذاقة.

وقال وقد ركب سيف الدولة في بلد الروم، من منزل يعرف بالسنبوس في جمادي الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة فأصبح وقد صف الجيش يريد سمندو. وكان أبو الطيب متقدماً، فالتفت فرأى سيف الدولة خارجاً من الصفوف يدير رمحاً، فعرفه فرد الفرس إليه. فسايره وأنشده:

لهذا اليوم بعد غدٍ أريجونارٌ في العدوّ لها أجيج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

الأريج، والأرج: الرائحة الطيبة. والأجيج: من تأجج النار وهو التهابها.

يقول: سيكون لهذا اليوم الذي ركبت فيه، بعد غد أريج: أي ذكرى حسن يسر المسلمين، ويسوء المشركين، ويكون في العدو نار لها توقد والتهاب: أي حروب ووقائع تلتهب مثل النار.

تبيت به الحواصن آمناتٍوتسلم في مسالكها الحجيج
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحواصن: جمع الحاصن وهي العفيفة من النساء. وقيل: المتزوجة.

وروى: الحواضر: جمع الحاضرة بخلاف البادية. وروى: الحواضن: جمع الحاضنة لأولادها.

يقول: يأمن بركوبك هذا بعد غد: من في الثغور من النساء، ويأمن أهل الحضر والبدو من الغارات، ويسلم الحجاج والمسافرون في أسفارهم وطرقهم من اللصوص وقطاع الطرق.

فلا زالت عداتك حيث كانتفرائس أيّها الأسد المهيج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

المهيج: هو الهائج: تقول هيجته أهيجه هيجا، وهاج هو بنفسه.

يقول: جعل الله أعداءك حيث كانوا، فرائسك أيّها الأسد.

عرفتك والصّفوف معبّآتٌوأنت بغير سيرك لا تعيج
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

لا تعيج: أي لا تبالي. تقول: ما عجت بكلامه أي ما باليت به. وعبأت الجيش وعبيته: إذا زينته وسويت صفوفه.

يقول: عرفتك في حال تعبئة الجيش، وتسوية الصفوف؛ لأنك كنت معروفا فيما بينهم ببأسك وإقدامك، ومن حيث أنك لا تبالي بغير سيرك، فكان الوقت جامعاً للأمرين: لتعبئة الجيوش، وللحالة الثانية وهي أنك لا تعيج بغير سيرك، وكان من عادته أنه كان لا يعيج بسير غيره، وإنما كان يعتمد سير نفسه، ولا يعتمد على أن تسير الجيوش إلى الأعداء، بل كان يتولاها بنفسه.

ووجه البحر يعرف من بعيدٍإذا يسجو فكيف إذا يموج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

يسجو: يسكن.

يقول: أنت البحر! يعرف من المكان البعيد، وهو ساكن، فكيف إذا ماج واضطرب؟! شبهه بالبحر المائج، لبأسه وهيبته.

بأرضٍ تهلك الأشواط فيهاإذا ملئت من الرّكض الفروج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

الأشواط: عدو الفرس. يقال: عدا شوطاً، أي طلقا. والفروج: جمع فرج، وهو ما بين القوائم.

يقول: رأيتك في أرض واسعة بعيدة الأطراف. تهلك: أي تفنى. الأشواط فيها: أي عدو الفرس فيها، لسعتها ولا تقطعها إذا جرت أشد الجري، وهو في معنى قوله:

إذا ملئت من الرّكض الفروج

تحاول نفس ملك الرّوم فيهافتفديه رعيّته العلوج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

العلوج: جمع علج، وهو الشديد الخلق، القوى على معالجة العمل. والهاء في فيها تعود إلى الروم ويجوز أن تعود إلى الأرض.

يقول: تطلب نفس ملك الروم، وتقصده دون غيره، ولكن تفديه رعيته وأصحابه وجنوده فتقتلهم بين يديه.

أبا لغمرات توعدنا النّصارىونحن نجومها وهي البروج!؟

الغمرات: الشدائد، وأراد بها الحروب.

يقول: تهددنا النصارى بالحروب والشدائد والخوض في المهالك ونحن لا ننفك عنها، وليس لنا منزل سواها فكأنا نجوم، والغمرات بروج تلك النجوم، فكما لا تزايل النجوم بروجها فكذلك نحن لا نزايل الغمرات.

وفينا السّيف حملته صدوقٌإذا لاقى وغارته لجوج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

يقول: كيف توعدنا النّصارى؟ وفينا سيف الدولة! الذي إذا حمل صدقت حملته: أي لا يرجع حتى يقتل المحمول عليه، وإذا أغار لج على الإغارة وأدامها.

تعوّذة من الأعيان بأساًويكثر بالدّعاء له الضّجيج

بأساً: قيل نصب على التمييز، وقيل: على أنه مصدر، وقيل: على أنه مفعول له. أي نعوذه لأجل بأسه وإقدامه.

يقول: إذا رأينا بأسه وإقدامه. خفنا عليه من العيون، فنعوذه من شر العيون أن تصيبه، ورفعنا أصواتنا بالدعاء له، حتى ينصرف الله عنه العين.

رضينا والدّمستق غير راضٍبما حكم القواضب والوشيج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

الدمستق عند الروم: قائد الجيش مثل اسفهسالار عند الفرس والقواضب: السيوف والوشيج: في الأصل. أصول الرماح، وعروقها التي تنبت عليها الرماح، ثم سميت الرماح بمنبتها.

يقول: نحن رضينا بما حكمت السيوف والرماح، والدمستق غير راض بذلك، لأنها حكمت لنا بالظفر والنصر، وعلى الدمستق بالقتل والهزيمة.

فإن يقدم فقد زرنا سمندووإن يحجم فموعده الخليج
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهذا اليوم بعد غد أريج»

سمندو: مدينة في بلاد الروم، وأراد بالخليج: خليج قسطنطينيه: وهي دار مملكة الروم.

يقول: إن أقدم فنحن توسطنا بلاده، حتى نزلنا على سمندو، وإن أحجم عنا فالموعد بيننا وبينه أن ننزل على الخليج ونحاصره في دار مملكته.

ومر سيف الدولة بسمندو وعبر آلس وهو نهر عظيم فنزل على صارخة وأحرق ربضها وكنائسها وربض الخرشنه وما حولها وأكثر القتل، وأقام بمكانه يوماً ثم رحل حتى عبر آلس راجعاً، فلما أمسى ترك السواد وأكثر الجيش وسرى حتى جاز خرشنة، وانتهى إلى بطن اللقان في غد ظهراً، ولقى الدمستق في الألوف من الخيل، فلما نظر الدمستق إلى أوائل الخيل، ظنها سرية، فثبت لها وقاتل أول الناس حتى هزمهم، وأشرف عليه سيف الدولة فانهزم. قيل: وقتل من فرسانه خلق كثير، وأسر من بطارقته وزراورته ووجوه رجاله خلق كثير نيف على ثمانين، وأفلت الدمستق، وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده، وقفل غانما فلما وصل إلى عقبة تعرف بمقطعة الأثفار فصادفه العدو على رأسها، فأخذ ساقة الناس يحميهم، فلما انحدر بعد عبور الناس ركبه العدو فخرج من الفرسان جماعة، فنزل سيف الدولة على بردى وهو نهر عظيم وضبط العدو، وعقبة السير صعبة طويلة، فلم يقدر على صعودها لضيقها وكثرة العدو بها، فعدل متيا سراً في طريق وصفه له بعض أدلته، وأخذ ساقة الناس يحميهم، وكانت الإبل كثيرة مثقلة وجاءه العدو آخر النهار من خلفه، وقاتله إلى العشاء وأظلم الليل، فتسلل أصحاب سيف الدولة يطلبون سوادهم، فلما خف عنه أصحابه سار حتى لحق بالسواد تحت عقبة قريبة من بحية الحدث، فوقف وقد أخذ العدو الجبلين من الجانبين، فجعل سيف الدولة يستنفر الناس فلا ينفر أحد فمن نجا من العقبة نهاراً لم يرجع، ومن بقي تحتها لم تكن فيه نصرة! وتخاذل الناس وكانوا قد ملوا السفر، فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة والزراورة ولك من كان في السلاسل - وكان فيها مئات - وانصرف سيف الدولة.

فاجتاز أبو الطيب آخر الليل بجماعة من المسلمين، بعضهم نيام بين القتلى - من التعب - وبعضهم يحركونهم فيجهزون على من تحرك، فلذلك قال:

وجدتموهم نياماً في دمائكمكأن قتلاكم إيّاهم فجعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

فقال أبو الطيب: يصف الحال بعد القفول في جماد الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. ويقال: إنه قد قتل في هذه الغزاة من المسلمين زهاء مئة ألف فارس ولم ينج سيف الدولة إلا في شرذمة يسيرة.

غيري بأكثر هذا النّاس ينخدعإن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

قوله: هذا الناس إنما وجه فيه الإشارة، أنه حمله على لفظ الناس ثم قال: إن قاتلوا إلى آخره، فرد الكناية إلى المعنى، وروى: هذا الخلق: وهذا ظاهر.

يقول: غيري ينخدع بأكثر هؤلاء الناس، ويغتر بأقوالهم، فأما أنا، لا أنخدع بهم، ولا أغتر بقولهم، لأني جربتهم فوجدتهم لا خير فيهم، يقولون ما لا يفعلون! فهم في ألسنتهم شجعان، وفي القتال جبناء لا خير عندهم، ولا غناء.

أهل الحفيظة إلاّ أن تجرّبهموفي التّجارب بعد الغيّ ما يزع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الحفيظة: الشجاعة وأصلها: الغضب؛ لأن الشجاع يغضب عند الحروب، فيحمى عن قومه. وقيل: الحفيظة: الحمية والأنفة، والتجارب: جمع التجربة. ويزع: أي يكف يقول: هم أهل الشجاعة والحمية في الظاهر، وإذا جربتهم ظهر لك ما يزع عن الاغترار بهم، والانخداع بظاهر أحوالهم.

وما الحياة ونفسي بعدما علمتأنّ الحياة كما لا تشتهي طبع؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الطبع: الدنس، ثم سمى العار والعيب طبعاً وما استفهام في قوله: وما الحياة وموضعها رفع بالابتداء، والحياة: خبره، ونفسي: معطوفة على الحياة. يعني: وما الحياة، وما نفسي.

يقول: ما لنفسي وطلب الحياة، وكيف ترغب نفسي في حياة هي عار عليها، وغير موافقة لها! وقد علمت نفسي أن الحياة إذا كانت تنغص بما لا تشتهيه: مرة فقر، ومرة تعب، فهي طبع وعار.

ليس الجمال لوجهٍ صحّ مارنهأنف العزيز بقطع العزّ يجتدع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المارن: مالان من طرف الأنف. يجتدع: أي ينقطع.

يقول: ليس جمال الرجل في صحة وجهه ومارنه، ولكن جماله في عزته ومنعته، فإن العزيز إذا ذهب عزه ذهب جماله، وكان في الحقيقة مثل من جدع أنفه، لأن السماجة فيه أكثر من قطع الأنف.

أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه؟وأترك ألغيث في غمدي وأنتجع؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: المجد وحسن الحال إنما يكسبان بالسيف. فأطرح هذا المجد عن كتفي ثم أطلبه! وأترك سيفي في غمدي، وأنتجع المعروف من وجه آخر! فإذا فعلت ذلك فكأني قد طلبت الأمر من غير وجهه.

وقيل: إنه إشارة إلى سيف الدولة. أي كيف أتركه وأطلب الخير والمجد من غيره؟!

والمشرفيّة، لا زالت مشرّفةًدواء كلّ كريمٍ أو هي الوجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول داعياً للسيوف: إنها لا تزال شريفة، فإن العز بها يدرك؛ لان الإنسان إما أن ينال بغيته بها، أو يقتل بها، فهي داء ودواء.

ومثله قول بعضهم:

من عاش بالسّيف لاقى عيشه عجباًموتاً على عجل، أو عاش منتصفاً
وفارس الخيل من خفّت فوقرهافي الدّرب والدّم في أعطافها دفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

خفت: أي الخيل. والدرب: مضايق الروم. وقيل: الضرب. وهو المضيق في الجبل مثل الباب. والأعطاف: الجوانب. ودفع: أي دفعة بعد دفعة. رجع إلى ذكر سيف الدولة.

يقول: الفارس الشجاع من ثبت خيله وسكنها في الدرب، والدم يجري في أعطافها دفعة بعد دفعة.

وأوحدته وما في قلبه قلقٌوأغضبته وما في لفظه قذع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

وأوحدته: أي جعلته الخيل وحيداً فريداً وانفرد عنها، ولم يداخله قلق لوحدته، وكذلك لما أغضبته الخيل، بتقاعدهم عنه، لم يتلفظ بالخنا والفحش.

وروى: وأوجدته: أي أغضبته. من الموجدة وهي الغضب. يعني أن أصحابه لما انهزموا غضب لذلك، ولكن لم يعلق لهذا الغضب ولم يتلفظ بالقبيح.

بالجيش تمتنع السّادات كلّهموالجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: كل سيد وأمير يمنعه جيشه من الأعداء، ويدفع عنه شرهم، إلا سيف الدولة، فإنه يمنع جيشه بنفسه، ويذب عنه بسيفه.

قاد المقانب أقصى شربها نهلٌعلى الشكيم وأدنى سيرها سرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المقنب: الجماعة من الخيل. والنهل: الشرب الأول، والشكيم: جمع الشكيمة، وهي الحديدة المعترضة في فم الدابة. وسرع: في معنى سريع. وقيل: مصدر سرع سرعاً مثل ضخم ضخما.

يقول: قاد الجيش إلى بلاد الروم، وكان غاية شرب خيله النهل، ومع ذلك كانت لجمها في أفواهها لا تنزع، وكان أقل سيرها سريعاً. فكيف أعلاه؟!

لا يعتقى بلدٌ مسراه عن بلدٍكالموت ليس له ريّ ولا شبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

لا يعتقى: أي لا يمنع، يقال: عاقه واعتاقه، مقلوب من عقاه واعتقاه ومسراه: مصدر سرى يسري، وهو مفعول لا يعتقى.

يقول: لا يثبت في بلد من بلاد الروم، ولا يعوقه بلد عن آخر، فإذا فتح بلداً تحاوزه إلى آخر فيفتحه، فكأنه الموت لا يشبع، ولا يروى من هلاك الأنام، وسلب لنفوس. وشبهه بالموت، وشبه البلاد بالنفوس.

حتّى أقام على أرباض خرشنةٍتشقى به الرّوم والصّلبان والبيع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الأرباض: جمع الربض، وهي نواحي المدينة، وما يبنى حول سورها من خارج. والصلبان: جمع صليب، تزعم النصارى أنه صورة الخشبة التي صلب عليها المسيج. وخرشنة: بلد أو حصن.

يقول: لم يزل يسير في بلاد الروم حتى انتهى إلى خرشنة، ونزل على أرباضها، يغير على نواحيها ويكسر صلبانها ويهدم بيعها

للسّبي ما نكحوا، والقتل ما ولدواوالنّهب ما جمعوا، والنّار ما زرعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

إنما قال: ما نكحوا وما ولدوا لأحد ثلاثة أوجه.

أحدها: أنه أجراهم مجرى ما لا يعقل من البهائم، فاستعمل لهم لفظ ما لأنها لما لا يعقل.

والثاني: أن ذلك لغة حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز. قال، يقولون: سبحان ما يسبح الرعد بحمده.

والثالث: أنه في معنى المصدر، تقديره: للسبي نكاحهم، وللقتل ولادتهم.

يقول: إنه كان يسبي نساءهم، ويقتل أولادهم، وينهب أموالهم ويحرق زرعهم.

مخلىً له المرج منصوباً بصارخةٍله المنابر، مشهوداً بها الجمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

مخلى: في موضع نصب على الحال. وكذلك منصوباً ومشهوداً والهاء في بها تعود إلى صارخة. والمرج وصارخة: موضعان من نواحي خرشنة، وهي من أوسط ممالك الروم.

يقول: أخلى له هذان الموضعان. ونصب له بصارخة المنابر، وبني فيها المساجد، وأقام الجمعة، فشهد الناس الجمع بها.

يطمّع الطير فيهم طول أكلهمحتّى تكاد على أحيائهم تقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الطير: مفعول يطمع. وطول: فاعله.

يقول: إن الطير قد تعودت أكل لحوم القتلى منهم، فتكاد تقع على أحيائهم، فضلا عن موتاهم.

ولو رآه حواريّوهم لبنواعلى محبّته الشّرع الّذي شرعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: إنه مع نكايته فيهم، محبوب إلى قلوبهم لشجاعته وسخاوته، فلو رآه حواريّ النصارى لبنوا شريعيتهم على محبته.

ذمّ الدّمستق عينيه وقد طلعتسود الغمام فظنّوا أنّها قزع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

القزع: السحاب المتفرق.

يقول: إن عيني الدّمستق كذّبتاه، حتى ظنّ جيشك العظيم، الذي هو بمنزلة الغمام الأسود، أنه قليل، بمنزلة القطع المتفرقة من السحاب، فلما علم ذلك ذم عينيه، وإنما خص الغمام الأسود، لأنه أهول منظراً وأكثر في السماء إجراء وتراكماً، فهو إشارة إلى الكثرة، ولأن فيها تكون الصواعق أكثر من غيرها، فهي بمنزلة الجيوش.

فيها الكماة الّتي مفطومها رجلٌعلى الجياد الّتي حوليّها جذع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الكمى: الشجاع المتكمي في السلاح أي المستتر. وقيل: إنما سمى كمياً؛ لأن مواضع مقاتله كمى على قرنه. والحولي: الذي أتى عليه حول. والجذع: الذي تم له حولان.

يقول: في هذه الغمام السود، الشجعان الذي كل طفل منهم كأنه رجل؛ لشدته، أو كأنه أرجل من غيرهم، وكل مهر حولي من خيلهم كأنه جذع لقوته أو كأنه جذع من أفراس غيرهم.

يذرى اللّقان غباراً في مناخرهاوفي حناجرها من آلس جرع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللقان: جبل في بلاد الروم. وقيل موضع. وآلس: نهر. وقيل بينهما مسيرة يومين. ويذرى: أي يثير ويفرق. وفيه معنيان.

أحدهما: أنه يريد سرعة السير أي أن الخيل شربت الماء من آلس وسارت منه ووصلت إلى اللقان، والماء بعد في حلوقها لم تسغه فاختلط غبار اللقان في مناخرها، بماء آلس في حناجرها.

والثاني: أنه يريد كثرة الجيش حتى أن أوله يثير الغبار باللقان، وآخره على آلس يشرب من مائه كما قال غيره:

بيثرب أخراه وبالشّام قادمه

كأنّها تتلقّاهم لتسلكهمفالطّعن يفتح في الأجواف ما يسع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كأنه خيله تتلقى الروم لتسلكهم وتنفذ فيهم، كما ينفذ السهم، فالطعن يفتح لهم في أجواف أعدائهم ما تسع الفارس وفرسه. يعني أن كل طعن كأنه درب يسع الفارس، فلو أراد السلوك فيها أمكنه..

تهدى نواظرها والحرب مظلمةٌمن الأسنّة نارٌ والقنا شمع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

نار: فاعل تهدى ومفعوله. نواظرها. والهاء للخيل. والقنا: في موضع الجر عطفاً على الأسنة، ويجوز أن يكون في موضع الرفع على الابتداء، وشمع: خبره، والجملة في موضع النصب على الحال.

يقول: إذا أظلمت الحرب بالغبار، وتحيرت فيها عيون الفرسان، هداها لمع الأسنة في الرماح.

شبه القنا بالشمع، والأسنة بالنار التي في رءوسها، وهذا تشبيه بديع.

دون السّهام ودون الفرّ طافحةٌعلى نفوسهم المقوّرة المزع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الفر: الفرار، وطافحة: أي مرتفعة، من طفحت القدر إذا جاشت وعلا زبدها. والمقورة: الخيل الضامرة. والمزع: السراع.

يعني أن هذه الخيل الضامرة السراع، واثبة على نفوس الأعداء عالية عليهم، وحائلة بينهم وبين الرمي بالسهام، والفرار بالانهزام، بل تسبق إليهم الخيل دون ذلك.

وروى: دون السهام ودون القر والمراد بالسهام: السموم، وهي الحر والقر: البرد والمزع بكسر الميم وفتح الزاي، والمقورة: الدرع، والمزع: صفتها، وهي الخلقة.

يعني أن خيله لا يلبسها من الحر والبرد والثياب المعتاد، ولكن دروع أخلقتها كثرة اللبس، والمداومة عليها.

إذا دعا علجاً حال بينهماأظمى تفارق منه أختها الضّلع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد بالعلج: الرومي. وبالأظمى: الرمح الأسمر.

يقول: إذا دعا الرومي رومياً آخر لينصره حال بين الداعي والمدعو. رمح أظمى، فيفرق بينهما، كما يفرق أحد الأضلاع من الآخر. والهاء في منه تعود إلى الأظمى وفي أختها إلى الضلع وهي المقدمة في المعنى، ورفعها لأنها فاعلة: تفارق.

أجلّ من ولد الفقّاس منكتفٌإذ فاتهنّ، وأمضى منه منصرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

ولد الفقاس: هو الدمسق والمنكتف: المشدود إليه إلى خلف. والكناية في فانهن تعود إلى خيل سيف الدولة، وهي المعبر عنها بسود الغمام.

يقول: إن كان الدمستق قد نجا بنفسه، وفات خيلك، فقد أسر من أصحابه من هو أجل منه، وصرع منهم من هو أشجع منه.

وما نجا من شفار البيض منفلتٌنجا ومنهنّ في أحشائه فزع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الشفار: جمع الشفرة، وهي حد السيف. وأراد بالبيض: السيوف، والأصل فيه الصفة، ثم صار اسماً لها، والكناية في منهن تعود إلى الشفار. ومنفلت ليس بالفصيح. والجيد المفلت والأول أيضاً لغة.

يقول: إن كان الدمستق قد نجا من سيوفك، فلم يفلت إلا وقلبه مملوء من الفزع، فقد حل في قلبه من الخوف ما يقوم مقام قتله. ومثله لأبي تمام:

إن ينج منك أبو نصر فعن قدرٍينجو الرجال ولكن سله كيف نجا؟!
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أبى فلا شنبا يهوى ولا فلجا»
يباشر الأمن دهراً وهو مختبلٌويشرب الخمر حولاً وهو ممتقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المختبل: الفاسد العقل. والممتقع: المتغير اللون.

يقول: قد دخل قلب الدمستق من الخوف، ما يباشر معه الأمن دهرا طويلا، وعقله زائل ويشرب الخمر حولا كاملا ولونه حائل، لشدة الفزع الذي حصل له، مع أن شرب الخمر يظهر في اللون حمرة.

كم من حشاشة بطريقٍ تضمّنهاللباترات أمينٌ ما له ورع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الحشاشة: بقية النفس. والبطريق: عند الروم القائد. وتضمنها: أي تكفل بها. والمراد بالأمين: القيد.

يقول: كم من روح قائد من قواد الروم تكفل بها للسيوف القواطع القيد، وهو أمين، حتى يرد عليها، وإن لم يكن له ورع يكفه عن الخيانة.

وقيل: أراد بالأمين سيف الدولة، وتركه للتورع هو أنه يقتلهم لأنهم كفار، ويعرض عن عفوهم، إذ التورع يقتضي ذلك. والأول أولى.

يقاتل الخطو عنه حين يطلبهويطرد النّوم عنه حين يضطّجع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقاتل الخطو عنه: الضمير في عنه للبطريق.

يقول: إذ طلبه خطوه لينجيه، دفع القيد عنه فجعل ذلك مقاتلة بين الخطو وبين القيد، وإذا أراد أن ينام طرد عنه النوم هذا القيد. وهذا أحسن المعاني في وصف القيد. وقد قال أبو نواس مثله أو قريباً منه:

إذا قام أعيته على السّاق حلقةٌبها خطوه عند القيام قصير
تغدو المنايا فلا تنفكّ واقفةًحتّى يقول لها: عودي، فتندفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

تندفع: أي تسير سيراً سريعاً.

يقول: إن الموت تحت طاعته، فيغدوا كل يوم، فيقف بين يديه، انتظاراً لأمره، فإذا أمره بالوقوع بالأعداء يقول له: اعد إليهم، اندفع إليهم في السير، وأسرع في إجابته وطاعته، فأتى على أرواحهم.

قل للدمستق: إن المسلمين لكمخانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: إن المسلمين بفتح اللام: أي الذين أسلمهم سيف الدولة إلى أعدائهم ولم يذب عنهم، إنما فعل ذلك لأنهم خانوه، وخالفوا أمره، فتركهم حتى ظفر بهم العدو، وجعل ذلك جزاء مخالفتهم لأمره، ومعناه: أنهم لما خالفوه لم يظفروا بعدوهم.

وجدتموهم نياماً في دمائكمكأنّ قتلاكم إيّاهم فجعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

لما انهزم أصحاب سيف الدولة، التجأ من لا يمكنه الفرار منهم إلى قتلى الكفار، وطرح نفسه بين القتلى، وتخضب بدمائهم؛ ليحسب أنه قتيل فلا يتعرض له.

فيقول: إنما أسرتم كل عاجز لم يكن له حيلة سوى أن يطرح نفسه بين القتلى، ويخضب بدمائهم، فكأنه هو الفجيع بقتلاكم، يلقى نفسه عليهم أسفاً، ويتخضب بدمائهم جزعاً

ضعفي تعفّ الأعادي عن مثالهممن الأعادي وإن همّوا بهم نزعوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: الذين أسرتموهم، وقتلتموهم كانوا ضعفى، بحيث إذا ظفر العدو بعدوه على حالة مثلها أمسك عنه، وإن هم بقتله نزع عنه: أي كف عنه، لأن حاله شر من القتلى.

وروى: وإن هموا وإن نزعوا أي لا يقتلهم العدو وإن هموا بقتلهم، ومالوا إليه.

لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمقفليس يأكل إلاّ الميّت الضّبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: لا تظنوا أن من أسرتم كان حياً، بل لم تأسروا إلا كل ميت لم يبق فيه رمق، لأنكم كالضبع، والضبع لا يأكل إلا الميت فلو كانوا أحياء لما أمكنكم أسرهم.

هلاّ على عقب الوادي وقد صعدتأسدٌ تمرّ فرادى ليس تجتمع؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

العقب: جمع عقبة. وروى على عقب الوادي: وهو أسفله وآخره. وقيل: هو موضع بعينه.

يقول: فهلا أسرتم، أو هلا وقفتم أو حاربتم حين عبرنا الوادي وصعدنا عقبه، وكانت خيلنا كالأسود، تمر فرادى للحرب لا يتوقف بعضها لبعض.

تشقكم بفتاها كلّ سلهبةٍوالضرب يأخذ منكم فوق ما يدع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

روى: بقناها: أي برماحها. وروى: بفتاها، والمراد به سيف الدولة. والسلهبة: الفرس الطويلة، وقيل: الضامرة الخفيفة.

يقول: هلا تعرضتم لنا حين كانت الخيل السلاهب تشقكم برماحها، أو بفتاها: أي تحمل إليكم رجلا يقتلكم، أو رماحاً تطعنون بها. وقوله: الضرب يأخذ منكم فوق ما يدع أي أن من قتل منكم وجرح أكثر ممن سلم وتخلص من القتل والجرح.

وإنّما عرّض الله الجنود بكملكي يكونوا بلا فسلٍ إذا رجعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقال: عرضته للسيف: أي أمكنت السيف من عرضه، أي جانبه. والفسل: الضعيف الردىء من الرجال.

يقول: إنما مكنكم الله تعالى من جيش سيف الدولة ليتطهروا من الأوباش، فلا يبقى فيهم إلا كل شجاع فاتك فيعاودكم جيشة ليس فيه إلا الحماة والكماة.

فكلّ غزوٍ إليكم بعد ذا فلهوكلّ غازٍ لسيف الدّولة التّبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: قد صفا جيشه من كل فسل، فكل غزو بعد هذا الغزو هو لسيف الدولة، والظفر له دونكم، وكل غاز تابع له، وداخل في جملته.

تمشي الكرام على آثار غيرهموأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كل كريم يتبع في كرمه من تقدمه من الكرام، وأنت تحدث من الكرم ما لا يسبقك إليه أحد، وتبتدع ابتداعاً، ليس لأحد مثله!

وهل يشينك وقتٌ كنت فارسهوكان غيرك فيه العاجز الضّرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يشينك: أي يعيبك. والضّرع: الضعيف. والهاء في فارسه للوقت وكذلك في فيه وكان أصله: فارساً فيه. إلا أنه أضافه إليه.

يقول: أي عيل لك، إذا ثبت وانهزم أصحابك! ليس فيه عيب، بل فيه فخر، لأنه أظهر شجاعتك وعجز غيرك.

وقيل: معناه ما شانك وقت من الأوقات في الحروب لأنك لم تنهزم قط، في وقت انهزم غيرك فيه، بل كنت الغالب وغيرك العاجز.

من كان فوق محلّ الشّمس موضعهفليس يرفعه شيءٌ ولا يضع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: أنت أعلى من أن تضع الهزيمة من قدرك، أو يرفع الظفر محلك؛ لأنك فوق الشمس ومن كان كذلك لا يضع منه شيء ولا يرفعه؛ لأنه لا نهاية فوقه.

لم يسلم الكرّ في الأعقاب مهجتهإن كان أسلمها الأصحاب والشّيع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: إن أصحابه أسلموه فإن كره في أعقاب عدوه لم يخذله، فلم يضره خدلان أصحابه وأشياعه إياه. والهاء في أسلمها للمهجة.

ليت الملوك على الأقدار معطيةٌفلم يكن لدنيٍّ عندها طمع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لو أن الملوك يعطون الناس على أقدارهم، لم يطمع الدنيء في الاتصال بهم والقرب منهم. كأنه يعرض بسيف الدولة، أنه لو كان ينفي الأراذل من جنده لم تتنفق هذه الهزيمة عليه. ويعرض بشعرائه، لأنهم لا يستحقون ما يستحقه من العطاء.

رضيت منهم بأن زرت الوغى فرأواوأن قرعت حبيك البيض فاستمعوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

حبيك البيض: طرائقه.

يقول: كنت رضيت من جندك أن يكونوا نظارة، وإن ضربت الأعداء سمعوا صوت وقع السيف على رءوس الأعداء وبيضهم.

وقيل: إنه تعريض لبعض شعرائه. ومعناه: وقد رضيت منهم أن يحضروا القتلا، وأن يروا ضربك الأعداء، ويستمعوا وقع الصوت على بيضهم، ومن الواجب ألا ترضى منهم بذلك، بل كان يجب أن يضربوا بين يديك، كما أضرب أنا. والأول أظهر.

لقد أباحك غشاً في معاملةٍمن كنت منه بغير الصّدق تنتفع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

يقول: قد أوسع في الغش معك، في معاملة، من كذبك من نفسه، وأظهر لك غير ما في ضميره، ونافقك في موالاته.

الدّهر معتذرٌ والسّيف منتظرٌوأرضهم لك مصطافٌ ومرتبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

المصطاف: موضع الإقامة في الصيف والمرتبع: في الربيع.

يقول: هذه الهزيمة كانت زلة من الدهر، فهو يعتذر منها إليك، وسيفك ينتظر معاودتك غزوهم، ليتلافى ما فرط، وأرضهم لك تنزلها أيام الصيف والربيع، ولا يقدرون على ردك عنهم، ودفعك عن ديارهم.

وما الجبال لنصرانٍ بحاميةٍولو تنصّر فيها الأعصم الصّدع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

الأعصم: الوعل الذي في إحدى يديه بياض. والصدع: الوعل بين السمين والهزيل. وقيل: الوعل اللطيف الجثة.

يقول: لو التجأت النصارى إلى الجبال لم تمنعهم منك، حتى لو تنصرت الأوعال التي في الجبال لكنت تصطادها بقوتك وتمضي فيها مرادك.

وما حمدتك في هولٍ ثبتّ لهحتى بولتك والأبطال تمتصع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تمتصع: أي تقتتل يقول: لم أمدحك في شعري إلا بعد أن جربتك وشاهدتك ثباتك في الأهوال، ومضاربتك فيما بين الأبطال.

فقد يظنّ شجاعاً من به خرقٌوقد يعدّ جباناً من به زمع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الخرق: الطيش. والزمع: الروية والعزم، وقيل: هو الثبات، وقيل: رعدة تصيب الرجل عند الغضب.

يقول: لم أمدحك إلا بعد التجربة فقد يحسب الأخرق المتهور في الحروب من غير تدير شجاعا، ويحسب الشجاع إذا قدم بالتدبير والعزم والثبات على الحروب جباناً أو إذا رؤى زمعه وارتعاده من الغضب يظن أنه جبان.

إنّ السّلاح جميع النّاس تحملهوليس كلّ ذوات المخلب السّبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

كل ذوات المخلب السبع: مبتدأ وخبر. في موضع نصب بخبر ليس، والاسم: مضمر وهو ضمير الأمر والشأن. وقيل: إن ليس ها هنا بمنزلة ما في لغة بني تميم لا ينصب خبرها.

يقول: ليس كل من يحمل السلاح شجاعاً، كما أن ليس كل ذي مخلب أسد، فقد يحمل الجبان السلاح كما يحمله الشجاع، وقد يكون لغير الأسد مخلب، كالكلب والذئب والضبع، كما يكون للأسد.

وتوقف سيف الدولة في الغزاة الصائفة في جمادي الآخرة سنة أربعين وثلاث مئة ببقعة عربسوس على افتراق القرى ثم أصبح صافا يريد سمندو، وقد اتصل به أن العدو بها جامعاً معد في أربعين ألفا، فتهيب جيش سيف الدولة الإقدام عليها، وأحب سيف الدولة المسير إليها، فاعترضه أبو الطيب وأنشده ارتجالا فلما بلغ إلى قوله:

وإن كنت سيف الدّولة العضب فيهم

قال سيف الدولة: قل لهؤلاء وأومأ بيده إلى من حوله من العرب والعجم - يقولوا كما تقول حتى لا ينثني الجيش، فما تجمل أحد منهم بكلمة.

نزور دياراً ما نحبّ لها مغنىونسأل فيها غير سكّانها الإذنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المغنى: المنزل. والضمير في لها وسكانها للديار.

يقول: نحن نزور دياراً لا نحب مغانيها، لأنها ديار الأعداء، لا ديار الأحباب، وإن كانت هذه ليست بزيارة، غير أن الصورة صورة الزيارة، لأنا لا نريد المقام بها كما يفعل الزائر، ونحن نسأل لدخول هذه الديار الإذن من غير سكانها الذين هم الروم، فنستأذن سيف الدولة، وندخلها بإذنه.

نقود إليها الآخذات لنا المدىعليها الكماة المحسنون بها ظنّا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكناية في إليها ولها للديار، وفي عليها بها للآخذات، والمدى: الغاية. يقال: أخذ هذا الفرس المدى: إذا سبق.

يقول: نقود إلى ديار الروم خيلاً سوابق، عليها شجعان، يحسنون الظن لأنهم جربوها فعرفوها بالجودة.

ونصفي الّذي يكنى أبا الحسن الهوىونرضى الّذي يسمى الإله ولا يكنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يقول: نصفي الحب للّذي كنيته: أبو الحسن، وهو سيف الدولة، ونرضي الله تعالى، وذلك اسمه، ولا يجوز أن يكنى.

وقد علم الرّوم الشّقيّون أنّناإذا ما تركنا أرضهم خلفنا عدنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يقول: قد علم الروم الأشقياء أنا إذا ارتحلنا عن ديارهم، عدنا إليها مرة أخرى، ولا نزال نعاودهم حتى نستأصلهم.

وإنّا إذا ما الموت صرّح في الوغىلبسنا إلى حاجاتنا الضّرب والطّعنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.