تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال الضبي

أأبى لا تبعد وليس بخالدحي ومن تصب المنون بعيد
أأبى إن تصبح رهين قرارةزلج الجوانب قعرها ملحود
فلرب مكروب كررت وراءهفمنعته وبنو أبيه شهود
أنفاً ومحمية وأنك ذائدإذ لا يكاد أخو الحفاظ يذود
ولرب ءان قد فككت وسائلأعطيته فغدا وأنت حميد
يثنى عليك وأنت أهل ثنائهولديك إما يستردك مزيد

البيت الأول يشتمل على أنواع ثلاثة من الكلام: فقوله (لا تبعد) ما يندب به الموتى على إظهار الفاقة إلى حياته، وقد مر القول فيه. وقوله (وليس بخالد حي) تسل وإيمان بمحتوم القدر، وأن ذلك يوجب على المصاب الصبر والائتساء بفرق الخلق. وقوله (ومن تصب المنون بعيد) تبرو من الجري على عادة الناس في المصائب واعتراف بأن الموت يبعد الالتقاء بين الأحياء والأموات، فلا تزاور ولا تراسل، ولا تخاطب ولا تكاتب. فكل هذا تحشر وتوجع.

وقوله (أأبى إن تصبح رهين قرارة) جواب الشرط أول البيت الذي يليه، وهو قوله (فلرب مكروب). والمعنى: إن خليت مكانك من الدنيا وصرت مرهوناً في قرارة قبر زلق الجوانب، صريعه لا ينعش، ورهينه لا يفك، وأسيره لا يتخلص بمن ولا فداء، ولزيمه لا يتملس لوقت وعداد، فلربما فعلت كذا وكذا. وقوله (قعرها ملحود)، تصوير للقبر بلحده.

وقوله (فلرب مكروب كررت وراءه) يريد: رب مضيق عليه أسلمه بنو أبيه لما امتحن به حتى تمكن العدو منه، أنت تعطفت عليه، وصرفت عنايتك إليه، فخففت

ثقله، وألقيت عنه وزره، ودفعت من فورته دونه، ومواليه من بني الأعمام وغيرهم حضور لا يرعون له إلا، ولا يحفظون له عهداً.

وقوله (أنفاً ومحمية) انتصب على أنه مفعول له، وما بعده معطوف عليه وفي معناه، كأنه ذكر العلة الموجبة لما أتاه فقال: فعلت ذلك حمية وأنفة، وأن عادتك المدافعة عن كل من يتعلق بحبلك، أو يتمسك بعروة من عرى عنايتك، غريباً كان أو نسيباً؛ وهذا تفعله في وقت يزهد الناس في الإحسان، لشدة الزمان، ويرى المحافظ ممسكاً والمراعي مهملا.

وقوله (ولرب عان قد فككت) فالعانى: الأسير، وأصله من عنا يعنو، إذا خضع. على ذلك قوله تعالى: (وعدت الوجوه للحي القيوم). فيقول: رب مأسور أخرجته من ضيق الإسار إلى سعة الأمان، فأطلقت كبله، ونزعت غله؛ ورب سائل اجتداك فأغنيته، وعن التجوال أقعدته، فانصرف عنك وهو يثني عليك ويتشكر نعمتك؛ وقد استحققت عليه ذلك بما أسديته إليه، ولو عاد إليك لوجد معاداً لا ضجر منك يلحقه، ولاسآمة فيك تمحقه، وإن استزاد زدته، لا يمنع من موجود، ولا يحال على مفقود.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (٣٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.