تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ زِيَاد بن حمل بن سعد بن عميرَة بن حُرَيْث

لَا حبذا أَنْت يَا صنعاء من بلدوَلَا شعوب هوى مني وَلَا نقم
وَلنْ أحب بلادا قد رَأَيْت بهَاعنسا وَلَا بَلَدا حلت بِهِ قدم

ــ

بقى لُغَة بني طيىء وَالْمعْنَى أَتَمَنَّى أَن يكون لي بدل يَوْم غَد يَوْم آخر غَيره تفاديا مِمَّا يجْرِي من الْفِرَاق وَأَن يكون بدل اللَّيْلَة الحائلة بَيْننَا وَبَين غَد مَا بَقِي من الدَّهْر كُله تمنى طول لَيْلَة حَتَّى لَا يكون فِي غده فِرَاق أبدا

الغرانيق النواعم من الشبَّان وَالْمعْنَى ليبك من الشبَّان من يُرِيد الْبكاء فَإِن غَدا موعد فرقة الْحَيّ لَا بُد من وُرُوده من ارتحالهم

وَيُقَال لَهُ زِيَاد ابْن منقذ أحد بني عدي من بني تَمِيم وَكَانَ قد نزل صنعاء فاستوبأها وَكَانَ منزله بِنَجْد فِي وَادي أشي فَقَالَ هَذِه القصيدة يتشوق فِيهَا إِلَى بِلَاده

صنعاء بلد عَظِيم بِالْيمن وشعوب قصر بِالْيمن مَعْرُوف بالارتفاع أَو بساتين ورياض بِظَاهِر صنعاء ونقم بِضَمَّتَيْنِ أَو بِفتْحَتَيْنِ جبل مطل على صنعاء الْيمن قرب غمدان وَمن للْبَيَان والهوى بِمَعْنى المهوى وَالْمعْنَى لَا مَحْبُوب فِي الْأَشْيَاء أَنْت يَا صنعاء من بَين بلادي وَلَا مَحْبُوب فِي الْأَشْيَاء أَيْضا شعوب وَلَا نقم

عنس مخلاف بِالْيمن ينْسب إِلَى عنس بن مَالك بن أدد وَكَذَلِكَ قدم مُقَابل لقرية يُقَال لَهَا مهجرة سمي باسم قَبيلَة يُقَال لَهَا قدم وَهِي الَّتِي تنْسب إِلَيْهَا الثِّيَاب القدمية وَالْمعْنَى وَغير مَحْبُوب إِلَيّ أَيْضا بِلَاد فِيهَا قَبيلَة عنس وَلَا أحب أَيْضا بَلَدا سكنته قَبيلَة قدم

إِذا سقى الله أَرضًا صوب غاديةفَلَا سقاهن إِلَّا النَّار تضطرم
وحبذا حِين تمسي الرّيح بَارِدَةوَادي أشي وفتيان بِهِ هضم
الواسعون إِذا مَا جر غَيرهمعلى الْعَشِيرَة والكافون مَا جرموا
والمطعمون إِذا هبت شآميةوباكر الْحَيّ من صرادها صرم
وشتوة فللوا أَنْيَاب لزبتهاعَنْهُم إِذا كلحت أنيابها الأزم

ــ

الصوب نزُول الْمَطَر والغادية السحابة الَّتِي تَغْدُو نَهَارا وَالْمعْنَى إِذا سقى الله أَرضًا غير هَذِه الْبِلَاد مَطَرا فَسَقَاهَا نَارا تشتعل

برد الرّيح يدل على الْقَحْط لوُقُوعه شتاء ووادي أشي مَوضِع بالوشم والوشم وَاد بِالْيَمَامَةِ فِيهِ نخل والهضم جمع هضوم وَهُوَ الَّذِي يصرف مَاله ويبذله كَيْفَمَا شَاءَ فِي الضِّيَافَة وَالْمعْنَى لَا أحب مَا ذكر من الْبِلَاد بل الَّذِي هُوَ أحب الْأَشْيَاء عِنْدِي وَادي أشي الَّذِي يجمع فتيانا كرماء يبذلون أَمْوَالهم وَالزَّمَان زمَان الْقَحْط

الواسعون مَأْخُوذ من الوسع وَهُوَ الطَّاقَة وَالْمعْنَى وهم الَّذين يُوسعُونَ على الْعَشِيرَة بتحمل الدِّيات والغرامات إِذا حصلت لَهُم جِنَايَة من غَيرهم وَإِن سبق الجرم من أنفسهم كفوا عشيرتهم تكاليفه

مفعول المطعمون مَحْذُوف وشآمية حَال من فَاعل هبت وَهِي الرّيح الشامية والصراد السَّحَاب الرَّقِيق الَّذِي لَا مَاء فِيهِ والصرم أَصله فِي أقطاع الْإِبِل فاستعاره لقطع السَّحَاب الْمَذْكُور وَالْمعْنَى وهم الَّذين يطْعمُون المحتاجين إِذا هبت الرّيح شآمية وَجَاء الْحَيّ قطع من السَّحَاب الَّذِي لَا مَاء فِيهِ بكرَة فيشتد الزَّمَان بِالْقَحْطِ

الفل الْكسر واللزبة الشدَّة وكلح عبس والأزم جمع أزوم وَهُوَ العضوض وَجعل الأنياب مثلا لبلوغها النِّهَايَة يَقُول وَرب شتوة فرقوا شدائدها

حَتَّى انجلى حَدهَا عَنْهُم وجارهمبنجوة من حذار الشَّرّ معتصم
هم البحور عَطاء حِين تَسْأَلهُمْوَفِي اللِّقَاء إِذا تلقى بهم بهم
وهم إِذا الْخَيل حالوا فِي كواثبهافوارس الْخَيل لَا ميل وَلَا قرم
لم ألق بعدهمْ حَيا فَأخْبرهُمإِلَّا يزيدهم حبا إِلَيّ هم

ــ

ودفعوها عَن عشيرتهم إِذا ظَهرت عابسة عاضة بأنيابها

الْحَد فِي الأَصْل غرب السَّيْف أَو السكين وضربه مثلا للشدة أَيْضا والنجوة المرتفعة من الأَرْض لَا يبلغهَا السَّيْل هَذَا أَصله وَلكنه جعله مجَازًا عَن الملاذ الَّذِي آووا إِلَيْهِ واعتصموا بِهِ حذرا من الشَّرّ وَالْمعْنَى ودام دفعهم لتِلْك الشدَّة حَتَّى انْكَشَفَ عَنْهُم وَصَارَ جارهم معتصما من حذار الشَّرّ بعز ومنعة تشبه الْمَكَان الْمُرْتَفع الَّذِي لَا يبلغهُ السَّيْل

الْبَاء زَائِدَة والبهم جمع بهمة وَهُوَ الشجاع الَّذِي لَا يدْرِي كَيفَ يُؤْتِي لاستبهام شَأْنه وَالْمعْنَى أَنهم كالبحور فِي الْعَطاء إِذا سئلوا وشجعانا باسلون فِي الْحَرْب عِنْد لِقَاء الْعَدو

حالوا أَي ركبُوا يُقَال حَال فِي ظهر دَابَّته إِذا ركبهَا والكواثب جمع كاثبة وَهِي أَعلَى الظّهْر من الدَّابَّة والميل جمع أميل وَهُوَ الَّذِي لَا يثبت على ظهر الْفرس والقزم الضَّعِيف من النَّاس يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث وَالْمعْنَى أَنهم ذَوُو مهارة وفروسية فَإِذا ركبُوا ظُهُور الْخَيل ثبتوا عَلَيْهَا غير ضعفاء وَلَا ميل فكأنهم فرسانها وأربابها

الضَّمِير فِي قَوْله يزيدهم للْمَفْعُول وهم الثَّانِي للْفَاعِل وهما لشَيْء وَاحِد يَعْنِي قومه وَالْمعْنَى لم يَقع لِقَاء حَيّ بعدهمْ فاختبار إِلَّا زادني ذَلِك حبا لَهُم

كم فيهم من فَتى حُلْو شمائلهجم الرماد إِذا مَا أخمد الْبرم
تحب زَوْجَات أَقوام حلائلهإِذا الأنوف امترى مكنونها الشبم
ترى الأرامل والهلاك تتبعهيستن مِنْهُ عَلَيْهِم وابل رذم
كَأَن أَصْحَابه بالقفر يمطرهممن مستحير غزير صَوبه ديم

ــ

كم للتكثير وجم الرماد كَثِيره وَلَا يكثر الرماد إِلَّا لِكَثْرَة الأضياف فَهُوَ كِنَايَة عَن الْكَرم والبرم هُوَ الَّذِي لَا يدْخل مَعَ الْقَوْم فِي الميسر لدناءته وخسته وَالْمعْنَى أَنهم أسخياء كرماء فكم فيهم من فَتى حسن الشيمة مكرم للضيف إِذا أخمد الْبَخِيل ناره منعا للضيفان من النُّزُول عِنْده

الحلائل جمع حَلِيلَة الْمَرْأَة المتزوجة وامترى استخرج والمكنون المستور وَأَرَادَ بِهِ مَا يسيل من الأنوف عِنْد الْبرد والشبم الْبرد وَالْمعْنَى أَن هَذَا الرجل يسر يُوسع على عِيَاله فَإِذا اشْتَدَّ الْقَحْط وَخرج المَاء من الأنوف لشدَّة الْبرد أطعمت حلائله حلائل غَيره من النَّاس فيحبونهن ويثنون عَلَيْهِنَّ بأنهن يهدبن للجارات

الأرامل جمع أرملة وأرمل لِأَنَّهُ يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وهم الَّذين قد انْقَطع زادهم والهلاك الْفُقَرَاء الَّذين أشرفوا على الْهَلَاك والاستنان الانصباب والوابل الْمَطَر الْكثير والرذم السَّائِل وَالْمعْنَى أَنه رجل بلغ النِّهَايَة فِي الْعَطاء فالأرامل والفقراء تتبعه فيعطيهم بِقدر آمالهم ويزيدهم

القفر من الأَرْض مَا لَا نَبَات فِيهِ وَلَا مَاء والمستحير السَّحَاب الَّذِي لَا ينْتَقل من مَكَانَهُ وَهُوَ مَمْلُوء بِالْمَاءِ والغزير الْكثير والصوب الانصباب والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون وَالْمعْنَى أَن أَصْحَابه فِي القفر من الأَرْض فِي غَضَاضَة عَيْش وتنعم لما يبذله لَهُم من الْجُود وَالعطَاء الَّذِي

غمر الندى لَا يبيت الْحق يثمدهإِلَّا غَدا وَهُوَ سامي الطّرف يبتسم
إِلَى المكارم يبنيها ويعمرهاحَتَّى ينَال أمورا دونهَا قحم
تشقى بِهِ كل مرباع مودعةعرفاء يشتو عَلَيْهَا تامك سنم
إِن العقائل لَا يَدْعُو لمسيرهاوَلَا يشح عَلَيْهَا حِين تقتسم
ترى الجفان من الشيزى مكللةقدامه زانها التشريف وَالْكَرم

ــ

هُوَ كالمطر المنصب الدَّائِم

الْغمر الْكثير والندى الْعَطاء ويثمده يكثر عَلَيْهِ حَتَّى يفنى مَا عِنْده وَالْحق حق الْقرى وَغَيره والسامي العالي وَقَوله لَا يبيت الخ يشْتَمل على معنى الشَّرْط وَالْجَزَاء أَي كلما بَات يثمد مَا عِنْده ويفنيه غَدا سامي الطّرف مُبْتَسِمًا

إِلَى مُتَّصِل بقوله غَدا والقحم واحدتها قحمة وَهِي الشدَّة الْمهْلكَة وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنه وافر السخاء فَكلما بَات الْحق يثمد مَا عِنْده غَدا عالي الطّرف مُبْتَسِمًا وَإِن بَات يعاني مشقة من إِعْطَاء النَّاس بانيا عَامِرًا للمكارم حَتَّى ينَال أمورا دون نيلها شَدَائِد مهلكة

المرباع النَّاقة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تضع وَلَدهَا فِي الرّبيع وَهُوَ الْمَحْمُود من النِّتَاج والمودعة الَّتِي لَا تركب وَلَا تحمل والعرفاء السمينة الغليظة الَّتِي صَار لَهَا كالعرف والتامك السنام والسنم العالي وَالْمعْنَى أَنه لِكَثْرَة كرمه ينْحَر من الْإِبِل أعزها وأسمنها للأضياف

العقائل جمع عقيلة وَهِي الْكَرِيمَة من الْإِبِل وَالشح الْبُخْل وَالْمعْنَى أَنه لَا يسرح الْإِبِل الْكَرِيمَة إِلَى المرعى بل يحبسها لينحرها للضيفان وَلَا يبخل عِنْد التَّقْسِيم

الشيزي خشب يصنع مِنْهُ الجفان وَهِي جمع جَفْنَة وَهِي الْقَصعَة وتكليل الجفان جعلهَا مغطاة بِقطع كبار من اللَّحْم وَقَوله زانها الخ يُرِيد مَا يَسْتَعْمِلهُ من اللطف

ينوبها النَّاس أَفْوَاجًا إِذا نَهِلُواعلوا كَمَا عل النهلة النعم
زارت رويقة شعثا بعد مَا هجعوالَدَى نواحل فِي أرساغها الخدم
وَقمت للزور مرتاعا فأرقنيفَقلت أَهِي سرت أم عادني حلم
وَكَانَ عهدي بهَا وَالْمَشْي يبهظهامن الْقَرِيب وَمِنْهَا النّوم والسأم

ــ

والمؤانسة للأضياف وَالْمعْنَى أَن الجفان الْمعدة للأضياف عَلَيْهَا كالأكاليل من قطع اللَّحْم يزينها مَا يَسْتَعْمِلهُ من اللطف والتأنيس مَعَ الضيفان

ينوبها النَّاس أَي يتناوبونها طَائِفَة بعد طَائِفَة والنهل من الشّرْب أَوله والعل ثَانِيه وَهَذَا كِنَايَة عَن الامتلاء والشبع ووفرة مَا يُؤْكَل وَالنعَم من الْإِبِل وَالْمعْنَى أَن النَّاس يأْتونَ إِلَى هَذِه الجفان طَائِفَة بعد أُخْرَى وَمن أكل مرّة يعود إِلَى الْأكل ثَانِيَة لِكَثْرَة مَا هُوَ مَوْجُود من الطَّعَام

رويقة اسْم محبوبته والأشعث المغبر والنواحل الْإِبِل المهزولة والخدم السيور الَّتِي تشد فِي رسغ الْبَعِير وَالْمعْنَى زار خيال هَذِه المحبوبة قوما غبرا مسافرين بعد مَا نَامُوا عِنْد الْإِبِل المهزولة من طول السّفر

الزُّور الزائر يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث ومرتاعا أَي فَزعًا من قَوْلك رعته فارتاع إِذا أفزعته وأرقني أيقظني وأسهرني وَسكن الْهَاء من قَوْله أَهِي مَعَ ألف الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ أجْرى ألف الِاسْتِفْهَام مجْرى وَاو الْعَطف وَالْمعْنَى أنني قُمْت للزائر من النّوم فَزعًا فأسهرني فَقلت هَل قصدتني بِنَفسِهَا أم أرْسلت إِلَيّ خيالها فِي الْمَنَام يُرِيد أَي الْأَمريْنِ كَانَ

الْوَاو من قَوْله وَكَانَ وَاو الْحَال من قَوْله أَهِي سرت فِي الْبَيْت قبله ويبهظها يثقلها ويشق عَلَيْهَا وَالْمعْنَى كَيفَ سرت وَقد كَانَ عهدي بهَا أَن الْمَشْي الْقَرِيب يثقلها وَمن عَادَتهَا النّوم

وبالتكاليف تَأتي بَيت جارتهاتمشي الهوينا وَمَا تبدو لَهَا قدم
سود ذوائبها بيض ترائبهادرم مرافقها فِي خلقهَا عمم
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
رويق إِنِّي وَمَا حج الحجيج لَهُوَمَا أهل بجنبي نَخْلَة الْحرم
لم ينسني ذكركُمْ مذ لم ألاقكمعَيْش سلوت بِهِ عَنْكُم وَلَا قدم
وَلم تشاركك عِنْدِي بعد غانيةلَا وَالَّذِي أَصبَحت عِنْدِي لَهُ نعم

ــ

والملال

تمشي الهوينا أَي على تؤدة ورفق وَالْمعْنَى أَنَّهَا تمشي بتؤدة ورفق إِلَى بَيت جارتها من غير أَن يظْهر لَهَا قدم يصفها بِأَنَّهَا خَفِيفَة فِي مشيها إِذا مشت لَا تزعج أحدا

سود ذوائبها أَي لِأَنَّهَا شَابة والترائب عِظَام الصَّدْر حَيْثُ يعلق الحى ي وَاحِدهَا تريبة والدرم وَاحِدهَا أدرم يُقَال مرفق أدرم إِذا لم يكن لَهُ حجم لاكتنازه بِاللَّحْمِ والعمم يُرِيد بِهِ الطول والعظم وَالْمعْنَى أَنَّهَا حَسَنَة الْخلق كَامِلَة الْأَوْصَاف الَّتِي مِنْهَا سَواد شعر الذوائب وَبَيَاض الصَّدْر وَكَثْرَة لحم الْمرَافِق ورشاقة الْقد

رويق مرخم رويقة وَالْوَاو للقسم وَمَا بِمَعْنى الَّذِي والأهلال رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ ونخلة مَكَان يقرب من مَدِينَة الرَّسُول ﷺ

لم ينسني جَوَاب الْقسم وَحقّ جَوَاب الْقسم إِذا كَانَ أَوله حرف نفي أَن يكون بِمَا أَو بِلَا وَلكنه أَتَى بلم للضَّرُورَة والقدم طول الْعَهْد

الغانية الْمَرْأَة الغنية بجمالها عَن الزِّينَة وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة يَا رويقة أَنِّي أقسم بِالْبَيْتِ الَّذِي حج إِلَيْهِ الْحجَّاج وبلهلال الْحرم بِالتَّلْبِيَةِ بجنبي نَخْلَة مَا أنساني ذكركُمْ عَيْش أسلوبه وَمَا شغلني عَنْكُم طول الْعَهْد مُنْذُ فارقتكم وَمَا أشركت فِي حبي إياك غانية سواك لَا وَالله الَّذِي أَسْبغ عَليّ نعمه

مَتى أَمر على الشقراء معتسفاخل النقا بمروح لَحمهَا زيم
والوشم قد خرجت مِنْهُ وقابلهامن الثنايا الَّتِي لم أقلهَا ثرم
يَا لَيْت شعري عَن جَنْبي مكشحةوَحَيْثُ تبنى من الحناءة الأطم
عَن الإشاءة هَل زَالَت مخارمهاوَهل تغير من آرامها إرم
وجنة مَا يذم الدَّهْر حاضرهاجبارها بالندى وَالْحمل محتزم

ــ

مَتى أَمر استبعاد لطول الْعَهْد واستعجال لما يتمناه من الْعود إِلَى هَذِه الْأَمَاكِن الَّتِي ذكرهَا والشقراء مَاء كثير النّخل وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِنَّمَا عني بِهِ فرسه والاعتساف الْعُدُول عَن الجادة والخل الطَّرِيق النَّافِذ فِي الرمل والنقا الرمل والمروح الْفرس النشيط والزيم انضمام اللَّحْم بعضه إِلَى بعض واشتداد اكتنازه وَالْمعْنَى أَتَمَنَّى قرب مروري على هَذَا الْموضع بفرس نشيط مرح مكتنز اللَّحْم مضموم بعضه إِلَى بعض

الوشم مَوضِع بِالْيَمَامَةِ يشْتَمل على خمس قرى عَلَيْهَا سور وَاحِد من لبن وَفِيه نخيل وزروع وَهُوَ مَعْطُوف على خل النقا فِي الْبَيْت قبله وَقَوله قد خرجت يَعْنِي فرسه المروح والثنايا جمع ثنية وَهِي الْعقبَة أَو الطَّرِيق بَين الْجبَال وقلاه أبغضه والثرم جبل بِالْيَمَامَةِ وَالْمعْنَى أَتَمَنَّى أَيْضا مروري على الوشم الَّذِي تخرج مِنْهُ فرسي ويقابلها ثرم من العقبات الَّتِي لم أبغضها

المكشحة مَوضِع بِالْيَمَامَةِ والحناءة رمل من رمال عالج والأطم الْحسن

الإشاءة بدل من جَنْبي مكشحة وَهُوَ اسْم مَوضِع أَيْضا والمخارم الطّرق فِي الغلظ والإرم الطَّرِيق وَمعنى الْبَيْتَيْنِ يَا قوم لَيْت علمي كَانَ وَاقعا بأحوال هَذِه الْمَوَاضِع هَل هِيَ بَاقِيَة على مَا عهدتها أم تَغَيَّرت

مَا يذم الدَّهْر حاضرها يُرِيد وَعَن جنَّة يرضى حاضرها عَن الدَّهْر وَيَحْمَدهُ لما فِيهَا من الخصب وسعة الْعَيْش والجبار النَّخْلَة الطَّوِيلَة والندى الرُّطُوبَة

فِيهَا عقائل أَمْثَال الدمى خردلم يغذهن شقا عَيْش وَلَا يتم
ينتابهن كرام مَا يذمهمجَار غَرِيب وَلَا يُؤْذى لَهُم حشم
مخدمون ثقال فِي مجَالِسهمْوَفِي الرّحال إِذا صاحبتهم خدم
بل لَيْت شعري مَتى أغدوا تعارضنيجرداء سابحة أَو سابح قدم

ــ

وَالْحمل الطّلع والاحتزام الالتفاف وَالْمرَاد فِيهَا الخصب وَالْمعْنَى وأستخبر أَيْضا عَن أَحْوَال جنَّة تحمل أبدا وتدوم مخضرة معمورة بِالنَّخْلِ الَّتِي يجتنى مِنْهَا الثَّمر

العقائل جمع عقيلة وَهِي كَرِيمَة الْحَيّ والدمي جمع دمية وَهِي الصُّورَة المنقوشة والخرد جمع خريدة وَهِي الْبكر

ينتابهن يقصدهن والحشم الأتباع والخدم

مخدمون أَي لأَنهم سادة وَأَرَادَ بالثقال أَنهم ذَوُو وقار وحلم وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة أَن فِي هَذِه الْجنَّة نسَاء كرائم حييات بيضًا أَبْكَارًا نواعم نشأن على رغد الْعَيْش والراحة بتربية آبائهن يقصدهن من النَّاس كرامهم وأعزاؤهم لَا يذمهم جَار غَرِيب بل يمدحهم لما يجده من إِحْسَان الْقرى وَلَا يُؤَدِّي لَهُم أَتبَاع لحسن أَخْلَاقهم مخدمون سادة أَصْحَاب رزانة ووقار وحلم فِي مجَالِسهمْ وَإِذا صاحبتهم فِي السّفر وَجَدتهمْ خدما لمن يرافقهم

بل تدخل للإضراب عَن الأول وَالْإِثْبَات للثَّانِي وَكَأَنَّهُ أَرَادَ الِانْصِرَاف عَمَّا كَانَ فِيهِ وَأَرَادَ الِاشْتِغَال بِغَيْرِهِ فَأتى ببل إِيذَانًا بذلك وتعارضني مَعْنَاهُ إِذا أردْت أَن أقودها سبقتني إِلَى مَا أُرِيد مِنْهَا يُرِيد أَنَّهَا سهلة المقادة قَوِيَّة سريعة والجرداء من الْخَيل القصيرة الشّعْر وَهُوَ مَحْمُود فِيهَا والسبح نوع من الْعَدو كَأَن الْفرس يسبح فِي جريه والقدم الْمُتَقَدّم السَّابِق يُوصف بِهِ الذّكر وَالْأُنْثَى

نَحْو الأميلح أَو سمنان مبتكرابفتية فيهم المرار وَالْحكم
لَيست عَلَيْهِم إِذا يَغْدُونَ أرديةإِلَّا جِيَاد قسي النبع واللجم
من غير عدم وَلَكِن من تبذلهمللصَّيْد حِين يَصِيح القانص اللَّحْم
فيفزعون إِلَى جرد مسومةأفنى دوابرهن الركض والأكم

ــ

الأميلح مَاء لبني ربيعَة الْجُوع وسمنان مَوضِع بالبادية وَقيل هُوَ بديار بني تَمِيم قرب الْيَمَامَة والمرار أَخُو الشَّاعِر وَالْحكم ابْن عَمه هَذَا قَول الْأَصْمَعِي وَقَالَ غَيره هما أَخَوَاهُ وَمعنى الْبَيْتَيْنِ يَا قوم لَيْت علمي حَاصِل مَتى أغدو بفرس سابحة أَو سابح سَابق أقوده فيسبقني لسلاسة قياده إِلَى جِهَة الأميلح وسمنان مبتكرا مَعَ فتية فيهم أخي وَابْن عمي

كَانَ الرجل من الْعَرَب يخلع لجام فرسه فيتقلد بِهِ أَو يَجعله على خصره وَرفع الأجياد وَالْوَجْه الْجيد النصب لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع والنبع شجر تتَّخذ مِنْهُ القسي

من غير تعلق بقوله لَيست عَلَيْهِم إِذا يَغْدُونَ والعدم الْفقر والقانص الصَّائِد وَاللَّحم الرَّاغِب فِي أكل اللَّحْم وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن أُولَئِكَ الْفتية لَيْسَ عَلَيْهِم أردية إِذا يَغْدُونَ غير القسي الْجِيَاد من النبع وَغير لجم خيولهم الَّتِي يتقلدون بهَا وخلوهم من الأردية لَيْسَ لفقر بل لتبذلهم وولوعهم بالصيد يصفهم بِأَنَّهُم أهل صيد وفروسية

فيفزعون أَي يلجؤن والجرد من الْخَيل القصيرة الشّعْر والمسومة المعلمة بعلامات تعرف بهَا والدوابر مآخر الحوافر والأكم جمع أكمة وَهِي الْجَبَل وَالْمعْنَى أَنهم إِذا صَوت القانص يلتجئون إِلَى خيل قَصِيرَة الشّعْر نشيطة معلمة قد أفنى مآخير حوافرها ركض الفوارس لَهَا وتأثير الْجبَال فِي حوافرها لِأَن جريها كَانَ عَلَيْهَا

يرضخن صم الحصافى كل هاجرةكَمَا تطايح عَن مرضاخه الْعَجم
يَغْدُو أمامهم فِي كل مربأةطلاع أنجدة فِي كشحه هضم

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.