من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الحصين بن الحمام المري
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجدلنفسي حياةً مثل أن أتقدما
يجوز أن يكون هذا مثل قولهم: الشجاع موقى. وفي طريقته قول الآخر:
أكان الجبان يرى أنهسيقتل قبل انقضاء الأجل
فقد تدرك الحادث الجبانويسلم منها الشجاع البطل
ومثله قول الآخر:
نهين النفوس وهون النفوس يوم الكريهة أوقى لها
ويجوز أن يقول: أحجمت مستبقياً لعيشي، فلم أجد لنفسي عيشاً كما يكون في الإقدام، وذاك لأن الأحدوثة الجميلة، والنجح عند الناس في المباغي الحميدة، إنما يكون بالتقدم لا بالتأخر، وبالافتخار لا بالانحراف، ومن ذكر بالجميل وتحدث عنه
بالبلاء الحسن حيي ذكره واسمه، وإن ذهب أثره وجسمه. وقوله: حياةً مثل أن أتقدم معناه حياةً تشبه الحياة المكتسبة في التقدم وبالتقدم.
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما
أراد: لسنا نداميه الكلوم على الأعقاب. ولو لم يجعل الإخبار عن أنفسهم لكان الكلام ليست كلومنا بداميةٍ على الأعقاب. فيقول: نتوجه نحو الأعداء في الحرب ولا نعرض عنهم، فإذا جرحنا كانت الجراحات في مقدمنا لا مؤخرنا، وسالت الدماء على أقدامنا لا على أعقابنا. وقوله تقطر الدما إذا رويت بالتاء كان المعنى تقطر الكلوم الدم، فيكون الدما مفعولاً به. ويقال: قطر الدم وقطرته، وهذا وجهٌ حسن، وإن شئت جعلت الدم منصوباً على التمييز، كأنه أراد تقطر دماً، وأدخل الألف واللام ولم يعتد بهما، كقول الآخر:
ولا بفزارة الشعر الرقابا
ويجوز أن يروى يقطر الدما بالياء، ويكون الدما في موضع الرفع على أنه فاعل يقطر، لكنه رده إلى أصله فأتى به مقصوراً وإن كان الاستعمال يحذف لامه. ومثل هذا البيت قول القطامي:
ليست تجرح فراراً ظهورهموفي النحور كلومٌ ذات أبلاد
نفلق هاماً من أناسٍ أعزةٍعلينا وهم كانوا أعق وأظلما
يقول: نشقق هاماتٍ من رجال يكرمون علينا لأنهم منا، وهم كانوا أسبق إلى العقوق وأوفر ظلماً، لأنهم بدءونا بالشر، وألجؤونا إلى القتال، ونحن منتقمون ومجازون.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع