من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي
ــ
استشرفه نظر إِلَيْهِ ببصره وَالْمعْنَى أتعجب من النَّاس إِذْ ينظرُونَ إِلَيّ وتطمح أَبْصَارهم نحوي كَأَنَّهُمْ لم يرَوا بعد رُؤْيَتهمْ وَلَا قبل رُؤْيَتهمْ لي محبا مثلي
الصرم الْقطع وَالْمعْنَى أَنهم يَقُولُونَ لي نصحا مِنْهُم اقْطَعْ علاقَة الْحبّ يعد إِلَيْك الْعقل وَلم يعلمُوا أَن قطع العلاقة من الحبيب الَّذِي يحل مَحل النَّفس سلب لِلْعَقْلِ
الْمَعْنى وأتعجب أَيْضا من حبي لمن يقتلني كَأَن مودتي لَهُ جَزَاء لقَتله لي
الْمَعْنى وَمن آيَات الْحبّ الْبَينَات أَنِّي أوثر حب أَهلهَا على حب أَهلِي
وَاسم أبي ربيعَة حُذَيْفَة بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم وَعمر يكنى أَبَا الْخطاب واشتهر بجده أبي ربيعَة وَاسم أَبِيه عبد الله فِي الْإِسْلَام سَمَّاهُ بِهِ رَسُول الله ﷺ وَكَانَ اسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة بجيرا وَكَانَت قُرَيْش تلقبه الْعدْل لأَنهم كَانُوا يكسون الْكَعْبَة سنة ويكسوها سنة فأرادوا بذلك أَنه وَحده وَعدل لَهُم جَمِيعًا فِي ذَلِك وَعمر هَذَا شَاعِر غزل مفتون بِالنسَاء وصاف لَهُنَّ محبب إلَيْهِنَّ لَا يمدح سواهن وَكَانَ يشبب بنساء الْأُمَرَاء وسيدات النِّسَاء كَانَ رَقِيق الشّعْر حسن الديباجة
وَلما تفاوضنا الحَدِيث وأسفرتوُجُوه زهاها الْحسن أَن تتقنعا
تبالهن بالعرفان لما عرفننيوقلن امْرُؤ بَاغ أكل وأوضعا
ــ
صافيها جيد الأسلوب سهل التَّرْكِيب غواصا على معَان كَثِيرَة وَكَانَت الْعَرَب تقر لقريش بالتقدم فِي كل شَيْء عَلَيْهَا إِلَّا فِي الشّعْر حَتَّى كَانَ عمر بن أبي ربيعَة فأقرت لَهَا الشُّعَرَاء بالشعر أَيْضا وَلم تنازعها شَيْئا وَحج عبد الْملك بن مَرْوَان ذَات سنة فَلَقِيَهُ عمر فَقَالَ لَهُ عبد الْملك تعال يَا فَاسق فَقَالَ لَهُ بئست تَحِيَّة ابْن الْعم على طول الشحط فَقَالَ عبد الْملك يَا فَاسق أما أَن قُريْشًا تعلم أَنَّك أطولها صبوة وأبطؤها تَوْبَة أَلَسْت الْقَائِل
وَلَوْلَا أَن تعنفني قُرَيْشمقَال الناصح الْأَدْنَى الشفيق
لَقلت إِذا الْتَقَيْنَا قبلينيوَلَو كُنَّا على ظهر الطَّرِيق
والتقى عمر وَجَمِيل ذَات يَوْم فتناشدا فأنشده عمر شعرًا حسنا مُخْتَارًا فصاح جميل وَقَالَ هَذَا وَالله الَّذِي أَرَادَتْهُ الشُّعَرَاء فأخطأته
التفاوض فِي الحَدِيث الِاجْتِمَاع فِيهِ وأسفر ظهر وطلع والزهو الاستخفاف وَالْكبر والتيه وَالْهَاء فِيهِ إِمَّا رَاجِعَة إِلَى امْرَأَة قد جرى ذكرهَا من قبل أَو هِيَ رَاجِعَة إِلَى الْوُجُوه وَالْمعْنَى لما تنازعنا الحَدِيث واندفعنا فِيهِ وأشرقت وَظَهَرت وُجُوه استخف أَرْبَابهَا الْحسن ومنعها من أَن يسترنها بقناع عجبا بهَا
تبالهن أَي تغافلن وزعمن أَنَّهُنَّ لم يعرفنني وَهُوَ جَوَاب لما وَالْبَغي التَّعَدِّي وَأكل من الكلال وَهُوَ الإعياء وأوضع أسْرع فِي السّير وَالْمعْنَى لما عرفنني تغافلن عني وزعمن أَنَّهُنَّ لم يعرفنني وقلن هُوَ بَاغ أسْرع حَتَّى أكل رَاحِلَته
وقربن أَسبَاب الْهوى لمتيميقيس ذِرَاعا كلما قسن إصبعا
وَقلت لمطريهن وَيحك إِنَّمَاضررت فَهَل تسطيع نفعا فتنفعا
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع