من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
قال بعض شعراء بلعنبر (٢)
واليمانون: جمع يمانٍ، والنسبة إلى يمنٍ يمنىٌ، لكنه حذف إحدى ياءي النسب وأتي بالألف عوضاً منه. ومثله شآمٍ وتهامٍ، ومعنى البيت هواي راحلٌ ومبعدٌ مع ركبان الإبل القاصدين نحو اليمن، منضمٌ إليهم، مقودٌ معهم، وبدني مأسورٌ مقيدٌ بمكة. وراكبٌ وركبٌ مثل تاجرٍ وتجرٍ. وقد قيل في الجثمان إنه الشخص والجسمان الجسم، هكذا قاله الأصمعي. والشخص إنما يستعمل في بدن الإنسان إذا كان قائماً. والخليل ذكر في العين أن الجثمان والجسمان بمعنىً واحدٍ. وأصعد في الأرض: أبعد، وحكي أن صعدة اسمٌ علمٌ للأرض، وأن الصعيد منه. ولهذا قيل لحمر الوحش: بنات صعدة، وأولاد صعدة. وهذا إن ثبت فهو كما يقال بنات البر. وقوله " جنيبٌ " أي مجنوبٌ مستتبعٌ. وذكر أن بعضهم يرويه " حثيثٌ "، والصحيح الأول لفظاً ومعنىً.
عجبت لمسراها وأنى تخلصتإلي وباب السجن دوني مغلق
يقول: تعجبت من سير هذه الخيال إلي، ومن حسن توصلها مع هذه الحال، وهو أن باب السجن مرتجٌ دوني. فأما تعجبه من سيرها فعلى غادة العرب والشعراء في وصف الخيال، وذاك أنهم يجرونها مجرى المرأة نفسها، فيستطرفون منها ما
يستطرف من تلك لو وقع الفعل منها على الحقيقة مع نعمتها. وهذا كما قال غيره:
طرق الخيال ولا كليلة مدلجسدكاً بأرحلنا ولم يتعرج
وكما قال الآخر:
وأنى اهتدت والدو بيني وبينهاوما خلت ساري الليل بالدو يهتدي
وأما تعجبه من توصلها فهو تعجب من لطفها في ذلك، وحسن تأتيها، مع العوارض والموانع. والمسرى يصلح في اللغة أن يكون مصدراً ومكاناً ووقتاً والبيت لا يمتنع من وجوهه. وأنى معناه كيف، أو من أين، كذا قال سيبويه. وقد تجرد لأن يكون بمعنى كيف في قول الكميت:
أنى ومن أين آبك الطرب
أتتنا فحيت ثم قامت فودعتفلما تولت كادت النفس تزهق
التحية: السلام والملك والبقاء. والمحيا: الوجه من الإنسان، لأنه يخص عند التسليم بالذكر فيقال حيا الله وجهك، وإن كانت الجملة متلقاةً به. وقيل التحية مشتقة من الحياة أوالحياء. والمحاياة: تحية القوم بعضهم بعضا. والمحيا من الفرس: حيث انفرق اللحم تحت الناصية. فيقول حاكياً لحال الخيال: جاءتنا فسلمت علينا، ثم لم تلبث إلا قليلاً حتى قامت وأعرضت، فلما تولت كادت النفس تخرج في أثرها. ويروى: " ألمت فحيت ". والإلمام: الزيارة الخفيفة. وقوله " لما تولت " جوابه " كادت النفس " وهو علمٌ للظرف. ومتى كان علماً للظرف لم يكن له بدٌ من جوابٍ، لأنه يكون لوقوع الشيء لوقوع غيره. وتزهق خبر كادت، لأن كاد ككان وأخواته ها هنا إذا وقع بعده الاسم، وهو موضوعٌ لمشارفة الفعل ومشافهته، ولهذا وجب ألا يكون معه " أن ". تقول: كاد يفعل، ولا يجوز أن يفعل إلا في الشعر. ومعنى تزهق: تهلك، ومنه قيل للبئر البعيدة القعر والمتلفة البعيدة: زاهقةٌ وزهوق. وفي القرآن: " فإذا هو زاهقٌ ". ويجوز أن يريد به في البيت
تخرج في إثرها سريعةً لما تولت. ومنه زهقت الراحلة: تقدمت. وزهق السهم: أسرع.
فلا تحسبي أني تخشعت بعدكملشيءٍ ولا أني من الموت أفرق
ترك الإخبار عنها وأقبل عليها يخاطبها، جرياً على عادتهم في التنقل والافتنان في التصرف. ومعنى تخشعت: تكلفت الخشوع. والخشوع في البصر كالخضوع في البدن. ويقال: اختشع فلانٌ، إذا طأطأ رأسه رامياً ببصره إلى الأرض وهو خاشع الطرف خاضع العنق. يقول مستهيناً بما اجتمع عليه من الحبس والتقييد، ومتبجحاً عندها بالصبر على الهوى والتهالك فيه - وبهذا دخلت الأبيات في الحماسة - لا تظني أني تكلفت الخشوع بعدكم لشيءٍ عارضٍ، ولا أني أخاف من الموت. والفرق: الخوف، وهو فرقٌ وفروقٌ وفروقة. وقال:
أنوراً سرع ماذا يا فروق
فإن قيل: فأين مفعول تحسبي؟ قلت: قد نابت الجملة، وهو قوله " أني تخشعت بعدكم " عن المفعولين. ألا ترى أن تقديره لا تحسبيني خاشعاً، فكما أن المفعولين يحصلان من دون " أن " كذلك إذا دخل " أن " في الكلام ينوب مع ما بعده عنهما، لأن اللفظ بالمفعولين قد حصل وإن كانا في صلة أن. وأن وما بعده في تقدير اسمٍ، وهذا كما تقول: لو أنك جئتني لأكرمتك، إذ كنت قد لفظت بالفعل في صلة أن، وإن كنت لا تقول لو مجيئك.
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدكمولا أنني بالمشي في القيد أخرق
الوعيد والوعد من أصلٍ واحدٍ، وإن كان أحدهما ضماناً في الخير والآخر ضماناً في الشر، لكنه فرق بين المعنيين بتغيير البناءين، كما فعلوا مثل ذلك في العدل والعديل، فجعلوا أحدهما في الأناسي والآخر في غيرهم. يقول: ولا تظني أن نفسي يستخفها تهددكم، ولا أنني ضجرت بالرسفان، وهو المشي في القيد. ويقال زهاه زهواً وازدهاه، إذا استخفه. ويستعمل الزهو في الباطل والتزيد في القول. يقال: قال زهواً، وفي الكبر يقال زهي لا غير، وهو مزهوٌ، والأصل الخفة. والأخرق: القليل
الرفق بالشيء. وقال أهل اللغة: الخرق: ضد الرفق. وفلان رقيقٌ وفلان أخرق. وربما قالوا: فلانٌ صنع وفلان أخرق. قال:
وهى صناع الرجل خرفاء اليد
ويروى " أخرق " بضم الراء فيكون فعلاً، و " أخرق " بفتح الراء فيكون صفةً.
ولكن عرتني من هواك صبابةٌكما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق
قوله " كما كنت ألقى منك "، الأجود أن يكون " ما " موصوفة غير موصولة، لأنك إذا جعلتها موصوله كانت معرفة وفي تقدير الذي، والقصد إلى تشبيه صبابةٍ مجهولةٍ بمثلها، والتقدير عرت صبابةٌ تشبه صبابةً كنت أكابدها فيك في ذلك الوقت. كأنه شبه حاله فيها بعد ما مني به بحاله من قبل. ومفعول ألقى محذوف تخفيفاً له، أراد كما كنت ألقاه منك. ويقال عراه وأعراه بمعنىً واحد. ومنه عراء الدار وعروتها بفتح العين، أي حيث تعرى منه أي حيث تؤتى. يقول: ولكني تعروني في الهوى رقة شوقٍ وجهد صبابة، كما كنت أقاسيه منك وفيك حين كنت مطلقاً ومخلىً. والفعل من الصبابة صببت بكسر الباء، والصفة صبٌ. وقوله " إذ أنا مطلق " الجملة في موضع جر بالإضافة، وقد شرح بها " إذ " كأنه قال: وقت إطلاقي.
وقال أبو عطاء السندي:
ذكرتك والخطي يخطر بينناوقد نهلت منا المثقفة السمر
يعني بالخطي رمح نفسه، أي يتردد بالطعن. كأنه يصور حاله وما يكابده في مجاهدة أعدائه. والخط: سيف البحرين وعمان وإليه ينسب القنا. وكأن قولهم: الخطيطة، وهي أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، منه. والخطر أصله التحرك، يقال مر يخطر خطراً، وخطر البعير بذنبه خطراً وخطراناً. فنبه بهذا الكلام على قلة مبالاته بالحرب، وأن نفسه تاقت والرمح يختلف بالطعن بينهم إليها حتى كانت تلك همه وشغله، فقال: ذكرتك بقلبي ورماح الخط تضطرب في الحرب بيننا، وقد رويت منا أي من دمائنا. وروى بعضهم: " وقد نهكت منا المثقفة " من نهك المرض، وليس
بشيءٍ: ومصدر ذكرتك ذكر بضم الذال، لأن الذُكر بالقلب والذِكر باللسان. والاسم من نهلت النهل. والمورد: المنهل: وقد عد الناهل في الأضداد، لوقوعه على الريان والعطشان، وكأن حقيقة النهل أول السقي، والاكتفاء به قد يقع وقد لا يقع فلذلك استعمل الناهل في الري والعطش.
فوالله ما أدري وإني لصادقٌأداءٌ عراني من حبابك أم سحر
أقسم بالله على استواء علمه بالحالتين اللتين ذكرهما. ويسمي الألف التي في قوله " أداءٌ عراني " ألف التسوية، لهذا الذي ذكرناه. وكذلك لو قال: ليت شعري أزيدٌ في الدار أم عمروٌ، لكان الألف ألف التسوية أيضاً، لأنه بتمنيه العلم بما ذكره من الأمرين، دل على استواء درايته بهما: " وعراني " معناه أصابني. يقال عراه يعروه، واعتراه يعتريه، وعره يعره بمعنىً واحد.
و" الحباب " بمعنى الحب، كأنه مصدر حببته. وقد يكون مصدر حاببته ويكون من اثنين. ويكون أيضاً جمع الحب، وكأنه جمعه على اختلاف أحواله فيه، كما تجمع الشمس على مواقعها. ويروى " جنابك " والمعنى من ناحيتك. وقوله " إني لصادقٌ " يجوز أن يريد به صدقه في الخبر، ويجوز أن يريد بره في الحلف، ومرجع الوجهين إلى معنىً واحدٍ.
فإن كان سحراً فاعذريني على الهوىوإن كان داء غيره فلك العذر
السحر والتمويه يرجعان إلى معنىً واحد، ولذلك قال تعالى: " سحروا أعين الناس "، أي أخرجوه على وجهٍ في ورأى العين وحقيقته على خلافه. والسحارة: لعبة ذلك صفتها. ويقال عنزٌ مسحورةٌ، إذا عظم ضرعها وقل لبنها. وأرض مسحورة، إذا لم تنبت شيئاً: فيقول: إن كان ما بي سحراً فلي عذرٌ في هواك، لأن من يسحر يحبب، وإن كان داءً غير السحر فالعذر لك، لأني وقعت فيه بتعرضي لك، وفكري في محاسنك، والدلالة على أن " فاعذريني " في موضع فلي عذرٌ، ما قابله به من قوله " فلك العذر ". وفي هذا إسقاط سؤال السائل: لم قال اعذريني ولاذنب له وإنما يحتاج إلى بسط العذر من له ذنب أو يتصور بصورته، وانتصاب " داء " على أن يكون خبر كان، كأنه قال: وإن كان مابي داءً. ويجوز أن يكون توهم أن تلك تصورته بصورة المذنب فيما أظهره من عشقه فقال لها: إن أنت فتنتني وأوقعتني في حبالك لما عرضت علي من محاسنك فلي عذرٌ حين افتتنت،
لأن مثل محاسنك تزل العفيف، وتنقل عن طبعه الحليم. وإن كنت المتعرض لك والجالب على نفسي ما شقيت به، فالعذر لك.
وقال آخر:
وفارسٍ في غمار الموت منغمسٍإذا تألى على مكروهه صدقا
جعل للموت غماراً على التشبيه بالماء، ثم جعله منغمساً فيها فحسنت الاستعارة جداً: وتألى وائتل وآلى من الألية. ولا حلف ثم، إنما يريد الحتم والإيجاب، فيقول: رب فارسٍ داخلٍ في شدائد الموت إذا حلف على ما يكره منه أو يكون كريهاً في نفسه بر ولم يحنث أنا فعلت به كذا. ويروي " مكروهةٍ " والمعنى خصلة تكره وتشق. فعلى هذا يكون صفةً مفردةً عن الموصوف. ويجوز أن يكون مصدراً كالمصدوقة وما أشبهها من المصادر الجائية على زنة المفعول. وأضاف المكروه إذا رويت " مكروهه " إلى الفارس لوقوعه منه. والمنغمس: الداخل في الشيء، يقال غمسته في الماء وغيره، ورجلٌ مغامسٌ للذي يغشى الحرب ويتردد فيها. والغمار والغمرات جمع غمرةٍ، وهي في الماء والحرب والشر ترجع إلى الستر. ويقال رجل مغامرٌ، إذا ألقى نفسه في الغمرات والمهالك. وروى بعضهم " في غمار الموت " بضم الغين، وكسرها أجود مع ذكر المنغمس.
غشيته وهو في جأواء باسلةٍعضباً أصاب سواء الرأس فانفلقا
العضب: القطع، وتوسعوا فيه فقالوا: عضبه عن حاجته، أي حبسه، وامرأةٌ معضوبةٌ أي معضولة، وسيفٌ عضبٌ أي قاطع، كأنه وصف بالمصدر. والتغشي أصله الإتيان والملابسة، ومنه الغشاوة: الغطاء. وتوسعوا فيه حتى قيل تغشاهم بالعدل أو الجور. وفي القرآن: " إذ يغشيكم النعاس أمنةً منه ". فقوله غشيته، هو كما يقال قنعته، وهو جواب رب فارسٍ هكذا أنا ضربته وهو في جيشٍ تام السلاح كريه اللقاء، بسيف قاطع أصاب وسط رأسه فشقه. والسواء: الوسط ها هنا، وفي التنزيل: " في سواء الجحيم ". ويوضع موضع المصدر ثم يوصف به، وفي التنزيل: " سواء للسائلين ". وأصاب،
بمعنى طلب وبمعنى نال، ويقال أصبت الصواب فأخطأته. والجأواء: المخضرة، وهو من الجؤوة، يعني اخضرار السلاح. والبسالة تستعمل في الناس وغيرهم، وهي الشجاعة. ويقال رجلٌ باسل وأسدٌ باسلٌ وبسول. قال:
ما غركم بالأسد الباسل
وهذا يجوز أن يكون من البسل، وهو الحرام، كأنه لنمنعه محرم.
بضربةٍ لم تكن مني مخالسةًولا تعجلتها جبناً ولا فرقا
يقال تعجلت الشيء، أي تكلفته على عجلة. ويقال أيضا أعجلته واستعجلته وتعجلته بمعنىً. والخلس: أخذ الشيء مخاتلةً، وقيل الاختلاس أوحى من الخلس. ويقال هو لك خلسةٌ، كما يقال نهزةٌ وفرصةٌ، يقول: غشيته سيفاً بأن ضربته ضربةً هكذا. فأما قوله لم تكن مني مخالسةً، فهو خلاف قول الآخر:
وقد أختلس الضربة لا يدمى لها نصلي
وقول الهذلي:
وطعنة خلسٍ قد طعنت مرشةٍ
لأن قصد الشاعر هاهنا إلى أنه تناول من خصمه ما تناول بتثبت وقوة قلب لا كما يفعله الجبان. وثم يذكر تمكنه من خصمه على شدة احترازٍ منه حتى تناول ما تناوله خلساً. وقد وصف الشجاع بالمخالس والخليس، وكذلك المصارع. ومن مدحه خصمه ثم ذكر غلبته له كان أبلغ في الافتخار به، فاعرف فرق ما بين الموضعين. وقوله: " ولا تعجلتها جبناً ولافرقاً " يؤكد ما ذكرناه. وانتصاب " جنباً " على أنه مفعول له، وهو الذي يسمى مصدراً لعلة. والمعنى: ولم أتكلف عجلتها لضعف قلبي ولا لخوفي من صاحبي. وضربة الجبان أعجل وأسرع.
وقال ربيعة بن مقرومٍ الضبي
ولقد شهدت الخيل يوم طرادهابسلم أوظفة القوائم هيكل
اطراد الماء والسراب والكلام: اتساقها على حد الاستقامة والمراد. ويقال: جدولٌ مطردٌ، وبلدٌ طرادٌ، أي واسعٌ يطرد فيه السراب. وأراد بالخيل الفرسان لا الأفراس، ألا ترى أنه قال " يوم طرادها ". والطراد من الفرسان: حمل بعضهم على بعضٍ. وعلى هذا ما روي عن النبي ﷺ، وهو " يا خيل الله اركبي ". والمعنى حضرتهم يوم تطاردهم بالرماح وأنا على فرسٍ ضخمٍ سليم الأوظفة من العيوب. ول " شهدت " موضعان: الحضور من قول الله تعالى: " وليشهد عذابهما طائفةٌ من المؤمنين ". وقوله ﷿: " ما أشهدتم خلق السموات والأرض "، وحينئذ يتعدى إلى مفعول واحدٍ. والعلم والتبيين، على ذلك قول الله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو "، وحينئذ يتعدى إلى مفعولين. وقد يقسم به كما يقسم بالعلم، فيقال يشهد الله كما يقال يعلم الله. فأما شهادة الشاهد فلابد من القول فيها. والهيكل أصله في البناء العظيم، ثم وصف به الفرس.
فدعوا نزل فكنت أول نازلٍوعلام أركبه إذا لم أنزل
قوله " دعوا نزال " أي صاحوا: نزال نزال. ومنه قيل لتطريب النائحة في نياحتها: التدعي. وهذا كما قال الأعشى:
قالوا الطراد فقلناتلك عادتنا
وفي القرآن: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". ويجوز أن يكونوا جعلوا نزال على التوسع هي المدعوة وإن كانت دعي إليها؛ ويشهد لهذا الوجه قولهم:
دعيت نزال ولح في الذعر
وفي القرآن: " دعوا هنالك ثبوراً. لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً ". ونزال: اسم لا نزل، مبني على الكسر، معرفةٌ مؤنث معدول. والدلالة على تأنيثه قول زهير:
دعيت نزال ولج في الذعر
والمعنى تنادوا وقالوا نزال فكنت أول النازلين. ثم قال مظهراً لترك التحمد بذلك، وأنه فيما فعله كمن أدى واجباً عليه: " وعلام أركبه ". المعنى لأي شيء أركب فرسي إذا لم أنزل إذا دعيت إلى النزال. و " ما " من " علام " حذف ألفه لأنه في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يخفف بالحذف، على ذلك بم ولم وفيم وعم مم، إلا إذا اتصل بذا فيقال بماذا ولماذا، لأنه يصير ماذا كالشيء الواحد فلا يغير " ما "، وقوله " وعلام أركبه إذا لم أنزل " يجري مجرى الالتفات ويقاربه، وفائدته أنه أسقط التحمد بما فعله. به. وفي طريقته من جهة المعنى قول الآخر:
ولايحمد القوم الكرام أخاهم العتيد السلاح عنهم أن يمارسا
ومثل الأول قوله:
علام تقول الرمح يثقل ساعديإذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
وألد ذي حنقٍ على كأنماتغلى عداوة صدره في مرجل
أخرج التشبيه ما لا يدرك من العداوة بالحس إلى ما يدرك من غليان القدر، حتى تجلى، فصار كالمشاهد. والألد: الشديد الخصومة. كأنه لد بالخصومة، أي أوجر فلد به. ولذلك كان اللدد مصدر ألد. ويقال في معناه ألندد. والحنق: شدة الغيظ، يقال أحنقه فحنق، يقول رب خصم شديد الخصومة ذي غيظٍ وغضبٍ علي تغلي عداوته لي في صدره غليان المرجل بما فيه إذا كان على النار، أنا دفعته عن نفسي. وجواب رب هو صدر البيت الثاني. والحنئى يجوز أن يكون من اللزوق، كأن الحقد لزق بصدره، ومنه يقال أحنقت الدابة، إذا ضمرته.
أرجيته عني فأبصر قصدهوكويته فوق النواظر من عل
ذكر بعض المتأخرين في أرجيته، أن الرواية الصحيحة " أوجيته " وما عداه تصحيف. قال. وهو أفعلته من الوجى، وإنما أوجب ذلك ليكون لفق قوله بزعمه: " وكويته ". والمعنى أذللته ورددته رازحاً كرزوح الفرس الوجى. ثم أنشد قول طرفة مؤنساً به:
وقومٍ تناهوا عن أذاتي بعدماأصاب الوجى منهم مشاش السنابك
قال الشيخ: ولقد قضيت العجب من هذا المستدرك، ومن ضلاله عن طريق الرشاد فيما قصده من المعنى، ورواه في الاستشهاد، وذلك أن شعر طرفة إنما هو:
وما زال شربي الراح حتى أشرنيصديقي وحتى ساءني بعض ذلك
وحتى يقول الأقربون نصاحةًدع الغي واصرم حبله من حبالك
وحتى تناهوا عن أذاني بعد ماأصاب الوجى منهم مشاش السنابك
فقوله: " حتى تناهوا " ليس مما فسره واستشهد له بسبيل، إنما يريد طرفة أنه أبعد غايته في الخسارة، وتمادى في تعاطي الصبا والجهالة، فلم يصخ لناصحٍ، ولم يرعو لعاذلٍ، حتى نفضوا أيديهم من إنابته، ويئسوا من قبوله وإعتابه، فألقوا حبله على غاربه: وصاروا من بين ناسبٍ له إلى الشر، ومسيءٍ إليه في القول، وقاذفٍ إياه بالغي، فأفضت بهم الحال إلى أن تناهوا بعد أن بلغ منهم العناء كل مبلغ، وأثر فيهم الإعياء والإخفاء أشد تأثير. ألا ترى أنه جعل الوجى في المشاش من السنابك منهم. فهذا ما عليه في الرواية، والذهاب عن طريقة الشاعر. وبعد فإنه لا يقال أوجيت الدابة عني ويراد الإخفاء، ولم يسمع في التذليل ذكر الحفى والوجى مستعاراً كما سمع الكي والوسم فيه. وبعد الغوص لا يدري على ماذا يهجم بصاحبه. والرواية الصحيحة " أرجأته " و " أرجيته " وهما لغتان، والهمز أفصح. قد قرى: " ترجى من تشاء منهن " و " ترجى ". ويروى: " أوحيته "، ويروى: " أزجيته " والمعاني تتقارب في الكل. يقول: رب خصمٍ هكذا أنا وحيته عن نفسي وصرفته، وقد أبصر رشده، وعرف مقدار نفسه، فعاد إليه بعد أن كان يشتط فيما له، ويتغابى عما عليه. والقصد: ما لا سرف فيه، ولذلك قيل اقتصد في كذا. وطريقٌ قاصدٌ إذا كان على حد الاستواء. ومن كلامهم: ضل عن قصد الطريق، كما قيل: ضل عن
سواء السبيل. قال الراجز:
إني إذا حار الجبان الهدرهركبت من قصد الطريقٍ منجره
وقوله: " وكويته فوق النواظر " يشبهه قول الآخر:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتيجعلت لهم فوق العرانين ميسما
أي كويته من عل فوق ناظره، أي وسمته بسمةٍ من الذل اشتهر بها، ولم يمكنه إخفاؤها. ويقال لمن يتوعد بالإذلال والتشويه: لأسمنك وسماً لا يفارقك. ولذلك قال جرير:
لما وضعت على الفرزدق مبسميوضغا البعيث جدعت أنف الأخطل
وكما يجعلون هذه السمة في الجبين يجعلونها في الأنف، ولذلك قال الأعشى:
أنف من أنت واسم
وفي القرآن: " سنسمه على الخرطوم ". فإن قيل: لم أتى بقوله من عل، وقد قال فوق النواظر ويعلم منه أنه أعلى؟ قيل: إن التقدير كويته من عل فوق النواظر، أي من أعلاه فوق ناظره، وفيه التقديم والتأخير، ولو سكت على من عل لكان يجوظ أن يكون فوق النواظر ودون النواظر، لكنه بين أن قصده إلى الجبين بميسمه. والمعنى شهرته بإذلالي، ووسمته بكي حيث يظهر للناظرين ولا يخفى. وانتصاب " فوق " يجوز أن يكون على التبدل من الضمير في كويته، لأن " فوق " من الظروف المتمكنة. ويجوز أن تجعله ظرفاً تريد كويته في هذا المكان مما علا منه. وإنما لم يبن من عل لأنه جعله نكرة، كما تقول أتيته قبلاً أي أولا، وأنت لا تقصد إلى أنه مضاف إلى معرفةٍ مخصوصةٍ، فاعلمه. ومنه:
كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل
فالكسرة في الموضعين كسرة إعراب، وإن شئت جعلته معتل الآخر لا منقوصاً كشجٍ وقاضٍ، وجعلته في النية مضافاً، فيكون معرفة وتنوى ضمة البناء في موضع لامه، كما تنويها في الياء من قاضٍ وغازٍ إذا ناديت بهما واحداً بعينه. وفي على لغاتٌ كثيرةٌ، وله نحوٌ في البناء والإعراب ليس لأخواته من الغايات، وليس هذا موضع شرحه.
قال سعد بن ناشب بن مازن بن عمرو بن تميم:
سأغسل عني العار بالسيف جالباعلي قضاء الله ما كان جالبا
القضاء، أصله الحتم والإيجاب، ثم يستعمل في إكمال الصنع والفراغ من الشيء. ولهذا قيل قضي قضاؤك، أي فرغ من أمرك. وفي القرآن: " فقضاهن سبع سموات ". ويروى: " قضاء الله " بالرفع والنصب، فإذا رفعته فإنه يكون فاعلا لجالباً علي، وما كان جالباً في موضع مفعوله، ويكون القضاء بمعنى الحكم. والتقدير: سأغسل العار عن نفسي باستعمال السيف في الأعداء، في حال جلب حكم الله على الشيء الذي يجلبه. وإذا نصب القضاء فإنه يكون مفعولاً لجالباً وفاعله ما كان جالباً، ويكون القضاء الموت المحتوم والقدر المقدور، كما يقال للمصيد الصيد، وللمخلوق الخلق. والمعنى جالباً الموت على جالبه. وذكر بعضهم أن " كان " من قوله ما كان جالباً في معنى صار. قال: ومثله:
بتيهاء قفرٍ والمطي كأنهقطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها
لأن المعنى قد صارت.
وأذهل عن داري وأجعل هدمهالعرضي من باقي المذمة حاجبا
الذهول: ترك الشيء متناسياً له ومتسليا عنه، ومنه اشتقاق ذهلٍ. يقول: إذا ضاق المنزل بي حتى يصير دار الهوان انتقلت عنه، وأجعل خرابه وقاية للنفس من
العار الباقي، والذم اللاحق. وهذا قريبٌ من قوله:
وإذا نبابك منزلٌ فتحول
وهو ضد المعنى الذي يقصدونه بالثبات فيه والصبر عليه، من الإقامة في دار الحفاظ والافتخار به، لأن الاتنقال ثم هو الجالب للعار، كما أن الأقامة هنا هو الجالب. فمن ذلك قوله:
وتقيم في دار الحفاظ بيوتنازمناً ويطغن غيرها للأمرع
ومنه قوله:
يقال محبسها أدنى لمرتعهاوإن تعادى ببكءٍ كل محلوب
وفي ضده قوله:
دار الهوان لمن رآها دارهأفراحلٌ عنها كمن لم يرحل
وقول الآخر:
ولسنا بمحتلين دار هضيمةٍمخافة موتٍ إن بنا نبت الدار
وانتصب " حاجبا " على أنه مفعول ثانٍ لأجعل، لأنه بمعنى أصير. والتقدير: أجعل هدمها حاجباً لعرضي، ومانعاً من باقي الذم. ول " جعلت " غير مواضع، يكون بمعنى خلقت وأنشأت فيتعدى إلى مفعولٍ واحد، كقول الله تعالى: " وجعل الظلمات والنور "؛ ويكون بمعنى سميت، كقوله تعالى: " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً "؛ ويكون بمعنى ظننت، تقول: جعلته عبداً وشتمته، أي ظننته؛ ويكون بمعنى طفق فلا يتعدى. تقول جعل يكلمه، أي أقبل. وعلى هذا قوله:
جعلت وما بي من جفاءٍ ولاقلىأزوركم يوماً وأهجركم شهرا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنتيميني بإدراك الذي كنت طالبا
أراد بقوله " يصغر " صغر القدر وخفته ونزارته في الهم والفكر. وخص " التلاد " وهو المال القديم، لأن النفس بمثله أضن، وبه أنفس، وله أضبط. نبه بهذا الكلام على أنه يخف عل قلبه ترك الدار والوطن خوفاً من التزام العار، كذلك يقل في عينه إنفاق المال عند انصراف اليد حائرةً للمطلوب، جامعةً له. وجواب " إذا " قدم عليه وهو قوله " يصغر "، فأما قوله " كنت طالباً "، فقد حذف منه الضمير العائد إلى الذي، والتقدير كنت طالبه.
فإن تهدموا بالغدر داري فإنهاتراث كريمٍ لا يبالي العواقبا
الهدم: القلع والتخريب، ويسمى المهدوم هدماً. قال:
كأنه هدجم في الجفر منقاض
وتوسعوا فيه فقيل للثوب الخلق هدمٌ، وجمعه أهدامٌ. وقيل عجوزٌ متهدمةٌ أي هرمةٌ فانية. وتهدم عليه من الغضب، كما يقال تهجم. والغدر: ترك الوفاء، ومنه غادرته، والغدير. وكأن هذا الرجل كان أخل بداره لنائبةٍ نابته فصار يخاطب أعداءه ويريهم قلة فكره فيما تجري عليه أحواله من جهتهم، وفيما تفضي عواقب أمره إليه معهم، فيقول: إن تخربوا داري غدراً منكم فإنها ميراث رجلٍ هكذا، ويعني به نفسه، وسمي ملكه ميراثاً وهو حيٌ، والمعني أنه سيورث، وهذا تسمية الشيء المتنقل في أيدي ملاكه والمتصرفين فيه على التشبيه: ميراثاً، وإن لم يتنقل بالأسباب والأنساب. على ذلك قول الله ﷿: " ولله ميراث السموات والأرض "، وقوله: " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ". وتراث، أصله وراثٌ، والتاء فيه كالتاء في تكأةٍ وتخمةٍ. وقوله: " تراث كريمٍ " أراد بالكرم التنزه عن الأقذار، والتباعد من جوالب العار. على ذلك قول الله تعالى: " وإذا مروا باللغو مروا كراماً ". وقوله: " لايبالي العواقبا " يقال: ما باليته بالةً وباليةً ومبالاةً وبلاء، وما باليت به. وكأنه أخذ من البلاء، واستعمل في المفاخرة وتعداد الخصال الحسنة عند المنافرة، ثم كثر استعماله حتى صار يقال في الاستهانة بالشيء. ويشهد لهذا الذي قلناه قول الآخر:
مالي أراك قائماً تباليوأنت قدمت من الهزال
أي تفاخر.
أخي عزماتٍ لا يريد على الذييهم به من مقطع الأمر صاحبا
يقال: ما له عزمٌ وماله عزيمةٌ، أي تثبتٌ وصبرٌ فيما يعزم عليه. وحقيقة العزم: توطين النفس وعقد القلب على ما يرى فعله، ولذلك لم يجز على الله ﷿. والاعتزام: لزوم القصد وترك الانثناء، ولذلم قيل اعتزم الفرس على الجري. يصف نفسه بأنه صاحب هممٍ وأخو عزماتٍ، مستبدٌ برأيه فيها غير متخذٍ رفيقأً، ولا مستنصرٍ أخاً وصديقاً، و " مقطع الأمر " أراد فصله والخروج منه. ويروى: " أخي غمرات " وهي الشدائد. ويروى: " من مفظع الأمر " وهو من مفظع الأمر وأفظع، فظاعةًَ وإفظاعاً، وهو فظيعٌ ومفظعٌ. أو من أفظعني الأمر ففظعت به، أي أعياني فضقت به ذرعا. وقوله: " صاحبا " صغةٌ في الأصل استعملت استعمال الأسماء، فلم يجر مجرى أسماء الفاعلين، ويجري على طريقته قولهم والدٌ.
إذا هم لم تردع عزيمة همهولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
اللهم: ما تحيل لفعله وإيقاعه فكرك. والهمة: اسم الحالة التي تكون عليها في ذلك. ويقال في المثل لمن يعير بطول الأمل: " تهم ويهم بك "، ومنه المهمات، وهذا يخبر عن نفسه بأنه يتبع الرأي الأول. وهذا طريقه الفتاك لأن الرجوع عن الرأي إلى غيره طريقة من يتدبر العواقب فيترك الشيء إلى الشيء لما يرجوه من حسن المآب. فقال: إذا هم هذا الرجل بشيء أنفذ عزيمته ولم يردعها، ولم يفعل ما يفعله خائفاً. ومثله قول الآخر:
جسور لا يروع عند همولا يثني عزيمته اتقاء
ويقال: ردعته فارتدع، أي كففته ورددته ردعاً. ومنه الرداع في العلة وهو النكس، يقال ردع ردعاً ورداعاً. والهيبة تكون من الذعر ومن الإجلال جميعاً، ويقال للجبان هيوب وهيوبة، والهاء للمبالغة، وللمحتشم مهيب. وفي الحديث: " الإيمان هيوب ". ويقال: تهيبت الشيء وتهيبني بمعنى، لما كان لا يلتبس، ومثله من المقلوب كثير.
فيال رزام رشحوا بي مقدماًإلى الموت خواضاً إليه الكتائبا
ويروى: " الكرائبا ". الفاء من قوله " فيال رزام " النية بها استئناف ما بعدها وإن نسق بها جملة على جملة. واللام من يال رزام، هو لام الاستغاثة، ورزام ينجر به وهم المدعوون. وأصل حركة لام الإضافة إذا دخل على ظاهر الكسر، ولهذا إذا عطف على الام بلام أخرى كسرت الثانية، تقول: يالزيد لعمرو، ولكن هذه فتحت لكون ما بعدها منادى، ووقوع المنادى على هذا الحد موقع المضمرات، فكما قيل لك وله، قيل يالزيد. وقوله " رشحوا بي مقدما " بكسر الدال بمعنى متقدما، فهذا كما يقال وجه بمعنى توحه، ونبه بمعنى تنبه ونكب بمعنى تنكب. وعلى هذا قولهم مقدمة الجيش، ومن فتح الدال فالمعنى على أنه يقدم ليقيهم بنفسه. " خواضاً إليه الكتائبا "، انتصب الكتائب على أنه مفعول خواص. ويروى " الكرائب " وهي الشدائد جمع كريبة، والأصل في الكرب: الغم الذي يأخذ بالنفس. والترشيح أصله التنبيت والتربية، ومنه قيل رشحت المرأة ولدها إذا درجته في اللبن، ثم قيل رشح فلان لكذا، توسعاً. ومعنى البيت: يا بنى رزام هيئوا بي رجلاً يتقدم إلى الموت ولا يحيد عنه، مقتحما الجيوش والشدائد غير متنكب ولا حائد. ويروى: " رشحوا بي مقدماً "، وتلخيصه: رشحوا بترشيحكم رجلاً هذه صفته، فأقام الصفة مقام الموصوف.
إذا هم ألقى بين عينيه عزمهونكب عن ذكر العواقب جانبا
قوله: " ألقى بين عينيه عزمه "، أى جعله بمرأى منه لا يغفل عنه، وقد طابق في المعنى لما قابل قوله ألقى بين عينيه عزمه، بقوله: نكب عن ذكر العواقب جانبا. ومثله قول الآخر:
ولا ناظر عند الوغى في العواقب
وانتصب " جانبا " على أنه ظرف. ونكب يكون بمعنى تنكب. والمعنى أنه إذا هم بالشيء جعله نصب عينيه إلى أن ينفذ فيه ويخرج منه، ويصير في جانب من الفكر في العواقب. ويجوز أن ينتصب جانبا على المفعول، ويكون نكب بمعنى حرف. والمراد انحرف عن ذكر العواقب وطوى كشحه دونه. وسمي المعزوم عليه عزما على عادة العرب في وصف الفاعل والمفعول بالمصادر.
ولم يستشر في أمره غير نفسهولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
مثل المصراع الأول قول ابن هرمة:
ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
ويقارب الثاني قول الآخر:
ففي السيف مولى نصره لايحارد
والشاعر يصف استبداده وتفرده عندما يدهمه بما يأتيه فعلاً ورأياً. وإنما نبه على الرأي بقوله: " لم يستشر "، وعلى الفعل بقوله: " ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا ". وانتصب قائم على أنه استثناء مقدم. ألا ترى أن الأصل ولم يرض صاحباً إلا قائم السيف. ولو أتى على هذا لكان الوجه أن يكون بدلاً، فقدم المستثنى كما ترى.
وقال تأبط شراً:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جدهأضاع وقاسى أمره وهو مدبر
قوله لم يحتل ذهب بعضهم إلى أن الحيلة مأخوذة من قولهم حال الشيء، أي انقلب عن جهته، كأن صاحبها يريد أن يستنبط ما يحول عند غيره ولذلك قيل: فلان حول قلب. وقوله جد جده أي ازداد جده جداً. ويكون مثل قوله:
حتى استدق نحولها
المعنى ازداد دقيقها دقة، ويجوز أن يكون المعنى صار غير الجد جداً بمآله، وهذا كما يقال ريع روعه، وخرجت خوارجه، وجن جنونه، وقال الهذلي:
يدعون حمساً ولم يرتع لهم فزع
وإنما هو ريع أمنه، وخرجت دواخله، ولم يرتع لهم أمن. فسمى الشيء بما آل إليه. وقوله أضاع يجوز أن يكون معناه وجد أمره ضائعاً، ويجوز أن يكون بمعنى
ضيع. ويقال: ضاع الشيء ضيعة وضياعاً، وتركهم بضيعة ومضيعة. وإذا أخذ الرجل فيما لا يعنيه، قيل: فشت عليه الضيعة. ويقاربه قولهم:
اتسع الخرق على الراقع
وقوله: وهو مدبر يجوز أن يكون الضمير للأمر، والمعنى قاسى أمره، أي شقي به وهو مول فائت. ويجوز أن يكون الضمير للمرء، والمعنى عالج أمره وكابده مدبراً فيه غير مقبل ولا منصور، ومعنى البيت إذا الرجل لم يطلب رشده ولم ينفذ الحيلة في إصلاح أمره، في الوقت الذي يجب أن يفعله، وقد صار الأمر جداً لا شبهة فيه، عالجه وهو هكذا، أو عالجه والأمر هكذا. ومثله:
ولكن من لا يلق أمراً ينوبهبعدته ينزل به وهو أعزل
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاًبه الخطب إلا وهو للقصد مبصر
السائر عنهم في مثل قولهم: روئ تحزم، فإذا روّأت فاعزم، فيقول: صاحب الحزم هو الذي يستعد للأمر قبل نزوله، ويدبره قبل فوته، حتى إذا نزل به يكون عارفاً بالقصة فيه، سالكاً للوجه الذي يفصله منه. وهذا كما قيل في المثل: قبل الرماء تملأ الكنائن. والحزم في اللغة: الشد والضبط، ومنه الحزام، والحزمة، والحيزوم، والمحزم، والخطب: الأمر المطلوب، ويقال خطبت الأمر فأخطب، كما تقول طلبته فأطلب.
فذاك قريع الدهر ما عاش حولإذا سد منه منخر جاش منخر
ذاك أشار به إلى أخى الحزم. وقريع الدهر يحتمل وجهين: يجوز أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت الشيء أي اخترته وخصصته بقرعتي، ويقال هو قريعهم وقريعتهم وقريعهم بمعنى واحد. ويجوز أن يكون بمعنى من قرعه الدهر بنوائبه حتى جرب وتبصر. ويكون قريع في الوجهين فعيلاً في معنى مفعول. ولا يمتنع أن يكون المراد بقريع الدهر فحل الدهر، ويكون في هذا الوجه قريع في معنى فاعل، لأنه يقرع الناقة أي يضربها. وما تقدم أحسن. وقوله ما عاش في
موضع الظرف، والمعنى مدة عيشه. وقوله إذا سد منه منخر مثل للمكروب المضيق عليه، وهذا كما استعمل فيه الخنق والخناق. وأصل المنخر في الأنف من النخير؛ ويسمى النخرة أيضاً. والجميع النخر. والنخير: مد النفس، ومنه نخير الحمار. وقيل نخرتا الأنف: حرفاه. وجاشت القدر: غلت. وجاش البحر: اهتاج، وأصله التحرك في الموضعين والاضطراب؛ ومنه الجيش واحد الجيوش. والمعنى: لافتنانه في الحيل لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في آخر. والحول: الكثير التحول في الأمور. ويقال هو قلب وحول، وفي معناه رجل حول وحوالي. قال ابن أحمر:
أوينسئن يومي إلى غيرهأني حوالي وأني حذر
ويقال: هو ذو حول وحويل، وفي المثل: لو كان ذا حيلة تحول. فأما قولهم: هو ذو محلة، فهو في معنى محالة، وليس من بنائه، لأن الميم في محلة أصلية، وفي محالة زائدة.
أقول للحيان وقد صفرت لهموطابي ويومي ضيق الحجر معور
من كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء، وقرع الفناء. وهذه الاستعارة من شمول القحط وهلاك المال. ولحيان: بطن من هذيل كان تأبط شراً راغمهم ووترهم، فكانوا يطلبون غفلته، حتى اتفق منه الصعود إلى الجبل الذي وصفه ليشتار العسل، ولم يكن له إلا طريق واحد، فجاءوا وأخذوا عليه ذلك الطريق، فقال: أقول لهم، يعني عند مخاطبته إياهم وهو على الجبل. وقوله وقد صفرت لهم وطابي يحتمل وجوهاً: يجوز أن يكون المعنى وقد خلا قلبي من ودهم. وبعضهم يستضعف هذا ويقول: ومتى كان يودهم؟ وهذا اللفظ كيف يفيد هذا المعنى. ويمكن أن يقال في ذلك إنما أراد وطاب ودي. وهذا كما قال تبشر:
وإذ صفرت عياب الود منكمولم يك بيننا فيها ذمام
كأنه تبين منهم أنهم لا يبقون عليه، ولا يرعون ذماماً له، فلا رعة ولا رقة لديهم، ولا بقيا ولا محافظة عندهم، فصار اعتقاده فيهم كما بان له اعتقادهم. فيه. فلهذا قال ما قال. ويجوز أن يكون المعنى أشرفت نفسي، بسببهم ولتعرضهم وهمهم بانتهاز الفرصة لما أمكنهم، على الهلاك. ويكون هذا من قوله:
ولو أدركنه صفر الوطاب
وفي طريقته قول الآخر:
هرقن بساحوق جفاناً كثيرةوأدين أخرى من حقين وحازر
وقال غيره:
يا جفنة كنضيح الحوض قد كفئتبثنى صفين يعلو فوقها القتر
ويجوز أن يكون أشار بالوطاب إلى الجسم، أي كاد تفارقه الروح. وهذا كما يقال: الإنسان: زق منفوخ. ويحوز أن تكون الإشارة إلى ظروف العسل التي اشتارها لأنه لما تيقن قصدهم لقتله وتركهم مسامحته صب العسل. على الجبل من الجانب الآخر وركبه متزلقاً عليه، حتى لحق بالسهل. قوله: ويومي ضيق الحجر معور، أي ضيق الناحية ممكن. ويقال في الحجر الحجرة أيضاً. وفي المثل: يربض حجرة ويرتمي وسطاً. ومعور، من أعور لك الشيء، إذا بدت لك عورته، وهي موضع المخافة. قال الله تعالى في الحكاية عن المنافقين لما قعدوا عن نصرة النبي ﷺ: " إن بيوتنا عورة " أي واهية يجب سترها وتحصينها بالرجال، وكما قيل يوم معور قيل مكان معور، أي مخوف. ويقال: عور المكان إذا صار كذلك، وقرئ: " إن بيوتنا عورة ". وقال بعضهم: كل ما طلبته فأمكنك فقد أعورك وأعور لك. ومعنى البيت: أقول لهؤلاء القوم والحال هذا، وهو أني قد جعلت لنفسي طريقاً إلى الخلاص منهم أو أني أشرفت على الهلاك واليوم يوم شديد عسير.
هما خطتا إما إسار ومنةوإما دم والقتل بالحر أجدر
الخطة مأخوذة من الخط، وهي تجري مجرى القصة، وإن كان لها مواضع تنفرد بها، وحذف النون من خطتا إذا رفعت إما إسار استطالة للاسم، كأنه استطال خطتا ببدله وهو قوله إما إسار، كما استطال الشاعر الآخر الموصول " بصلته، والموصوف " بصفته فقال:
أبني كليب إن عمى اللذاقتلا الملوك وفككا الأغلالا
فحذف النون من اللذا. ومثله في الحذف قول الآخر:
لها متنتان خظاتا كماأكب على ساعديه النمر
فحذف النون من خظاتا. وقول الآخر:
لنا أعنز لبن ثلاث فبعضهالأولادها ثنتا وما بيننا عنز
ويجوز أن يكون الحذف على وجه الحكاية، كأنه قال: هما خطتا قولكم إما كذا وإما كذا، فلما نوى ذلك حذف النون للإضافة. وكأنهم كانوا يديرونه على الخصلتين، فأخذ يتهكم عليهم ويحكي مقالتهم، ونحوه قول الخليل في قوله: " ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا "، قال معناه لننزعن من المتشايعين الذي يقال لعتوه أيهم أشد؛ فحكى. وقوله:
فأبيت لا حرج ولا محروم
وإذا جررت إما إسار يكون حذف النون لنية الإضافة، والتقدير: هما خطتا إسار ومنة. والمعنى ليس " لي " إلا واحدة من خصلتين اثنتين على زعمكم: إما استئسار والتزام منتكم إن رأيتم العفو، وإما قتل وهو بالحر أجدر من التعرض لما
يخزيه ويكسبه الذل. فهاتان الخصلتان هما اللتان أشار إليهما بقوله هما خطتان؛ وقد ثلثهما بخطة أخرى ذكرها فيما بعد. وفي هذا الكلام تهكم وهزء. وقوله: والقتل بالحر أجدر يسمى اعتراضاً لوقوعه بين ما عدده من الخصال.
وأخرى أصادي النفس عنها وإنهالمورد حزم إن فعلت ومصدر
المصاداة: إدارة الرأي في تدبير الشيء والإتيان به على أتقنه، ومنه يقال: إنه لصدى مال، إذا كان حسن القيام به. يقول: وها هنا خصلة أخرى أداري نفسي فيها، وأداورها عليها، وإنها للموضع الذي يرده الحزم ويصدر عنه إن فعلت. وهذا إنما قسم الكلام هذه الأقسام لأنه رآهم يبنون أمره عليها، ولأنه نظر إلى جهتي الجبل فعلم أنه إن رضي الطريق التي عليها بنو لحيان لنفسه طريقاً كان فيها إحدى الحالتين: من الأسر أو القتل، على ما كانوا يزعمون ويقولون. وإن احتال للجهة الأخرى والحزم فيها، لأن خلاصه منها، كان أمراً ثالثاً. ثم اقتص ما فعله. وقوله وإنها لمورد حزم اعتراض أيضاً، لوقوعه بين قوله وأخرى أصادى النفس عنها، وبين تبيين كيفية مزاولته لها وشرحها.
فرشت لها صدري فزل عن الصفابه جؤجؤ عبل ومتن مخصر
الفرش: البسط، ثم توسعوا فيه فقالوا: فرشته أمري، وافترش لسانه فتكلم كيف شاء. وقوله لها الضمير للخصلة التي عبر عنها بقوله وأخرى. يقول: فرشت من أجل هذه الخطة صدري على الصفا. وهذا حين صب العسل فزلق " به " عن الصفا. أي بصدره صدر ضخم ومتن دقيق، والصدر والمتن صدره ومتنه، ولكن أخرجه مخرج قولهم: لقيت بزيد الأسد، وزيد هو الأسد عندهم. ووضع فرشت موضع ألقيت ووضعت. ويقال: فرشت ساحتي بالآجر، وافترشت الشاة للذبح إذا أضجعتها. وذكر بعضهم أنه يجوز أن يكون الضمير من لها للصفاة، والكلمة مقلوبة، والمعنى فرشتها لصدري. وفي هذا إضمار قبل الذكر والقلب، وإذا كان كذا فالأول هو الوجه.
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفابه كدحة والموت خزيان ينظر
الخلط أصله تداخل أجزاء الشيء في الشيء، وقد توسع فيه حتى قيل: رجل خلط، إذا اختلط بالناس كثيراً. وجاء في الحديث: لا خلاط ولا وراط، وفي
المثل: ليس أوان يكره الخلاط. يقول: أسهلت ولم يؤثر الصفا في صدري أثراً، لا خدشاً ولا خمشاً، والموت كان طمع في، فلما رآني وقد تخلصت بقي مستحيياً ينظر ويتحير. والواو من قوله والموت واو الحال. وهذا من فصيح الكلام، ومن الاستعارات المليحة. وقد حمل قول الله ﷿: " وأنتم حينئذ تنظرون " على أن يكون المعنى تتحيرون. وقد سلك أبو تمام مسلك هذه الاستعارة فقال:
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع