من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ النَّابِغَة يرثي أَخَاهُ من أمه
ــ
الْمَعْنى أتعجب من النَّاس كَيفَ يلومونني على بُكَائِي وَلَدي وَقد تركني وَأَنا مسن لَا يُرْجَى لي ولد
يُقَال إِن هَذَا الشّعْر للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف من بني عدي بن حنيفَة وَهُوَ شَاعِر غزل شرِيف مطبوع وَله مَذْهَب حسن وديباجة فِي الشّعْر جَيِّدَة ولمعانيه عذوبة ولطف وَكَانَ من شعراء بني الْعَبَّاس وَقدمه الْمبرد على نظرائه وَأَطْنَبَ فِي وَصفه وَلم يتَجَاوَز الْغَزل إِلَى مديح أَو هجاء
طَوْعًا مَنْصُوب على الْحَال أَي طَائِعا وَالْمعْنَى إِذا استعنت بعْدك بِالصبرِ والبكاء أعانني الْبكاء وَلم يَعْنِي الصَّبْر
الْمَعْنى إِن انْقَطع أملي مِنْك فَإِن حزني عَلَيْك بَاقٍ أَبَد الدَّهْر
هُوَ النَّابِغَة الذبياني واسْمه زِيَاد بن مُعَاوِيَة أحد بني ذبيان ويكنى أَبَا أُمَامَة وَأمه عَاتِكَة بنت أنيس الْأَشْجَعِيّ وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف الَّذين غض الشّعْر مِنْهُم وَوضع وَهُوَ من الطَّبَقَة الأولى من شعراء الْجَاهِلِيَّة المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء وَشهد لَهُ عمر بن الْخطاب بِأَنَّهُ أشعر الْعَرَب وَكَانَ النَّابِغَة خَاصّا بالنعمان بن الْمُنْذر كَبِيرا عِنْده وَكَانَ من ندمائه وَأهل أنسه فَرَأى المتجردة ذَات يَوْم فَجْأَة وَكَانَت زوج النُّعْمَان فَسقط نصيفها واستترت بِيَدِهَا فَكَادَتْ ذراعها تستر وَجههَا لغلظها فَقَالَ قصيدته الَّتِي أَولهَا
لَا يهنئ النَّاس مَا يرعون من كلاءوَمَا يسوقون من أهل وَمن مَال
بعد ابْن عَاتِكَة الثاوي على أَمرأَمْسَى ببلدة لَا عَم وَلَا خَال
سهل الخليقة مشاء بأقدحهإِلَى ذَوَات الذرا حمال أثقال
حسب الخليلين نأي الأَرْض بَينهمَاهَذَا عَلَيْهَا وَهَذَا تحتهَا بالي
ــ
أَمن آل مية رائح أَو مغتدىعجلَان ذَا زَاد وَغير مزود
فَلَمَّا سَمعهَا النُّعْمَان امْتَلَأَ غَضبا فأوعد النَّابِغَة وتهدده فهرب مِنْهُ إِلَى مُلُوك غَسَّان بالشأم فامتدحهم وَمكث عِنْدهم مَا شَاءَ الله أَن يمْكث ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه وَرَضي عَنهُ النُّعْمَان
الْكلأ مَا ترعاه الدَّوَابّ وهنأه الطَّعَام صَار هنيأ
الثاوي الْمُقِيم وعَلى بِمَعْنى فِي وَأمر اسْم الْموضع الَّذِي دفن فِيهِ وَهُوَ بِنَجْد من ديار غطفان ويروى على أَبَوي وَهُوَ اسْم مَوضِع أَو جبل بالشأم يُرِيد الدُّعَاء على كَافَّة النَّاس لعظم مصيبته فَهُوَ يَقُول لَا يطيب للنَّاس كَافَّة الرَّعْي وَمَا يسوقون من الْإِبِل وَمَا يأنسون بِهِ من الْأَهْل بعد ابْن عَاتِكَة الْمُقِيم فِي أَمر غَرِيبا لَا عَم لَهُ وَلَا خَال
السهل اللين والخليقة الْخلق ومشاء كثير الْمَشْي والأقدح جمع قدح وَهُوَ سهم الميسر وَهَذَا كِنَايَة عَن تحمله الدِّيات فِي مَاله عَن النَّاس ناهضا بِالْأَمر الشاق وَذَوَات الذرا الْإِبِل الْعَظِيمَة الأسنمة وَالْمعْنَى أَنه كَانَ لين العريكة كَرِيمًا يكثر ضرب القداح بَين إبِله الْعَظِيمَة ليتخير مِنْهَا مَا يقرى بِهِ أضيافه ويتحمل أثقال الغرامات عَن النَّاس ويلتزمها فِي مَاله
حسب الخليلين الخ مَعْنَاهُ كفاهما ذَلِك وبالي أَي ممزق الْأَعْضَاء وَالْمعْنَى كفانا الْآن حيلولة الأَرْض بَيْننَا وَهَذَا غَايَة الْبعد إِذْ أَنا فَوق الأَرْض وَهُوَ بالي الْجِسْم تحتهَا
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع