من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ الفرزدق تقدّمت تَرْجَمته (٢)
وداع بلحن الْكَلْب يَدْعُو ودونهمن اللَّيْل سجفا ظلمَة وغيومها
دَعَا وَهُوَ يَرْجُو أَن يُنَبه إِذْ دَعَافَتى كَابْن ليلى حِين غارت نجومها
ــ
فنَاء الْبَيْت هُوَ مَا امْتَدَّ من جوانبه وَيَعْنِي بِالسَّوْدَاءِ الْقدر والفخمة الْعَظِيمَة والأوصال المفاصل وَالْجَزُور النَّاقة والعراعر الْعَظِيم الْخلق وَجعل اشتمالها على الأوصال كتلقمها إِيَّاهَا وَالْمعْنَى لهَذَا الممدوح قدر عَظِيمَة كَافِيَة لإطعام من نزل بِهِ من الضيفان تلتقم مَا يوضع فِيهَا من مفاصل الْإِبِل الْكَثِيرَة الشَّحْم وَاللَّحم
بَقِيَّة قدر أَي هِيَ بَقِيَّة قدر وَلم يُوجد كَابر فِي معنى كَبِير إِلَّا فِي هَذَا الْموضع وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْقدر هِيَ قدر من بَقِيَّة قدور ورثهَا عَن آبَائِهِ كَابِرًا عَن كَابر
تظل أَي تدوم والقديح المرق أَو مَا يبْقى فِي أَسْفَل الْقدر فيغرف بِجهْد وقراقر وَاد بالدهناء وَشبه تبادر الْإِمَاء نَحْو الْقدر بتبادر بطُون سعد إِلَى تِلْكَ الْمِيَاه وَالْمعْنَى لَا تزَال الْإِمَاء تتبادر إِلَى تنَاول مرق هَذِه الْقدر للضيفان كَمَا تتبادر بطُون بني سعد إِلَى مَاء قراقر
الْوَاو وَاو رب وَأَرَادَ بالداعي بلحن الْكَلْب المستنبح وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّف نباح الْكَلْب فِي صَوته وَإِنَّمَا فعل ذَلِك إِذْ حَال بَينه وَبَين النَّاظر ستران ظلمَة اللَّيْل وَالْتِبَاس النُّجُوم
غارت نجومها أَي غارت وَذَهَبت
بعثت لَهُ دهماء لَيست بلقحةتدر إِذا مَا هَب نحسا عقيمها
كَأَن الْمحَال الغر فِي حجراتهاعذارى بَدَت لما أُصِيب حميمها
غضوبا كحيزوم النامة أحشمتبأجواز خشب زَالَ عَنْهَا هشيمها
محضرة لَا يَجْعَل السّتْر دونهَاإِذا الْمُرْضع العوجاء جال بريمها
ــ
بعثت جَوَاب رب والدهماء السَّوْدَاء وَأَرَادَ بهَا الْقدر والعقيم الرّيح الَّتِي لَيْسَ مَعهَا مطر لِأَنَّهَا لَا تَنْفَع الْأَشْجَار وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة وَرب مُنَاد أظلم عَلَيْهِ اللَّيْل وَلم تضيء لَهُ النُّجُوم ليهتدي إِلَى مَكَان الضِّيَافَة فَصَارَ يصوت بِصَوْت يشبه نباح الْكلاب راجيا أَن يسمعهُ كريم مثل ابْن ليلى فِي وَقت غيبوبة النُّجُوم أرْسلت لَهُ قدرا عَظِيمَة كَثِيرَة الْإِطْعَام فِي أَيَّام الجدب والقحط
الْمحَال فقر الظّهْر واحده محَالة والغر الْبيض والحجرات الجوانب والعذارى الْأَبْكَار وَالْحَمِيم الْقَرِيب الَّذِي يهتم لأَمره وَشبه الْمحَال وفقر الظّهْر فِي نواحي الْقدر وجوانبها وَهِي بَيْضَاء سَمِينَة مَعَ تضمن الْقدر السَّوْدَاء لَهَا بالعذارى الْأَبْكَار وَقد لبسن ثِيَاب السوَاد لما أصبن بِمن يعز عَلَيْهِنَّ وَالْمعْنَى كَأَن قطع اللَّحْم وفقر الظّهْر فِي بياضها وَكَثْرَة شحمها مَعَ سَواد الْقدر وَهِي فِي داخلها أبكار عذارى لبسن السوَاد من الثِّيَاب لفقد الْعَزِيز عَلَيْهِنَّ
غضوبا صفة لدهماء وَجعل غليانها بِمَنْزِلَة الْغَضَب وحيزوم النعامة صدرها وأحمشت أَي أشبعت وقودا تحتهَا والأجواز الأوساط والهشيم الْيَابِس المتكسر من النَّبَات وَالْمعْنَى قدمت لَهُ قدرا كصدر النعامة فِي اتساعها قد اشْتَدَّ غليانها بِمَا وضع تحتهَا من الْوقُود حَتَّى نضج مَا فِيهَا
محضرة أَي لَا يمْنَع مِنْهَا أحد والعوجاء الَّتِي اعوجت هزالًا وجوعا
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع