من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت امراة
ألا فاقصرى من دمع عينيك لن ترىأباً مثله تنمى إليه المفاخر
وقد علم الأقوام أن بناتهصوادق إذ يندبنه وقواصر
تقول متسلية ورافعة الطمع من أن يكون الجزع يرد فائتاً، فقالت كفى من دمع عينيك، ونهنهي عبراتك، فإنك لن ترى من تعتاضيه من أبيك الذي كان إليه ينتمي المفاخر. ومعنى (تنمى إليه المفاخر) أنه غاية المفاخر، فهي إليه تنتمي. ويروى: (ينمو إليه المفاخر) بضم الميم، والمعنى يرتقى إليه المفاخر إذا نافر خصمه وجاذبه.
وقولها (وقد علم الأقوام أن بناته صوادق) استشهدت بطوائف الأقوام على اختلافها، وذكرت أنهم قد علموا أن ينات هذا المتوفى فيما ينبدبن به أباهن ويذكرنه من فضائله وإفضاله، آتيات بالصدق غير الكذب، وعاجزات عن بلوغ الغاية التي يستحقها أبوهن المرثى، فإن القول لا يحيط بحده، والوصف لا ينظم كنه حقه.
وقال آخر:
سقى جدثاً وارى أريب بن عسعسمن العين غيث يسبق الرعد وابله
ملث إذا ألقى بأرض بعاعهتغمد سهل الأرض منه مسابله
دعا لقبر المرثى بالسقيا، وهو أريب بن عسعس. ومعنى (من العين) من السحابات التي تنشأ من عين القبلة وهي أغزر، فلذلك خصها. وقوله (يسبق الرعد وابله) يطلب به الكثرة. والوابل: المطر الضخم القطر، وإذا سبق المطر الرعد كان النوء أغزر.
وقوله (ملث) لم يرض بأن يكون سقياه عارضاً، ولكن جعل الغيث ملثاً، وهو بمعنى مقيم. وقوله (إذا ألقى بأرض بعاعه) يريد إذا جاء مطره على أرض فوضع أثقاله بها امتلأت الوهاد، وتغمدت المسايل بطون الأباطح السهلة. والبعاع: الثقل، والجهاز. يقال: بع السحاب بعا وبعاعا، إذا ألح بمكان فألقى بعاعه فيه.
فما من فتى كنا من الناس واحداًبه نبتغي منهم عميداً نبادله
ليوم حفاظ أو لدفع كريهةإذا عي بالحمل المعضل حامله
قوله (فما من فتى) بيت فيه تقديم وتأخير، وتلخيصه مبيناً معاداً كل شيء إلى موضعه: مامن فتى من الناس كنا نبتغي به واحداً منهم عميداً نبادله فعلى هذا قوله (من الناس) من صفة الفتى، وبه يعود الضمير إلى الفتى. والمعنى: كنا بسببه نبتغي واحداً منهم - أي من الناس - عميداً، من صفة الواحد، لأنا جعلنا واحداص مفعولاً لنبتغي. نبادله، أي نبادل به الناس، فحذف الجار وقال نبادله، على هذا قول عارق الطائي:
وليس من الفوت الذي هو سابقه
أي سابق به. وخبر ما محذوف، كأنه قال: ما فتى ذا صفته بموجود في الدنيا، وما أشبهه.
وقوله (ليوم حفاظ) اللام تعلق بقوله نبادله، أي نبادل به لهذا الشأن، وهو أن يحافظ على حسبه محافظة الكرام، أو يدافع الكرائه والشدائد لدى الجدل والخصام، في وقت من الزمان يعز من العشير من يكفيه الهضمية، وترى الناهض بالأثقال لتضاعف المؤن والبلايا يعيا بما يحمله فيعده داء عضالاً. وأصل العضل: المنع والتضييق. ويقال عضلت المرأة وعضلتها، إذا منعتها من التزويج. وعضلت، إذا عسر ولادها.
وذي تدرا مالليث في أصل غابةبأشجع منه عند قرن ينازله
قبضت عليه الكف حتى تقيدهوحتى يفي للحق أخضع كاهله
قوله (وذي تدرا) الواو عاطفة، وانجر ذي بإضمار رب. وتدرأ: تفعل من الدرء، وهو الدفع بشدة. فيقول: رب رجل هكذا ما الأسد في خدره بأقوى قلباً منه نظير له في بأسه وشدته ينازله. فقوله (ما الليث) إلى آخر البيت، من صفة ذي تدرا. والغابة: الأجمة. وإنما قال (في أصل غابة) إشارة إلى دخوله وتمكنه من غايتها. والمنازلة إنما تكون عند تضايق المجال وتداني أطراف موضع الالتقاء، عن الإقدام والإحجام.
وقوله (قبضت عليه الكف) يقول جمعت عليه قبضتك فمنعته عن الانفصال عند الخروج من إسارك، حت أمكنك من الاقتياد منه، وحتى عاد كاهله خاضعاً للحق راضياً به. والخطاب بجميع هذا للمرثى. وإنما يصفه بحسن الثبات في معاركة الخصوم ومزاولتهم، وأنه باقي الصبر في استيفاء الحقوق عليهم. وقوله (كاهله) يجوز ان يرتفع بقوله يفى ويجوز أن يرتفع أخضع فيكون خبراً مقدماً وكاهله يكون مبتدأ. والأخضع: الذي في عنقه انخفاض وتطاطؤ.
فتى كان يستحي ويعلم أنهسيلحق بالموتى ويذكر نائله
راجع الإخبار عنه ثانياً فيقول: هو فتى كان الحياء يملكه فلا يتعاطى ما يقبح ي الأحدوثة، ولا يسمع منكراً إلا ألغاه، ولا رأى مستشنعاً إلا رفضه وأقصاه، ليطيب
مسمع ما يروى عنه، ومنظره فيما يشاهد منه. وقوله (ويعلم أنه سيلحق بالموتى) يقول: تيقن أن الخلود لا مطمع فيه، فإن الذي له من المال ما يقدمه لمثوبة، وادخاراً لأكرومة، إذا تحدث عنه بها كان ذكره حياً وإن الشخص فينا مغيباً.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع