من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت زينب بنت الطثرية ترثي أخاها
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوريمقيماً وقد غالت يزيد غوائله
الأئل: شجر. وإنما قالت ما قالت منكرة ومستوحشة، إذ كان الحكم عندها أن تتغير الأمور عن مقارها لموت أخيها، فتتحول الأحوال وتتبدل الأبدال، وتتخشع
الجبال، وتقتلع الأشجار؛ فلما جرى الأمر بخلافه أخبرت متوجعة ومتحسرة، فقالت: إن بطن العقيق ومنابت أثله بما تحويه أرى مقيماً في جواري على ماكان عليه، وأخي يزيد قد دعاه محتوم القضاء فذهب به غوائله. ويقال غالته الغوائل، أي أهلكته المهلكات، وهذا كما يقال: علقت به العلوق. وانتصب (مقيماً) على أنه مفعول ثان لأرى، ومجاورى في موضع الجر على أنه صفة لبطن العقيق.
فتى قد قد السيف لا متضائلولا رهل لباته وأباجله
وصفه بأنه في خلقةالسيف تجريداً واقتضاباً، وعلى خلقه مضاء ونفاذاً. وقوله (لا متضائل) يريد أنه شهم حي النفس والقلب، جريء المقدم، لا يتخاشع لشيء ولا يتماوت على حدث. والضؤولة، أصله الدقة. والرهل: المسترخي. يصفه بقلة اللحم على الصدر والساق. والأباجل: جمع أنجل، وهو عرق. وذكر الأباجل وهو يريد مواضعها. وجمعه كما يقال وهو ضخم الثعانين، كأنه أراد ما حوله.
اذا نزل الأضياف كان عذوراًعلى الحى حتى تستقل مراجله
العذور: السئ الخلق، القليل الصبر فيما يطلبه ويهم به. واذا ظرف " لقوله (كان عذوراً). وصفه بأنه يجمع الحى لأمره فيطاع، لسيادته وجلالة محله، وأنه اذا نزل به الأضياف قام بنفسه في اقامة القرى لهم، غير معتمد على أحد فيه، وأنه يعرض له وفي خلقه عجلة يركبها، وتشدد في الأمر والنهي على جماعة الحي به يصرفها، حتى تنصب المراجل، وتهيأ المطاعم؛ فاذا ارتفع ذاك على مراده عاد الى خلقه الأول. والمراجل: جمع مرجل، وهي القدر العظيمة النحاسية، واستقلالها: انتصابها على الأثافى. وحتى تستقل، أراد لتستقل وكى تستقل. أي كان عذوراً لذلك الشأن.
مضى وورثناه دريس مفاضةوأبيض هنديا طويلا حمائله
يقول: أجاب داعيه فمضى لوجهه، وورثناه دريس مفاضة. فانتصب دريس على أنه مفعول ثان. ويقال: ورثته كذا وورثت منه كذا. فعلى هذه اللغة كان أصله ورثنا منه، فحذف الجار، ووصل الفعل فعمل. والدريس: الخلق من الدرع وغيره، لأنه كأنه فعيل بمعنى مفعول. والجمع الدرسان. والمفاضة: الدرع الواسعة. وأبيض، أي
وسيفاً أبيض. وجعله طويل الحمائل لطول قوامه. والمعنى أنه أنفق ماله في ماادخر له أجراً، ونشر له حمداً وشكراً، فلم يكن ارثه الا ما ذكر من السلاح.
وقد كان يروى المشرفى بكفهويبلغ أقصى حجرة الحي نائله
وصفه بأنه كان غزاء شديد النكاية في الأعداء، فكان يعطى السيف حقه اذا أعمله، ويرويه من دماء مشاقيه ومنابذيه اذا جرده، ويبلغ أبعد ناحية الحى عطاياه. وانما قالت (يروى المشرفى بكفه) لأنها تريد أن نهضته في ذلك بنفسه خاصة من غير اعتماد على حميم او غريب؛ لأنه كان لايجر الجرائر على ذويه ثم يتركهم لها، ولكن كل ما أتاه أو تجشمه فبنفسه لابغيره.
كريم اذا لاقيته متبسماًواما تولى أشعث الرأس جافله
قولها " كريم " ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أرادت: هو كريم اذا لاقيته متبسماً. فانتصب " متبسماً " على الحال. وجواب اذا يدل عليه كريم. فتقول اذا لقيته راضياً ساكناً متبسما لاقيت منه طلعة الكرام وأفعالهم، وان أعرض عنك وولى وجدته أغبر الرأس كثير الشعر، لايهمه أمر نفسه في اللباس والطعام، وانما به الغزو والسعي في اصلاح أمر العشيرة، وما يكسبه الجمال والشرف. وقولها " أشعث الرأس " أي اغبرشعره وتلبد. والفعل منه شعث شعثاًوشعوثة، وهوأشعث وشعث. وقولها " جافله " من قولهم: أخذت جفلةمن الصوف، أى جزة منه. وفي كلام لهم عن الضائنة: " أجز جفالاً ". ويقال: جافل، ومجفل.
اذا القوم أموا بيته فهو عامدلأحسن ما ظنوا به فهو فاعله
يجوز أن يريد بالقوم رجال الحى خاصة، ويجوز أن يريد به طوائف الرجال، ويكون المراد به الكثرة. وانما وصفته بأنه مدبر العشيرة عندما يدهمهم، والمشير عليهم فيما يحز بهم، فاذا قصدوا حضرته قائلين ما نأتمر وكيف نصنع؟ أرشدهم وهداهم، وتحمل عنهم ما يثقل عليهم. ثم بعد ذلك تعمد الى أحسن ظنونهم به
فيأتيه معهم لامتبرماً ولا متكرهاً، بل باسطاً من آمالهم، وجامعاً الحسن في كل باب لهم.
ترى جازريه يرعدان ونارهعليها عداميل الهشيم وصامله
يجران ثنياً خيرها عظم جارةبصيراً بها لم تعد عنها مشاغله
جعلت له جازرين على عادتهم في جعلهم اصحاب المهن فيهم اثنين اثنين، كالبائن والمستعلى في الحلب، والماتح والقابل في الاستغناء. وجعلهما يرعدان لشدة البرد، وانما تعنى وقت الجدب وعند امحال الناس. والعداميل: العتيق من الخشب الغليظ، واحدها عدمول على القياس وعدملى. والصامل: اليابس. والمعنى: اذا اشتد الزمان وشمل القحط واشتد البرد، كان له جازران ينحران، وناره عظيمة وقودها من الحطب الغلاظ العتق؛ وترى العفاة والمضرورين بالفناء نازلين، وذوى الحاجة من جوانب الحى يعترون، وهو يقتسم فيها ما يرضيهم. وقولها " يجران ثنياً " يعنى الجازرين. والثنى: التي ولدت بطنين، وهي مما يضن بها. وقولها " خيرها " تريد: خير أبدائها ومفاصلها البدء الذي يجعل لجارة له قد عرفها، فهو بصير بها وبحالها، وليست تعني جارةً بعينها، انما المراد الكثرة، فالجارات علىذلك لاتتخطاها أشغاله المزدحمة، ولايغض العناية بها الأسباب المتراكمة، بل قد وصى بها وبأمثالها فيتفقدن بأوفر الانصباء عند قسمة الجزور. وقالت " بصيراً بها " والفعل للمرثى، فجرى على غيره من هوله، لأنه تبع الجارة، واذا كان كذلك فالواجب كان عليها أن تظهر ضميره فتقول بصيراً بها هو، لأن اسم الفاعل والصفة المشبهة اذا جرى واحد منهما على ماقبله صفةً أو صلةً أو حالاً أو خبراً لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعل، لضعفه وانحطاط منزلته. وأكثر أصحابنا على أنه لابد من ذلك، حتى أبا الحسن كان يلحن الكلام اذا لم يجر على هذ السنن. والكوفيون وبعض أصحابنا يجوزون ترك اظهاره. وهذه الشاعرة دعتها الضرورة الى وضع المتصل موضع المنفصل، فتركت التغيير. وقولها " لم تعد عنها " أي لم تصرف. يقال:
عدت بيننا عواد، اى صرفت صوارف
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع