تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

قال بعض شعراء بلعنبر (٣)

إن تنفلت وأنوف الموت راغمة

ويقال إن الموضع الذي يقع عليه كان بينه وبين الطريق الذي عليه بنو لحيان أميال عدة. وقوله ينظر يجوز أن يكون في موضع الحال ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر. ويكون معناه فى مقابلتي. ويقال: بيوتهم تتناظر، إذا تقابلت، لأن النظر تقليب العين نحو المرئي وفي مقابلته. لذلك صح أن يقال للأعمى: نظر إلي، ويجوز أن يكون معنى ينظر يعلم حسن حيلتي وغنائي فيما يدهمني. وفسر قوله تعالى: " يساقون إلى الموت وهم ينظرون "، أي يعلمون ذلك ويتيقنون. وقوله لم يكدح الصفا قيل الكدح بالأسنان والحجر دون الكدم، ومنه قيل المكدح المكدم في حمار الوحش، لتعضيض بعضها بعضاً. وقوله خزيان يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون في الخزاية: الاستحياء.

فأبت إلى فهم ولم أك آيباًوكم مثلها فارقتها وهي تصفر
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إذَا المَرْءُ لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ جَدَّ جِدُّهُ»

يقول: رجعت إلى قبيلتي فهم، وكدت لا أؤوب، لأني شافهت التلف. ويجوز أن يريد: ولم أك آيباً في تقديرهم وظنهم. واختار بعضهم أن يروى: فأبت إلى فهم وما كدت آيباً وقال: كذا وجدته في أصل شعره. قال: ومثله في أنه رد إلى الأصل ووضع اسم الفاعل موضع الفعل قول الآخر:

أكثرت في العذل ملحاً دائماًلا تكثرن إني عسيت صائما
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

والمثل السائر: عسى الغوير أبؤسا. ولا أدري لم اختار هذه الرواية؟ ألأن فيها ما هو مرفوضٌ في الاستعمال شاذٌ، أم لأنه غلب في نفسه أن الشاعر كذا قاله في الأصل؟ وكلاهما لا يوجب الاختيار. على أني نظرت فوجدت أبا تمام قد غير كثيراً من ألفاظ البيوت التي اشتمل عليها هذا الكتاب، ولعله لو أنشر الله الشعراء الذين قالوها لتبعوه وسلموا له. ويروى: ولم آل آيباً والمعنى لم أدع جهدي آيباً وفي الإياب. والأول أحسن. وكم مثلها، أي كم مثل هذه الخطة فارقتها بالخروج منها، وهي مغلوبة تضغو وأنا الغالب. وصفير الطائر معروف، ومنه ما في الدار صافر، أي ذو صفير.

وقال أبو كبير الهذلي:

ولقد سريت على الظلام بمغشمٍجلدٍ من الفتيان غير مثقل
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

يقال سرى يسري سرىً، وأسرى إسراءً بمعنى، وهو سير الليل. وفي القرآن: " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ". وعلى الظلام، أي في الظلام موضعه نصبٌ على الظرف. ويقال فعلته ظلاماً وليلاً في مقابلة فعلته نهاراً. ويقولون: عم ظلاماً وعم صباحاً، وهذا كما جعلوا في مقابلة اليوم الليلة. ويجوز أن يكون على الظلام في موضع الحال، أي وأنا على الظلام، أي راكبٌ له. يقول: ولقد سريت ليلاً برجلٍ غشومٍ قوي من الرجال غير منسوبٍ إلى الثقل والكسل في الأمور. فإن قال قائلٌ: إذا كان السرى لا يكون إلا ليلاً فلم قال على الظلام، ولم جاء في القرآن: " أسرى بعبده ليلاً " و: " فأسر بعبادي ليلاً "؟ قلت: المراد توسط الليل والدخول في معظمه، تقول: جاء فلانٌ البارحة بليلٍ، أي في معظم ظلمته وتمكن ذلك الوقت من ليلته. والجلد: الصلب القوي؛ ومنه الجلد من الأرض. وإنما قال مغشمٍ لأنه جعله كالآلة في الغشم، ومفعل بناء لهذا المعنى، ويريد به تأبط شراً. وكان لأبي كبيرٍ معه قصةٌ معروفة، والأبيات مقصورةٌ عليها، وناطقةٌ بها أو بأكثرها. والغشم والاعتساف يتقاربان. ويقال غشم الوالي

رعيته غشماً وفي كلام بعضهم: أسدٌ حطومٌ خيرٌ من سلطان غشومٍ. ويجوز أن يكون معنى غير مثقل أي كان حسن القبول، محبباً إلى القلوب.

ممن حملن به وهن عواقدحبك النطاق فشب غير مهبل

قوله: وهن عواقدٌ حبك حكاية الحال وإن كان ذلك فيما مضى. ومثله قوله تعالى: " وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد. ويروى: " مما حملن به " أي هو من الحمل الذي حملن به. والضمير في حملن للنساء ولم يجر لهن ذكرٌ، ولكن لما كان المراد مفهوماً جاز إضمارها. ويروى: ممن حملن به، والمعنى: هذا الفتى من الفتيان الذين حملت أمهاتهم بهم وهن غير مستعدات للفراش ولا واضعات ثياب الحفلة فنشأ محموداً مرضياً، لم يدع عليه بالهبل والثكل. وإنما قيل: ممن حملن به، لأنه رد الضمير على لفظ من، ولو رد على المعنى لقال بهم. وفي القرآن في موضع: " ومنهم من يستمع إليك "، وفي آخر: " ومنهم من يستمعون إليك ". وحكي عن بعضهم: إذا أردت أن تنجب المرأة فأغضبها عند الجماع. وأنشد:

تسنمتها غضبى فجاء مسهداًوأنفع أولاد الرجال المسهد

وكذلك يقال في ولد المذعورة: إنه لا يطاق. والحبك: الطرائق. والنطاق: ما تشد المرأة في حقوها. والرواية: حبك الثياب، لأن النطاق قد جاء من بعد في صفة أم المغشم فتكرر، ولأن النطاق لا يكون له حبكٌ وطرائق. وواحد الحبك حبيك، ومنه قوله تعالى: " والسماء ذات الحبك ". وقال الباهلي: الحبكة والحباك: الإزار أيضاً. وقد احتبكت المرأة. وذكر بعضهم أن المهبل: المعتوه الذي لا يتماسك فإن صح ذلك فكأنه من الإسراع، يقال جملٌ هبلٌ.

ومبرأًٍ من كل غبر حيضةٍوفساد مرضعةٍ وداءٍ مع
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

غبر الحيض وغبره باقيه قبل الطهر. وكذلك غبر اللبن: باقيه في الضرع. وتزوج رجلٌ من العرب بامرأةٍ مسنةٍ فقيل له في ذلك، فقال: لعلي أتغبر منها ولد. والحيضة والحيض واحدٌ. والغبر يكون جمع غابرٍ أيضاً. ولم يرض بلفظ التبرئة حتى

أتى بلفظ الكل معه تأكيداً، كأنه نفى قليل ذلك وكثيره. وأضاف الفساد إلى المرضعة لأنه أراد الفساد الذي يكون من قبلها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبةٍ. ويروى مبرأً بالنصب والجر، فإذا نصبته فإنه ينعطف على غير مهبل، كأنه قال: شب في هاتين الحالتين. وإذا جررته ينعطف على قوله جلدٍ من الفتيان كأنه بمغشمٍ جلدٍ ومبرإ. والمعنى أن الأم حملت به وهي طاهرٌ ليس بها بقية حيضٍ، ووضعته ولا داء به استصحبه من بطنها فلا يقبل علاجاً، لأن داء البطن لا يفارق. ولم ترضعه أمه غيلاً، وهي أن تسقيه وهي حبلى بعد ذلك. ويروى عن أم تأبط شراً قالت: ما وضعته يتناً، ولا أرضعته غيلاً، ولا أبته مئقاً، ولا رأيت بنفسي دماً. ولقد حملت به في ليلةٍ مظلمة وتحت رأسي سرجٌ، وعلى أبيه درعٌ. وإنما تريد بهذا الكلام الآخر ما تقول العرب من أن المرأة إذا أكرهت على الوطء، أو وطئت مذعورة، أنجبت وأذكرت. الداء المعضل: الذي لا دواء له كأنه أعضل الأطباء وأعياهم، وأصل العضل المنع، ومنه عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فلم يخرج. وعضلتها: منعتها من التزويج ظلماً.

حملت به في ليلةٍ مزؤودةٍكرهاً وعقد نطاقها لم يحلل
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «وَلَقَدْ سَرَيْتُ عَلَى الظَّلاَم بِمغْشَمٍ»

الزأد: الذعر، وقد زئد فهو مزؤود. والمعنى حملت الأم بهذا المغشم. ويروى مزؤودةً بالنصب على الحال للمرأة؛ ويروى مزؤودةٍ بالجر، ويجوز فيه وجهان: أحدهما أن تجعله صفةً لليلةٍ، كأنه لما وقع الزؤود والذعر فيها جعله لها، والأكثر في المجاز والاتساع أن ينسب الفعل إلى الوقت فيؤتى به على أنه فاعل، كما قيل: نهاره صائمٌ، وليله قائمٌ. وحسن هذا لأن الظرف قد يقدر تقدير المفعول الصحيح، بأن ينزع منه معنى في، كما قال الشاعر:

ويوم شهدناه سليماً

فعلى ذلك تقول شهدت الليلة، وزئدت الليلة، وليلةٌ مشهودة ومزؤودة. ويجوز أن يكون انجراره في الجوار، وهو في الحقيقة للمرأة، كما قيل: هذا جحر ضبٍ

خربٍ. وهذا لميلهم إلى الحمل على الأقرب، ولأمنهم الالتباس. وانتصاب كرهاً على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير كارهةً. ومعنى البيت بما تقدم ظاهر. وقوله: عقد نطاقها لم يحلل، ابتداء وخبرٌ، والواو للحال. وأظهر التضعيف قي قوله لم يحلل، وهو لغة تميم، ووجه الكلام لم يحل. والنطاق: ما تنتطق به المرأة: تشد به وسطها للعمل. قال الأصمعي: كن في القديم ينتطقن بخيطٍ أو تكةٍ. وذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر ﵁. والمنطقة أخذت من هذا. والمعنى أكرهت ولم تحل نطاقها. وحكي عنها في وصف ابنها قالت فيه: إنه والله شيطان، ما رأيته قط مستثقلاً ولا ضحكاً ولا هم بشيء منذ كان صبياً إلا فعله، ولقد حملت به في ليلةٍ ظلماء وإن نطاقي لمشدود.

فأتت به حوش الفؤاد مبطناًسهداً إذا ما نام ليل الهوجل

حوش الفؤاد وحوشي الفؤاد: وحشيه، لحدته وتوقده. ورجلٌ حوشيٌ: لا يخالط الناس. وليلٌ حوشيٌ: مظلم هائلٌ، وكذلك إبلٌ حوشٌ وحوشيةٌ أي وحشيةٌ. وهذا كما يقال: ليلٌ سخامٌ وسخاميٌ: أسود. وقيل: الحوش: بلاد الجن. مبطناً: خميص البطن. وقوله نام ليل الهوجل، جعل الفعل لليل، لوقوعه فيه. والمعنى نام الهوجل في ليله. والهوجل: الثقيل الكسلان ذو الغفلة. يقول: أتت الأم بهذا الولد متيقظاً حذراً، حديد الفؤاد ذكياً، يسهر إذا نام الثقيل البليد. والسهاد والسهد: السهر. ورجلٌ سهدٌ ومسهدٌ. ويقولون للملدوغ: سهدوه لا يسر فيه السم. وقيل الهوجل: الأحمق لا مسكة به. قالوا: وبه سمي الفلاة لا أعلام بها ولا يهتدى فيها: الهوجل.

وإذا نبذت له الحصاة رأيتهفزعاً لوقعتها طمور الأخيل

يقال: نبذت الشيء من يدي، إذا طرحته، وتوسعوا فيه فقيل صبيٌ منبوذٌ، ونابذت فلاناً، إذا فارقته عن قلىً. والحصى: صغار الحجارة. والشاعر إنما يحكي ما رآه منه؛ وذلك أن أبا كبيرٍ ذكر أنه كان أراد أن يغتاله، وكان يطلب منه فرصةً ينتهزها

في نومه وغفلته مع أنه كان لا يجترئ عليه، فكان يروز أحواله ليتمكن من مراده فيه. والمعنى إذا رميته بحصاة وهو نائمٌ وجدته ينتبه انتباه من سمع بوقعتها هدةً عظيمة، فيطمر طمور الأخيل، وهو الشقراق. وانتصاب طمور بما دل عليه قوله فزعاً لوقعتها، كأنه " رأيته " يطمر طموره؛ لأن الخائف المتيقظ يفعل ذلك. والطمور: الوثب؛ ومنه قيل فرسٌ طمرٌ، أي وثابٌ. وذكر أبو العباس أن الطمر في وصف الفرس هو المشرف، ومنه قيل للموضع العالي: طمار. وفزعاً انتصابه على الحال، وجواب إذا قوله رأيته. وقال بعضهم: الأخيل: الشاهين. ومنه قيل تخيل الرجل، إذا جبن عند القتال فلم يتثبت. والتخيل: المضي والسرعة والتلون.

وإذا يهب من المنام رأيتهكرتوب كعب الساق ليس بزمل
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

أصل هب تحرك واضطرب، ثم قيل هب من نومه هباً، وهبت الريح هبوباً، وهبت الناقة في سيرها هباباً، وهب التيس هبيباً. وأهببت السيف: هززته. يقول: إذا استيقظ هذا الرجل من منامه انتصب في مضجعه سريعاً كانتصاب كعب الساق في الساق، وهو ليس بضعيف. وإنمايعني شهامته وتشمره في تلك الحالة. وكعب الساق منتصبٌ أبداً في موضعه، فلذلك شبهه به. والراتب: القائم، ومنه المراتب. وتحقيق الكلام: وإذا يهب رأيت رتوبه كرتوب كعب الساق، لكنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا التشبيه يجري مجرى التصوير. والزمل والزمال والزميلة، كله الضعيف، واشتقاقه من التلفف كأنه متساقطٌ لا متشمرٌ متجردٌ.

ما إن يمس الأرض إلا جانبٌمنه وحرف الساق طي المحمل
للشاعر أبو كبير الهذلي، اقرأ القصيدة

إن، زيد لتوكيد النفي، ويبطل عمل ما بانضمامه إليه في لغة من يعمله. وانتصب طيّ على المصدر مما دل عليه ما قبله، لأنه لما قال، ما يمس الأرض منه إذا نام إلا جانبه وحرف الساق، علم منه أن الرجل مطويٌ غير سمينٍ، وهضيم الكشح غير ثقيل. والمعنى أنه إذا نام لا يتبسط على الأرض ولا يتمكن منها بأعضائه كلها، فعل من يرخيه نومه ويتمكن منه، حتى لا يكاد يتجمع ويتشمر عند الانتباه إلا بعد مزاولةٍ وتهيؤٍ يعمله في كل عضو. وهذا من أبياتٍ كتاب سيبويه. واحتج به بقوله طي المحمل. وأراد بالمحمل حمائل السيف، وهذا كما يقال: هو كالجديل، وكالزمام، والمحمل والحمالة بمعنىً.

وإذا رميت به الفجاج رأيتهيهوى غواربها هوى الأجدل

قال الخليل: الفج: الطريق الواسع من قبل جبلٍ ونحوه، والجميع الفجاج. وغارب كل شيءٍ: أعلاه، ومنه غارب البعير. والشاعر يحكي في هذا أيضاً عنه ما رآه منه عند استصحابه له، فيقول: إذا وجهته في طرق الجبل رأيته يقصد عاليها قصد الصقر. والهوي بضم الهاء، هو القصد إلى أعلى، وبفتح الهاء القصد إلى أسفل. على ذلك قوله:

هوي الدلو أسلمه الرشاء

ولا تختر في رواية البيت على الضم. وأنشد فيه قوله:

كأن هويها خفقان ريحٍخريقٍ بين أعلام طوال

ويروى: مخارمها. والمخارم: جمع المخرم؛ وهو منقطع أنف الجبل. والخرم: أنف الجبل، وجمعه خرومٌ. ومن فصيح كلامهم: هذه يمينٌ طلعت في المخارم، وهي التي تجعل لصاحبها منها مخرجاً. والأجدل، من جدل الخلق.

وإذا نظرت إلى أسرة وجههيرقت كبرق المارض المنهلل

الخطوط التي في الجبهة الأغلب عليها سرارٌ ويجمع على الأسرة، والتي في الكف الأغلب عليها سررٌ وسرٌ وبجمع على الأسرار. قال:

انظر إلى كفٍ وأسرارهاهل أنت إن أوعدتني ضائري
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

وقد قيل: الأسرة: الطرائق. يقول: إذا نظرت في وجه هذا الرجل رأيت أسارير وجهه تبرق وتشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق. يصفه بحسن البشر وتطلق الوجه في كل حال. والعارض: ما يعرض في جانبٍ من السماء من السحاب. وعلى ذلك العارض في الأسنان، ولهذا قيل العارضان لما يبدو من جانبيها. ويقال: تهلل الرجل فرحاً، واهتل، إذا افتر عن أسنانه في التبسم.

قال آخر، ويقال إنها لتأبط شراً:

إني لمهدٍ من ثنائي فقاصدٌبه لابن عم الصدق شمس بن مالك

لا يقال في الهدية إلا أهديت. ويقال في العروس: هديتها وأهديتها جميعاً. والأصل واحد، لأن المعنى على القصد والدلالة، فيقول: إني أمدح ابن عمي الكريم الصادق في الود شمس بن مالك، بما أقصد به راغباً، وأنفذه إليه متحفاً. والمعنى: إني في غيبتي منه وحضوري له، مولعٌ بالثناء عليه، فلا أخليه من المدح في الحالتين جميعاً. واللام في قوله: لابن عم الصدق يجوز أن يتعلق بمهدٍ، يقال: أهديت له كذا، وعلى هذا تكون أعملت الفعل الأول، وما أهداه يكون محذوفاً لعلم السامع بأنه يريد شعره وتقريظه. وكان الأجود أن يقال فقاصدٌ إياه به، ويجوز أن يكون على قول من يزيد من في الواجب أن يكون قوله ثنائي مفعول مهدٍ، فيكون أهداه مذكوراً. ويجوز أن يتعلق اللام بقوله فقاصدٌ، يقال قصدته بكذا وقصدت له به. وعلى هذا تكون قد أعملت الفعل الثاني، وهو المختار إذا جمعت بين فعلين عند أصحابنا البصريين، ويقال هذا ثوب صدقٍ وأخو صدق، وضع الصدق موضع الفضل والصلاح. والتسمية بالشمس كالتسمية بالبدر والهلال. وذكر بعض المتأخرين أنه يروى شمس بن مالك بضم الشين، قال: ويكون هذا في أنه علمٌ لهذا الرجل فقط، كحجرٍ في أنه علم أبي أوسٍ الشاعر، وأبي سلمى في أنه علم أبي زهير الشاعر. والأعلام لا مضايقة فيها.

أهز به في ندوة الحي عطفهكما هز عطفي بالهجان الأوارك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

عطف كل شيءٍ: جانبه. ويقال ثنى عطفه، إذا أعرض وجفا. وكأن القوس والرداء سميا عطافاً لاشتمالهما عند التوشح بهما على العطف. يقول: أحرك بالثناء جانبه كما حرك جانبي بعطيته، أي أسره بذلك حتى يرتاح ويطرب كما سرني حتى اهتززت. والهجان: الإبل البيض الكرام. والأوارك: التي رعت الأراك، يقال أركت الإبل فهي أركةٌ. وقال ابن السكيت: الأوارك التي ترعى الأرك، وهو نبتٌ. والندوة أصله الجمع، ويقال نداهم النادي، أي جمعهم.

وانتدى القوم وتنادوا، إذا تجمعوا. ومنه دار الندوة. والندي: المجلس، والجميع أندية. ويقع لفظ هجانٍ للواحد والجمع، يقال ناقةٌ هجانٌ ونوقٌ هجانٌ، ومثله درعٌ دلاصٌ، ودروعٌ دلاصٌ، وذلك لأن فعالاً وفعيلاً يتشاركان كثيراً، وكما جمع فعيلٌ فعالاً كذلك جمع فعالٌ فعالاً. ألا ترى أن العدد والوزن فيهما واحد وحرف المد من كل واحدٍ بإزاء ما في الآخر؟ فإذا كان كذلك حمل عليه إلا أن فعالاً إذا كان جمعاً ينوى بحركاته وألفه أنها حركات بنائه وهو جمعٌ لا واحد، كأن الكسرة في أوله الكسرة التي في أول ظرافٍ وكرامٍ، لا الكسرة التي في أول حمارٍ وإزارٍ، وكذلك ألفه فاعلمه.

قليل التشكي للمهم يصيبهكثير الهوى شتى النوى والمسالك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

المهم يجوز أن يكون من الهم الذي هو الحزن، ويجوز أن يكون من الهم الذي هو القصد. يقول: هو صبورٌ على النوائب والعلات، لا يكاد يتألم مما يعروه من المهمات. واستعمل لفظ القليل والقصد إلى نفي الكل، وهذا كما يقال فلانٌ قليل الاكتراث بوعيد فلانٍ، والمعنى لا يكترث. وعلى ذلك قولهم: قل رجلٌ يقول كذا، وأقل رجلٍ يقول كذا. والمعنى معنى النفي، وليس يراد به إثبات قليلٍ من كثير. فإن قيل: من أي ساغ أن يستعمل لفظ القليل وهو للإثبات في النفي؟ قلت: إن القليل من الشيء في الأكثر يكون في حكم ما لا يعتد به ولا يعرج عليه، لدخوله بخفة قدره في ملكة الفناء، والدروس والامحاء، فلما كان كذلك استعمل لفظه في النفي على ما في ظاهره من الإثبات محترزين من الرد، ومجملين في القول، وليكون كالتعريض الذي أثره أبلغ وأنكى من التصريح. وقوله: كثير الهوى طابق القليل بقوله كثيرٌ، من حيث اللفظ لا أنه أثبت بالأول شيئاً نزراً فقابله بكثير. والمعنى أنه كثير الهم مختلف الوجه والطرق، لا يوقف منه على مدى غوره في الأمور، ولا يقف به أمله على فن لا يتجاوزه إلى الفنون. ويريد بالهوى الجنس وكذلك النوى، وهي وجهته التي ينويها. ومثله قول الآخر:

باقعلى الحدثان مختلف الشؤون
يظل بموماةٍ ويمسي بغيرهاجحيشاً ويعروري ظهور المهالك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

الموماة: المفازة، ووزنه فعللةٌ، وجمعها موام. وإنما قال يمسي بغيرها ولم يقل يبيت، لأن قصده إلى أن يصفه بأنه يقطع في بياض نهاره مفازةً، ولو قال يبيت لم يتبين منه ذلك. فيقول: بقطع المفاوز لاكتساب المكارم، فتراه يكون نهاره بمفازةٍ فإذا أتى عليه المساء تجده في أخرى فريداً وحيداً - ويقال: حل فلانٌ جحيشاً، أي منفرداً - ويركب ظهور المهالك والمعاطب غير مستصحبٍ رفيقاً، ولا مستجمعٍ سلاحاً. وهذا كما يقال: أعروريت الفرس، إذا ركبته عرياً. وكانت طباعهم أن من كد نفسه وابتذلها، وتوحش في المهالك ولزمها، وتعرض للمعاطب ولم يتوقها، كان ذلك أدعى إلى ما ينوه به ويميزه عن رجال جنسه. وانتصب جحيشاً على الحال، وقولها بغيرها لا يجوز أن يكون مستقراً فاعلمه.

ويسبق وفد الريح من حيث ينتحيبمنخرقٍ من شدة المتدارك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

قوله من حيث ينتحي يجوز أن يكون للممدوح، ويجوز أن يكون لوفد الريح، لأن المراد أنه يسبقه وإن أعطاه مهلةً. ومعنى ينتحي: يقصد. والشاعر إنما يصف خفته وتشمره وجده وتيقظه، فيقول: من حيث اعتمد في السير جاء سابقاً للريح بعدوٍ له واسعٍ من عدوه. المتدارك: المتتابع. وجعل العدو منخرقاً لاتساعه. والمتدارك: المتلاحق. ويقال: أدرك فلانٌ عدةً من أصحابه، أي لحقهم وشاهد أيامهم. وأخذ أبو تمامٍ هذا فزاد عليه وإن كان في لفظة ركاكة، فقال:

فمر ولو يجاري الريح خيلتلديه الريح ترسف في القيود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أظن دموعها سنن الفريد»
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزلله كالئٌ من قلب شيحان فاتك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

الكرى: النوم الخفيف، وكأنه مأخوذٌ من كريت، إذا عدوت عدواً شديداً. فقوله: خاط عينيه يريد مر فيه، وليس يريد التمكن منه حتى يجعل أجفانه كالمخيطة. ومنه قوله:

حتى تخيط بالبياض قروني

وأضاف الكرى إلى النوم كما يضاف البعض إلى الجنس، كأن النوم لجنس الفعل، والكرى لما كان على جهةٍ مخصوصةٍ. يقول: إذا نام النومة التي أشار إليها لم يزل له رقيبٌ وحافظٌ من قلب رجلٍ جادٍ في الأمور، مفاجئ عريضٍ، وهذا الرجل هو هو. كأنه يريد إذا نام عينه لا ينام قلبه. والشيحان والشائح والشيح: الحذر الحازم. قال الهذلي:

وشايحت قبل اليوم أنك شيح

والفاتك: الذي يفاجئ غيره بمكروهٍ أو قتلٍ. وفي الحديث: الإيمان قيّد الفتك. وقال الدريدي: هو الذي إذا هم بالشيء فعل.

ويجعل عينيه ربيئة قلبهإلى سلة من حد أخلق باتك

يروى:

إذا طلعت أولى العدي فنفرهإلى سلةٍ

وهي أسلم الروايتين. والعدي: الرجالة الذين يعدون قدام الخيل. وهو اسم صيغ للجمع، كالكليب والضئين. وعلى الرواية الأولى يقول: لا يغفل قلبه عن التحفظ، وعينه ديذبانه إلى سل سيفه. فإن قيل: كيف يكون العين ديذبان القلب، وهذا يقول إذا نام بعينه لم ينم بقلبه، أم كيف تصح هذه الرواية وفيها يتكرر معنىً واحدٌ في مصراعى البيتين، وهل الواجب في هذا إلا أن يقال إن القلب هو ديذبان العين، لأن العين نائمةٌ والقلب منتبهٌ؟ قلت: إنه وصف حالتين، بالمتقدم صفة حال النوم، والثاني هو صفة حال اليقظة والمعنى أن العين رقيب القلب، والمنتظر لإظهار ما يكرهه وتغييره، فإذا كره القلب شيئاً كان العين صاحبه الذي يظهره، فهو ربيئته إلى نزع السيف وتجريده، وإنكار ما أنكره وتغييره. والأخلق: الأملس. والبانك: القاطع. وقوله " إلى سلةٍ " يجوز أن يكون إلى بمعنى مع، كما تقول هذا إلى ذاك، أي

مع ذاك، ويجوز أن يكون المعنى أنها ربيئته إلى أن يستل سيفه، وبعد ذلك فالعمل للقلب، ويكون إلى الانتهاء. وقوله: من حد أخلق فيه توسع، لأن السيف يستل من الغمد فيصير مسلولاً. ألا ترى قوله:

إذا سل من جفنٍ تأكل أثرهعلى مثل مصحاة اللجين تأكلا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «صحا قلبه عن سُكره فتأملا»

وهذا جعل الجفن مسلولاً والسيف مسلولاً منه. ألا ترى قوله: إلى سلةٍ من حد أخلق، فهو في ذلك كقولهم: أدخلت الخف في رجلي، والقلنسوة في رأسي.

إذا هزه في عظم قرنٍ تهللتنواجذ أفواه المنايا الضواحك

مثله قول الآخر:

سقاه الردى سيفٌ إذا سل أومضتإليه تنايا الموت من كل مرقب

وإن كان هذا وصف السيف وقوة صاحبه في الضرب. والمعنى أنه متى حركه في الضريبة ضحك الموت علماً بظفره بالمضروب. وذكر التهلل والناجذ مثلٌ وتصويرٌ للمراد. وقوله المنايا الضواحك. أي التي من شأنها أن تضحك عند الظفر بمطلوبها، وإنما قال في عظم قرن إيذاناً بأنه لا يتعرض له إلا من يقارنه بأساً وشدة، وكذلك هو لا يعمل هذا السيف إلا في عظم من يقارنه حزماً ونجدةً، ونسبة التهلل إلى النواجذ مجاز وسعةٌ، وهذا كما يقال سر فلانٌ بكذا حتى صار لكل سنٍ له ضحكٌ. وقد سميت ما يبدو من الأسنان عند الضحك الضواحك.

يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتديبحيث اهتدت أم النجوم الشوابك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

قوله: يرى الوحشة الأنس أي ذلك مذهبه. وهذا كما يقال هو يرى رأى أبي حنيفة، أي يذهب مذهبه. فيقول: أنس هذا الرجل التام في التفرد الذي يعده غيره وحشةً. وإتباعه الأنس الأنيس تأكيدٌوإظهارٌ مبالغة. وهذا كما قيل: ظلٌ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياء. وهم يبنون من لفظ الشيء ما يتبعونه به طريق التأكيد. وقوله: يهتدي بحيث اهتدت يصف علمه بالطرق واستغناءه عن الدليل. وقد قيل في أم النجوم إنه الشمس، وقيل هو المجرة. والمعنى أنه يهتدي بحيث تهتدي الشمس.

ويسمى معظم الشيء أمه. والشمس أعظم الكواكب. ويسمى جامع الأشياء أمها، يعنى أنها تأوي إليه. والشوابك: المشتبكة. وإذا جعلت أم النجوم المجرةفيجوز أن يكون المعنى أن يهتدي بالكواكب التي تجمعها، فجعل الفعل لها لاجتماعها فيها. ويجوز أن يكون المعنى أنه يستغني عن الدليل كما تستغني تلك.

قال بعض بني قيس بن ثعلبة، ويقال إنها لبشامة بن جزءٍ النهشلي:

إنا محيوك يا سلمى فحييناوإن سقيت كرام الناس فاسقينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

يقول: إنا مسلمون عليك أيتها المرأة فقابلينا بمثله، وإن خدمت الكرام وسقيتهم فأجرينا مجراهم فإنا منهم. والأصل في التحية أن يقال حياك الله، ثم استعمل في غيره من الدعاء عند اللقاء. وأما قوله:

ولكل ما نال الفتىقد نلته إلا التحية

فالمراد به تحية الملوك خاصة، وهو قولهم: أبيت اللعن! وقيل في سقيت إن معناه: إن دعوت لأماثل الناس بالسقيا فادعي لنا أيضاً. والأشهر في الدعاء أن يقال فيه سقيت فلاناً فيثقل، " والحجة في التخفيف قول أبي ذؤيب:

سقيت به دارها إذ نأتوصدقت الخال فيه الأنوحا "

وعلى هذا يكون في الكلام إضمار، كأنه قال: وإن سقيت بظهر الغيب الكرام بالدعاء عند ذكرهم فافعلي بنا مثله، وقولي سقاكم الله. وقد فصل بعضهم بين سقيت وأسقيت بأن قال: أسقيته: جعلت له سقيا يفعل بها ما شاء، وسقيته: أعطيته ماءً لفيه. ومثله كسوته وأكسيته، لأن معنى كسوته ألبسته، وأكسيته جعلت له كسوة، وبعضهم يجعلهما سواءً، ويحتج ببيت لبيد:

سقى قومي بني مجدٍ وأسقىنميراً والقبائل من هلال
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألم تلمم على الدمن الخوالي»

وإذا فصل بينهما في البيت لم يختل به لفظاً ولا معنىً، كما أنه إذا سوي بينهما لم يختل معنىً ولا لفظاً، فكأنه لا حجة فيه لواحدٍ من القولين. والقصد في الدعاء بالسقيا إلى أن يمد الله المدعو له بما يزيد في نمائه ونضارته. ألا ترى الآخر قال لما دعا على ما تسخطه:

إذا سقى الله أرضاً صوب غاديةٍفلا سقاهن إلا النار تضطرم

فذكر ما يحرق ويستأصل.

وإن دعوت إلى جلى ومكرمةٍيوماً سراة كرام الناس فادعينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

جلى فعلى، أجراها مجرى الأسماء ويراد بها جليلةٌ. كما يراد بأفعل فاعلٌ وفعيلٌ، نحو قوله تعالى: " وهو أهون عليه "، أي هين؛ وكما قال:

فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد

أي بواحدٍ؛ وكقولك: الله أكبر، تريد كبير. يقول: إن أشدت بذكر خيار الناس بجليلةٍ نابت، أو مكرمةٍ عرضت وسنحت، فأشيدي بذكرنا أيضاً. وهذا الكلام ظاهره استعطافٌ لها، والقصد به التوصل إلى بيان شرفه واستحقاقه ما يستحقه الأفاضل الأشراف، والأماثل الكرام. ولا سقى ثم ولا تحية ولا دعاء ولا مغاثة. ألا ترى كيف اشتغل بمقصوده من الافتخار فيما يتلو هذا البيت. وهم كما يتخلصون من التشبيبات وغيرها إلى أغراضهم على اختلافها فإنهم قد يتوصلون بمبادئ كلامهم إلى أمثالها، فتقل المؤونة، وتخف الكلفة. ولهذا نظائر وأشباهٌ تجيء فيما بعد. والسراة في الناس، والشراة بالشين معجمةً في المال والخيل. وفي حديث أم زرع: " فنكحت بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خطياً، وأراح على نعماً ثرياً ". والجلى بالألف واللام: تأنيث الأجل، كما يقال الأكبر والكبرى، وكما قيل السبع الطول جمع الطولى. ولا يحذف الألف واللام منه حينئذ، لأن أصله يكون أفعل الذي يتم بمن. ويقال لكل ما علا شيئاً: جلله، ومنه الجلالة.

إنا بني نهشلٍ لا ندعي لأبٍعنه ولا هو بالأبناء يشرينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

ندعي: نفتعل من الدعوة. وقوله " عنه " تعلق به. ويقال ادعى فلانٌ في بني هاشمٍ، إذا انتسب إليهم؛ وادعى عنهم، إذا عدل بنسبه عنهم. وهذا كما يقال: رغبت في كذا ورغبت عن كذا. وقوله: " لأبٍ " أي من أجل أبٍ ولمكان أبٍ. وانتصاب " بني " على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر بني نهشل. وهذا على الاختصاص والمدح. وخبر إن " لا ندعي ". ولو رفع فقال: بنو نهشلٍ، على أن يكون خبر إن لكان لا ندعي في موضع الحال. والفصل بين أن يكون اختصاصاً وبين أن يكون خبراً صراحاً: هو أنه لو جعله خبراً لكان قصده إلى تعريف نفسه عند المخاطب، وكان لا يخلو فعله لذلك من خمولٍ فيهم، أو جهلٍ من المخاطب بشأنهم. فإذا جعل اختصاصاً فقد أمن هو الأمرين جميعاً. فقال مفتخراً: إنا نذكر من لا يخفى شأنه، لا نفعل كذا وكذا. وإنما قلت خبراً صراحاً، لأن لفظ الخبر قد يستعار لمعنى الاختصاص، لكنه يستدل على المراد منه بقرائنه؛ على هذا قوله:

أنا أبو النجم وشعري شعري

ومعنى البيت: إنا لا نرغب عن أبينا فننتسب إلى غيره، وهو لا يرغب عنا فيتبنى غيرنا ويبيعنا به، لأنه قد رضي كلٌ منا بصاحبه، علماً بأن الاختيار لا يعدوه لو خير فاختار. ويقال: شريت الشيء بمعنى بعته واشتريته جميعاً، ومنه الشروى، وهو المثل.

إن تبتدر غايةٌ يوماً لمكرمةٍتلق السوابق منا والمصلينا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»

يقال: بادرته مكان كذا وكذا، وإلى مكان كذا. قال:

فبادرها ولجات الخمر

وكذلك يقال: ابتدرنا الغاية وإلى الغاية. وقوله: " لمكرمةٍ " أي لاكتساب مكرمةٍ. ويجوز أن يكون اللام مضيفةً للغاية إلى المكرمة، كأنه يريد تسابقهم إلى

أقصاها. يقول: إن تستبق نهاية مجدٍ أو غاية مكرمةٍ تر السابقين منا والتالين أيضاً منا. وإنما قال " المصلين ولم يقل المصليات مع السوابق، لأن قصده إلى الآدميين، وإن كان استعارهما من صفات الخيل. ويجوز أن يكون أخرج السابق لانقطاعه عن الموصوف في أكثر الأحوال، ولنيابته عن المجلي وهو اسم الأول منها إلى باب الأسماء فجمعه على السوابق، كما يقال كاهلٌ وكواهل، وغاربٌ وغوارب. والمصلى هو الذي يتلو السابق فيكون رأسه عند صلاه. والصلوان: العظمان الناتئان من جانبي العجز. وقال الدريدي: هو العظم الذي فيه معرز عجب الذنب. وقال بعض أهل اللغة: هما عرقان في موضع الردف.

ليس يهلك منا سيدٌ أبداًإلا افتلينا غلاماً سيداً فينا

نبه بهذا الكلام على أن من يستحق السيادة فيهم يكثر ولا يقل، فمتى درج منهم رئيسٌ ترشح لسد مكانه واحدٌ. وهذا مثل قوله:

وإني من القوم الذين هم همإذا ما ت منهم سيدٌ قام صاحبه
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

والافتلاء: الافتطام والأخذ عن الأمر، ومنه الفلو. والمعنى هنا الترشيح والتهيئة والصرف عما عليه إلى الرياسة. وأبداً في المستقبل بمنزلة قط في المضي. والقصد أنهم كل وقتٍ على ذلك، فلا يحتاجون إلى الاستعانة بالأجانب دون الأقارب. والأبد: الدهر، وقيل سميت الوحش أوابد لأنها تعمر على الدهر، حتى لا تموت إلا بآفة. وأن يكون من التأبد التوحش أحسن، وإن أمكن رد الكل إلى أصلٍ واحد.

إنا لنرخص يوم الروح أنفسناولو نسام بها في الأمن أغلينا

أغلينا الألف للإطلاق، والنون ضمير الأنفس، ومعنى أغلين وجدت غاليةً أو جعلت غاليةً. وهو هكذا أجود، وليس يريد أنهم مع الغلاء يمكنون منها، بل المراد قطع المقدرة عنها. ومثل هذا:

نعرض للسيوف بكل ثغرٍخدوداً لا تعرض للسباب

فيقول: نبتذل أنفسنا في الحروب ولا نصونها، ولو عرض علينا إذالتها في غيرها لامتنعنا. وهذا لحرصهم على تخليد الذكر الجميل، والأبانة عن محل النفس في الشجاعة. والرخص في السعر: سهولته ولينه، وهو من قولهم فيما أظن امراةٌ رخصةً، إذا كانت ناعمةً. وقوله: ولو نسام بها أي نحمل على أن نسوم بها. ويقال سام بسلعته كذا وكذا، واستام أيضاً، وأغلى السوم والسيمة. وأسمته أنا، أي حملته على أن سام. ولا يمتنع أن يكون قولهم: سمته خسفاً، أصله من ذاك وإن استعمل في المكروه، ومنه قوله تعالى: " يسومونكم سوء العذاب ". وفي البيت طباقٌ بذكر الإرخاص والإغلاء، والروع والأمن، في موضعين، وهو حسنٌ جيد.

بيضٌ مفارقنا تغلي مراجلنانأسو بأموالنا آثار أيدينا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

يروى: بيض معارفنا، وهي الوجوه. والمراد بذلك نقاء العرض وانتفاء الذم والعيب. ويقال: امرأةٌ حسنة المعارف، أي الوجه بما يشتمل عليه. وقيل الأنف وما والاه. وقيل: الحسن في الأنف، والملاحة في الأسنان. وواحد المعارف معرفٌ ومعرفٌ، وكأن الوجه سمي بها لأن معرفة الأجسام وتمييزها تقع بها. والأشهر والأحسن بيضٌ مفارقنا. ويجوز أن يكون أراد ابيضت مفارقنا من كثرة ما نقاسي الشدائد. وهذا كما يقال أمرٌ يشيب الذوائب. وفي القرآن: " يوماً يجعل الولدان شيبا ". وتغلي مراجلنا أي حروبنا، كقول الآخر:

تفور علينا قدرهم فنديمهاونفثؤها عنا إذا حميها غلا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «جهلت علي ابن الحيا وظلمتني»

ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا لانحسار الشعر عنها، باعتيادنا لبس المغافر والبيض، وإدماننا إياه، ويكون هذا كما قال:

قد حصت البيضة رأسي فماأطعم نوماً غير تهجاع

وتكون المراجل على هذا كنايةً عن الحروب أيضاً. ويجوز أن يكون المراد: ابيضت مفارقنا من كثرة استعمالنا للطيب، ويكون كقول الآخر:

جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقة

ويكون على هذا معنى تغلي مراجلنا أي قدورنا للضيافة، ويجوز أن يريد: مشيبنا مشيب الكرام، لا مشيب اللئام. وأنشد ابن الأعرابي في نوادره:

وشبت مشيب العبد في نقرة القفاوشيب كرام الناس فوق المفارق

وعلى هذا يحمل المراجل على أن المراد بها قدور الضيافة. فأما قوله: نأسو بأموالنا آثار أيدينا فإنما يريد ترفعهم عن القود ودفع أطماع الناس عن مقاصتهم، فيداوون جراحاتهم ببذل الأروش والديات. والأسو: مداواة الجرح وإن استعمل في موضع الإصلاح. قال:

والأساة الشفاة للداء ذي الريبة والمدركون للأوغام
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «من لقلب متيم مستهام»

ويقال للضار النافع: يشج ويأسو. ومنه اشتقاق الإسوة، ويقال الأسوة أيضاً. ويروى أن مصعب بن الزبير لما انهزم الناس عنه يوم مسكن جعل يقاتل ويتمثل:

وإن الأولى بالطف من آل هاشمٍتأسوا فسنوا للكرام التأسيا

وفي البيت مع حسن المعاني التي بينتها توازن في اللفظ مستقيم، وسلامةٌ مما يجلب عليه التهجين.

إني لمن معشرٍ أفنى أوائلهمقول الكماة ألا أين المحامونا

يقاربه قول الخنساء:

أقلت مساماة الرجال عديدنا

فيقول مفتخراً إني لمن قومٍ أهلك أسلافهم قول الأبطال لهم ألا أين الذابون والمحامون؟ فكانوا يتقدمون ويفنون. والكماة: جمع الكمي، وهو من قولهم كمى

شهادته، إذا كتمها؛ لأن الشجاع يستغني بالفعال، عن الدعوى والمقال، فكأنه يستر أمره وشأنه لوقت الحاجة، ولأنه إذا سكت دل على صفاته بلاؤه.

لو كان في الألف منا واحدٌ فدعوامن فارسٌ خالهم إياه يعنونا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»

يعني بقوله فدعوا أعلنوا الاستغاثة بيال فلانٍ، ومن فتىً، وما أشبهه. ويقال خلته أخاله خيلاً ومخيلةً وخيلاناً. وهذا مثل قول طرفة:

إذا القوم قالوا من فتىً خلت أننيعنيت فلم أكسل ولم أتبلد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقد زاد هذا عليه بقوله لو كان فى الألف مناً واحدٌ ". لأن ذلك قال:

إذا القوم قالوا من فتىً، فنصب نفسه مع قومه؛ وهذا جعله منضماً مع الكثرة إلى الغرباء. وإنما قال: من فارسٌ فنكر، كما قال طرفة: من فتى فنكر. ولم يعرف واحدٌ، منهما، لأن السؤال بالمنكر لشدة إبهامه يكون أشمل لتناوله واحداً واحداً لا سيما وليس القصد في الاستفهام إلى معهودٍ معين، ولا إلى الجنس فيقال: من الفتى، ومن الفارس. وفي هذه الطريقة قول الآخر:

إذا القوم قالوا من فتىً لعظيمةٍفما كلهم يدعى ولكنه الفتى

وبيت بشامة أجود الثلاثة. وقد أحسن الفرزدق كل الإحسان لما أشار إلى هذا المعنى فقال:

إذا ما قيل يا لحماة قومٍفنحن بدعوة الداعي عنينا
إذا الكماة تنحوا أن ينالهمحد الظبات وصلناها بأيدينا

إنما قال حد الظبات - وظبة: السيف حده - لأنه أراد المضارب بأسرها. وكما صلح أن يقال أصابته ظبة السيف صلح أن يقال حد الظبة. وقيل الظبة: طرف السيف، والشباة حد طرفه. يقول: إذا الأبطال تباعدوا عن المصادمة والمكافحة، مخافة أن ينالهم حد السيوف مددنا أبواعنا إليهم بها أو وصلناها، وفي هذا المعنى قوله:

إذا قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا للتضارب
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «ونحن بنو الحرب العوان نشنها»

وقوله تنحوا أن ينالهم أي تنحوا أن ينالهم، ومخافة أن ينالهم؛ فلما حذف من وصل الفعل فعمل. وعلى هذا قولهم: تحصن فلانٌ أن يطلب، وقول الله تعالى: " يبين الله لكم أن تضلوا ". وقوله: وصلناها بأيدينا أي إذا عجزت جعلنا وصلها أيدينا. وهذه الأبيات إذا تؤملت فكلٌ منها غاية يدعو إلى نفسه لفظاً ومعنىً.

ولا تراهم وإن جلت مصيبتهممع البكاة على من مات يبكونا
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

يصف تعودهم للثكل، وإلفهم للمصائب والقتل، وأن قلوبهم قد مرتت عليها حتى قست، فلا يبكون مع البكاة على من قتل منهم. ومثله قول عمرو بن كلثوم:

معاذ الإله أن تنوح نساؤناعلى هالكٍ أو أن نصيح من القتل
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «معاذ الإله أن تنوح نساؤنا»
ونركب الكره أحياناً فيفرجهعنا الحفاظ وأسيافٌ تواتينا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا ذات أجوارنا قومي فحيينا»

يجوز أن يكون هذا كما قال الآخر:

فحالفنا السيوف على الدهر

ويجوز أن يكون أراد بالسيوف كأنهم السيوف مضاءً ونفاذاً. والأول أولى. وإنما يصف خطارهم بمهجهم، وركوبهم المهالك، ورميهم بأنفسهم المرامي المعطبة. فيقول: إذا فعلنا ذلك في الوقت بعد الوقت، وسعت المضايق عنا محافظتنا على الكرم وصبرنا على الشدائد، واستعمالنا سيوفنا المطاوعة لنا. ومعنى يفرجه: يكشفه ويوسعه. ويقال: فرج الله غمّه وفرجه، بالتخفيف والتشديد. ومنه سمي ما بين القوائم: الفروج. وإطلاق لفظ الفرج على العورة يجري مجرى الكنايات. وعلى هذا قيل: رجلٌ فرجةٌ، إذا كان كشافاً لأسراره.

عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي، ويقال إنه للسموءل ابن عاديا اليهودي:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضهفكل رداءٍ يرتديه جميل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

يقال: دنس دنساً، وتدنس تدنساً، إذا تكلفه. فيقول: إذا لم يتدنس الرجل باكتساب اللؤم واعتياده فأي ملبس لبسه بعد ذلك كان حسناً جميلاً. وذكر الرداء ها هنا مستعار، وقد قيل: ردَّاه الله رداء عمله، فجعل كنايةً عن مكافأة العبد بما يعمله، أو تشهيره به، كما جعله هذا الشاعر كنايةً عن الفعل نفسه. وتحقيقه: فأي عملٍ عمله بعد تجنب اللؤم كان حسناً. واللؤم: اسمٌ لخصالٍ تجتمع، وهي البخل واختيار ما تتقيه المروءة، والصبر على الدنية، ودناءة النفس والآباء. وإذا يتضمن معنى الجزاء، والفاء مع ما بعده جوابه. وليس هنا من قول عمرو بن معد يكرب:

ليس الجمال بمئزرٍفاعلم وإن رديت بردا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ليس الجمال بمئزر»

فيعتقد أنه يريد بالرداء الثياب بسبيلٍ، فاعلمه.

إذا المرء لم يحمل على النفس ضيمهافليس إلى حسن الثناء سبيل
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا المرء لم يحمل ظلم نفسه عليها، ولم يصبرها على مكارهها، فليس له طريقٌ إلى الثناء الحسن. وهذا يشير إلى كظم الغيظ، واستعمال الحلم، وترك الظلم والبغي مع ذويه، والصبر على المشاق، وإهانة النفس في طلب الحقوق؛ لأن من تعود هذه الأشياء علا ذكره، وحسن ثناؤه. ويقال: ضامه ضيماً، وهو مضيمٌ، إذا عدل به عن طريق النصفة واهتضمه. ومنه قيل: قعد في ضيم الجبل، أي في ناحيةٍ تنعدل إليه. وكما استعمل الضيم من ضام، كذلك استعمل الهضم واحد أهضام الوادي من هضم. ويبعد من طريق المعنى أن يريد بقوله ضيمها ضيم الغير لها فأضاف المصجر إلى المفعول، لأن احتمال ضيم الغير لهم يأنفون منه، ويعدونه تذللاً.

تعيرنا إنا قليل عديدنافقلت لها إن الكرام قليل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

يقال عيرته كذا، وهو المختار الحسن، وقد جاء عيرته بكذا. قال عديٌ:

أيها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

والمعنى أنكرت منا قلة عددنا فعدته عاراً، فأجبتها وقلت إن الكرام يقلون. والكرم: اسمٌ لخصالٍ تضاد خصال اللؤم، وقد ذكرناها. وهذا الاعتراف الذي حصل

منه إنما هو اعترافٌ بقلة العدد لا بقلة القدر والغناء، ألا ترى أنه رجع عليه بالنفي في البيت الثاني فقال:

وما قل من كانت بقاياه مثلنا

على أن قوله إن الكرام قليل يشتمل على معانٍ كثيرة: وهي ولوع الدهر بهم، واعتيام الموت إياهم، وقلة النسل فيهم، واستقتالهم في الدفاع عن أحسابهم، وإهانتهم كرائم نفوسهم مخافة لزوم العار لهم، ومحافظتهم على عمارة ما ابتناه أسلافهم. وكل ذلك يقلل العدد، ويقصر المدد. وقليلٌ وكثيرٌ يوصف بهما الواحد والجمع.

وما قل من كان بقاياه مثلناشبابٌ تسامى للعلا وكهول

الهاء من قوله بقاياه راجعة إلى لفظ من لأن معناه الكثرة. ولو رد عليه لقال بقاياهم. يقول: وما حصلت القلة في القدر والغناء، ولا لحقت الذلة في اللقاء والدفاع لأسلافٍ أخلافهم نحن، شبانٌ وكهولٌ يتسامون في اكتساب المعال، ن ويترقون في درجات الفضل. وشبابٌ مصدرٌ في الأصل ووصف به، ولذلك لا يثنى ولا يجمع. يقال شب الصبي يشب شباباً. وقوله تسامى أراد تتسامى، فحذف إحدى التاءين استثقالاً للجمع بينهما. فإن قلت: هلا أدغمت كما أدغمت في ادراك - والأصل تدارك؟ قلت: ليس هذا موضع إدغام، لأنه فعل مضارع. ألا ترى أنه لو أدغم لاحتيج إلى جلب ألف الوصل لكون أوله، وألف الوصل لا يدخل على الفعل المضارع. والكهل: الذي قد وخطه الشيب، ومنه اكتهل النبت، إذا شمله النور.

وما ضرنا أنا قليلٌ وجارناعزيزٌ وجار الأكثرين ذليل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

في هذا الكلام تعريض بعشيرة من جاذبه الكلام. يقول: وما يضرنا قلة عددنا وجارنا في عزٍ، وجار من لهم العدد والكثرة في ذل. وقوله: وما ضرنا يجوز أن يكون ما حرف نفي، والمعنى لم يضرنا؛ ويجوز أن يكون اسماً مستفهماً به على طريق التقرير، والمعنى أي شيء يضرنا. والواو من قوله: وجارنا عزيزٌ واو الحال، أي لا يضرنا ذلك والحال هذا. وكذلك الواو من قوله: وجار الأكثرين ذليل واو الحال. وإنما صلح الجمع بين الحالين لأنهما لذاتين مختلفتين، ولو كانا لذات واحدة لم يصلح. والعز والعزازة استعمل في القدرة والمنع، وفي الصلابة

والشدة. ويقال: تعزز اللحم، لأن الكل يرجع إلى أصل واحد. كما ان الذل والذل الذي هو ضده استعمل في الانقياد والسهولة واللين والوطاءة، إذ جميعه يدعو إلى شيءٍ واحد. وفي طريقته:

فجارك عند بيتك لحم ظبيٍوجاري عند بيتي لا يرام

وقول الآخر:

وهم يمنعون جارهم أن يقردا

لنا جبلٌ يحتله من نجيرهمنيعٌ يرد الطرف وهو كليل
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»

ومثله:

لنا هضبةٌ لا يدخل الذل وسطهاويأوي إليها المستجير ليعصما

وأراد بذكر الجبل العز والسمو. فيقول: لنا جبل عزٍ يدخله من ندخله في جوارنا، ممتنعٌ على طالبه، يرد لإشرافه وسموقه طرف الناظر إليه وهو حسير. ومنيعٌ: اسم الفاعل من منع مناعةً ومناعاً، ومنه المنعة. ويجوز أن يكون فعيلاً في معنى مفعول، أي ممنوع منه، وكما استعمل المنيع في العز استعمل أيضاً في العفة، فقيل امرأة منيعةٌ وممتنعةٌ أي عفيفةٌ. وحل واحتل بمعنىً. والطرف: النظر والعين جميعاً. وقال الدريدي: طرف العين امتداد لحظها.

رسا أصله تحت الثرى وسما بهإلى النجم فرعٌ لا ينال طويل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

رسا الجبل: ثبت أصله في الأرض. ومنه رست السفن، إذا انتهت إلى قرار البحر. والرسو والرسوخ يتقاربان. والثرى: الندى. وما تحت الأرض ثرىً. ويقال: ثرىً ثريٌ، على المبالغة. يقول: ثبت أصل هذا الجبل - وهو يريد العز على ما بينت - تحت الأرض وارتفع به أعلى طويلٌ لا ينال إلى محل النجم. والمراد: عزنا أصله تحت الأرض السابعة، وفرعه عند النجم. ومعنى لا ينال: لا يوصل إليه ولا يحصل

مثله. وكما كان يقال في الرفيع الشأن العالي القدر: هو في النجم وهو في السكاك، وكان قصده في الفرع أنه مديدٌ حتى اتصل بالنجم، زاده صفةً فقال طويل. وقد طابق الرسو بالسمو، كما قابل الأصل بالفرع. ونقله أبو تمامٍ فقال:

لنا نبعةٌ فرعها في السماءوفي هامة الحوت أعراقها
وإنا لقومٌ ما نرى القتل سبةًإذا ما رأته عامرٌ وسلول
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

كان وجه الكلام أن يقول: ما يرون القتل سبةً، حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تعرى منه، لكنه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى. وقد جاء في الصلة مثل هذا، وهو فيه أفظع، قال:

أنا الذي سمتن أمي حيدره

والوجه سمته حتى لا يعرى الصلة من ضمير الموصول. قال أبو عثمان المازني: لولا صحة مورده وتكرره لرددته. فضل عشيرته في الصبر على الموت، والثبات في الحرب على عامرٍ وسلول، وهما قبيلتان. فيقول: إذا حسب هؤلاء القتل والقتال عاراً ومنقصةً عدهما عشيرتي فخراً ومكرمةً. والسبة: ما يسب به، كما أن الخدعة ما يخدع به. وأصل السب: القطع، ثم استعمل في الشتم. وهذا كما يقال: فلانٌ يقطع أعراض الناس. وقوله: ما نرى أي لا نجعل ذلك مذهباً.

يقرب حب الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»

قوله: يقرب حب الموت أي حبنا للموت. وجعل في مقابلته: وتكرهه آجالهم لأنه يشتمل على ما يوفيها حقها من اللفظ. وإن كانت من حيث المعنى قد حصلت: ويبعد بغضهم إياه آجالهم. ويكون الشاعر ملماً في المصراع الأول بقول الآخر:

رأيت الكريم الحر ليس له عمر

لأنه يشير إلى أنهم يعتبطون لاقتحامهم المنايا، وحرصهم على ملابسة الحروب، وأن أولئك يعمرون لمجانبتهم الشرور، وزهدهم في مجاذبة العدو. ويجوز

أن يكون أضاف الحب من قوله حب الموت إلى الفاعل، فيكون المعنى: يقرب حب الموت لنا آجالنا، ويكون هذا كقول طرفة:

أرى الموت بعتام الكرام ويصطفيعقيلة مال الفاحش المتشدد

ويكون على هذا قوله وتكرهه آجالهم محمولاً على أنه إذا كرهت آجالهم الموت فقد كره الموت آجالهم أيضاً. ألا ترى قول دريد:

أبى القتل إلا آل صمة إنهمأبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «تقول ألا تبكي أخاك وقد أرى»

وقول متمم:

أرى الموت طلاعاً على من ترفعا

وإذا كان كذلك فالتقابل في هذا الوجه حاصلٌ أيضاً. وبعضهم روى: يقصر حب الموت واختاره، ليكون القصر بإزاء الطول. وهم لا يراعون مثل هذا إذا تناسبت المعاني وتقابلت، ويكون ذلكمنهم كالمتبرئ من التكلف. ألا ترى أبا ذؤيب الهذلي قال:

وشيك الفصول بعيد القفولإلا مشاحاً به أو مشيحا

وقد كان يمكنه أن يقول بطيء القفول فلم يراع ذلك. وقد أحسن عنترة كل الإحسان في سلوك هذه الطريقة، حين قال:

ليس الكريم على القنا بمحرم

وما مات منا سيدٌ حتف أنفهولا طل منا حيث كان قتيل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»

حتف انتصب على الحال، ولم يستعمل منه حتف ولا هو محتوف. وليس هذا مثل تبسمت وميض البرق، فاعلمه. يقول: لم يمت رئيسٌ منا على فراشه، بل

مات ميتةً كريمةً في الحرب تحت ظلال السيوف والرماح، ولا أبطل دم قتيلٍ منا حيث كان، وعلى يد من اتفق. وهذا غاية ما يتحمد به الفتاك وأبناء الحروب، حتى إن بعضهم اعتذر عمن مات على فراشه فقال:

بحمد من سنابك لا بذمأبا قران مت على مثال

وفي هذه الطريقة قوله:

كتب القتل والقتال عليناوعلى الغانيات جر الذيول
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أن من أكبر الكبائر عندي»

وقوله: مات حتف أنفه يقال إن أول من تكلم به النبي ﷺ. وتحقيقه: كان حتفه بأنفه، أي بالأنفاس التي خرجت من أنفه عند نزوع الروح، لا دفعةً واحدة. ويقال خص الأنف بذلك لأنه من جهته ينقضي الرمق. ويقال: طل دمه يطل طلاً، إذا أهدر.

تسيل على حد الظبات نفوسناوليست على غير السيوف تسيل

يروى: تسيل على حد السيوف نفوسنا. ولم يقل وليست على غيرها تسيل في الروايتين، لأنهم يكررون أسماء الأجناس والأعلام كثيراً، ولاسيما إذا قصدوا التفخيم بها. كما قال عديٌ:

لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌنغص الموت ذا الغنى والفقيرا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «إِن للدهرِ صولة فاحذرنها»

وفي الرواية الثانية - وهي المشهورة - أضاف الحد إلى الظبات. وهذا فيه وجهان: أحدهما أن يكون أراد بالظبات السيوف كلها ثم أضاف الحد إليها، والمعنى: تسيل على حد السيوف دماؤنا وليست تسيل على غيرها. وهذا كما يسمى السيف كما هو نصلاً، وكما يسمى السهم نصلاً كما هو. والثاني أن إضافة الحد إلى الظبات كإضافة البعض إلى الكل، ويكون التقدير: تسيل على الحد من الظبات، وتكون الظبات مضارب السيوف. فإن قيل: كيف تبجح بأن تكون دماؤهم تسيل على حد السيوف لا على غيره؟ قلت: إن الدماء قد تسال بالعصي وبغيرها مما لا يكون شرفاً،

فعد القتلة التي تكون بالسيف أكرم. ألا ترى أن بني أسدٍ يسمون عبيد العصا لما كان حجرٌ أبو امرئ القيس حين أوقع بهم قتلهم بها، لتكون قتلتهم ذميمة. وقد قتل كثير منهم بالجلاميد والصخور، ولذلك قال بعضهم:

جلاميد أملاء الأكف كأنهارؤوس رجالٍ حلقت في المواسم
للشاعر جرير، من قصيدة «تغطي نمير بالعمائم لؤمها»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الحماسة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.