تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال إياس بن الأرت

ولما رأيت الصبح أقبل وجههدعوت أبا أوس فما إن تكلما
وحان فراق من أخ لك ناصحوكان كثير الشر للخير توءما

لما علم للظرف، وهو لتوقع الشيء لوقوع غيره، ولذلك احتاج إلى الجواب، وجوابه هنا دعوت. فيقول: لما دنا الصبح وأقبل وجهه ينفلق ويقبل، دعوت هذا الرجل - يعني المرثى - فما أجاب. وإنما خص وقت تنسم الصبح، لأن المريض يخف فيه، فكأنه على عادته في تمريضه، وتعرف خبره، وتحدبه عليه في العارض له، دعاه فوجده ثقيلاً، لا يجيب ولا ينطلق لسانه، فتيقن منه قرب المفارقة، والبعاد بعد المقاربة، فلذلك قال: (وحان فراق من أخ لك ناصح). ومعنى حان: قرب. والنصاحة: صفاء الود، وخلوص العقيدة من الغل. وقوله (وكان كثير الشر) يعني مع منابذيه ومشاقيه. ولن يكمل الفتى حتى يكون مستصلحاً للخير والشر، فيحل الناس محالهم، ويوفيهم مستحقاتهم، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.

وقد عمل لطيفة في الصفة الثانية فقال (للخير توءما) فجعل الخير ولد معه فنشأ بنشئه. يقال: غلام توءم، للذي ولد معه غيره. وأتأمت المرأة فهي متئم. واشتقاقه من الوأم، والتاء فيه بدل من الواو، كالتاء في تكأة وما أشبهها، والجمع تؤام، وفعال في الجمع قليل. كأن الولد واءم غيره في الاتيان، أي وافق وفي المثل: (لولا الوئام هلك اللئام). وقد استقصيت القول فيه شرح كتاب الفصيح.

تتابع قروش بن ليلى وعامروكان السرور يوم ذاك مدمدماً

يريد: أنهم قد تداعوا في الذهاب، وتقاطروا في الموت، فمات الواحد بعقب الواحد، كأنهم دعوا بلسان واحد فأجابوا، وكان السرور يوم مات ملقى مهلكاً غير باق، لأن كل من سمع بموته أخذ قسطاً من الجزع له فخفى سرور الناس وظهر جزعهم، وقوله (يوم مات) يعني أبا أوس. هذا من باب ما خص البعض بشيء من دون الجملة، فأعيد ذكره. والدمدمة: الإهلاك والاستئصال. وفي القرآن: فدمدم

عليهم ربهم بذنبهم. ويروى: (وكان السرور يوم ذاك مذمما):

هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهمحياة فكان الصبر أبقى وأكرما

قوله: (بأن لا أطعم الدهر بعدهم) انتصب أطعم بأن، ولو رفع لجاز على أن يكون أن مخففة من الثقيلة، ويكون إسمه مضمراً، والفعل مع ما بعده خبر كأنه قال: هممت بأني لاأطعم حياة بعدهم، أي كنت وطنت نفسي على الزهد في الحياة، وجعلت قتل نفسي من همي، ثم نظرت فكان الائتساء بالناس في مصائبهم، والصبر على مقاساة البلاء معهم، أبقى في الذكر، وأحسن في الأحدوثة، وأكرم عند عد الأفعال وعرضها على العقول. وروى: (أتقى) بالتاء المعجمة، والمعنى أوقى، لأن التاء مبدلة من الواو، أي أصون للدين والعرض.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٣٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.