من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت
غذوتك مولودا وعلتك يافعاتعل بِمَا ادني إِلَيْك وتنهل
ــ
جزر الْجَزُور هَذَا مثل لسرعة عمل الرماح فِي أجسامهم وَالْمعْنَى إِن لم تنتهوا عَمَّا يغضبنا عَادَتْ رماحنا منكسرة فِي أكبادكم بعد فعلهَا بكم مَا يفعل بالجزور
اسْمه عبد الله بن ربيعَة بن عَوْف بن أُميَّة وَهُوَ من ثَقِيف وَهُوَ شَاعِر مجيد فِي أَكثر شعره أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَصَحَّ أَنه عَاشَ حَتَّى رثى أهل بدر قَالَ الْأَصْمَعِي ذهب أُميَّة فِي شعره بعامة مَا يكون فِي الْآخِرَة وعنترة بعامة مَا يكون فِي الْحَرْب وَقد صدقه النَّبِي ﷺ فِي بعض شعره وَكَانَ ﷺ يحب أَن يسمع من شعره وَكَانَ أُميَّة قد قَرَأَ الْكتب الْقَدِيمَة وَأَرَادَ أَن يتبع النَّبِي ﷺ ويهاجر فَقدم الْحجاز ليَأْخُذ مَاله فَلَمَّا نزل بَدْرًا قيل لَهُ إِلَى أَيْن يَا أَبَا عُثْمَان قَالَ أُرِيد أَن أتبع مُحَمَّدًا فَقيل لَهُ هَل تَدْرِي مَا فِي هَذَا القليب وَهُوَ بِئْر كَانَت هُنَاكَ قَالَ لَا فَقيل لَهُ فِيهِ شيبَة وَرَبِيعَة وَفُلَان وَفُلَان فجدع أنف نَاقَته وشق ثَوْبه وَبكى وَذهب إِلَى الطَّائِف وَمَات بهَا كَافِرًا فِي السّنة التَّاسِعَة هَذَا وتروى هَذِه الأبيات الَّتِي نَسَبهَا أَبُو تَمام إِلَيْهِ لِابْنِ عبد الْأَعْلَى وَقيل هِيَ لأبي الْعَبَّاس الْأَعْمَى
غذوتك أَي قُمْت بمؤنتك وعلتك أَي قُمْت بشأنك واليافع المقتبل الشَّبَاب وتعل من الْعِلَل وَهُوَ الشّرْب الثَّانِي وتنهل من النهل وَهُوَ الشّرْب الأول وَالْمعْنَى ربيتك وَأَنت مَوْلُود وَقمت بأحوالك فِي شبابك أقرب إِلَيْك من منافعك مَا يمكنني تقريبه فتأخذ مِنْهُ الْكثير والقليل
إِذا لَيْلَة نابتك بالشكو لم أَبَتلشكواك إِلَّا ساهرا أتململ
كَأَنِّي أَنا المطروق دُونك بِالَّذِيطرقت بِهِ دوني وعيني تهمل
تخَاف الردى نَفسِي عَلَيْك وَإِنَّهَالتعلم أَن الْمَوْت حتم مُؤَجل
فَلَمَّا بلغت السن والغاية الَّتِيإِلَيْهَا مدى مَا كنت فِيك أُؤَمِّل
جعلت جزائي مِنْك جبها وغلظةكَأَنَّك أَنْت الْمُنعم المتفضل
فليتك إِذْ لم ترع حق أبوتيفعلت كَمَا الْجَار المجاور يفعل
وسميتني باسم المفند رَأْيهوَفِي رَأْيك التفنيد لَو كنت تعقل
ترَاهُ معدا للْخلاف كَأَنَّهُبرد على أهل الصَّوَاب مُوكل
ــ
أتململ أَي أتقلب على الْملَّة وَهِي الْجَمْر وَالْمعْنَى أَنه إِذا أصَاب وَلَده مَا يُؤْذِيه لَا يرتاح حَتَّى يرتاح ابْنه
كَأَنِّي أَنا المطروق الخ مَعْنَاهُ كَأَن الَّذِي أصَاب وَلَده من الشكوى أَصَابَهُ هُوَ وَلم يصب ابْنه
الردى الْهَلَاك والختم الْوَاجِب وَالْمعْنَى تعدم نَفسِي الْقَرار خوفًا عَلَيْك من الْهَلَاك مَعَ أَنَّهَا لم يبعد عَنْهَا أَن الْمَوْت حتم وَاقع
فَلَمَّا بلغت السن أَي فَلَمَّا أدْركْت سنّ الرِّجَال وَجَوَاب لما فِي الْبَيْت بعده وَهُوَ قَوْله جعلت جزائي الخ
الجبه مُقَابلَة الْإِنْسَان بِمَا يكرههُ وَالْمعْنَى لما أدّيت حق التربية جازيتني بالسوء والمجاهرة كَأَنَّك صَاحب النِّعْمَة وَالْفضل
الْمَعْنى فليتك إِذْ لم ترع حق الْأُبُوَّة عاملتني مُعَاملَة الْجَار لجاره بالرعاية
فنده نسبه إِلَى سوء الْعقل وَالْمعْنَى لم تَجِد لي مكافئة سوى أَي نسبتني إِلَى الغباوة وَلَو كنت تعقل لعَلِمت أَن التفنيد فِي رَأْيك لَا فِي رَأْيِي
ترَاهُ معدا أَي مُهَيَّأ نَفسه للْخلاف وَيُقَال
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع