تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

وسئلت فى جملة المسائل الواردة

من الموصل، عمّا دار من الكلام بين سيبويه والكسائىّ، بحضرة يحيى بن خالد البرمكىّ.

فقلت: إن الكسائىّ، فيما وردت به الرواية، سأل سيبويه، فقال: كيف تقول: «كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور، فإذا هو هى، أم فإذا هو إيّاها»؟ فقال سيبويه: «فإذا هو هى» ولا يجوز النصب، فقال له الكسائىّ:

أخطأت، ثم سأله عن مسائل من هذا النحو، منها: خرجت فإذا عبد الله القائم، والقائم، برفع القائم ونصبه، فقال سيبويه فى ذلك بالرفع دون النصب، فقال الكسائىّ:

العرب ترفع هذا كلّه وتنصبه، فدفع سيبويه قوله.

فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟

فقال الكسائىّ: هذه العرب ببابك، قد اجتمعت من كلّ أوب، ووفدت عليك من كلّ صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فليحضروا ويسألوا.

فقال يحيى وابنه جعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا، وفيهم أبو فقعس وأبو زياد وأبو الجرّاح وأبو ثروان، فسئلوا عمّا جرى بين الكسائىّ وسيبويه، فتابعوا الكسائىّ، وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه، فقال له: قد تسمع! فاستكان سيبويه، وأقبل الكسائىّ على يحيى، فقال: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد عليك من بلده مؤمّلا، فإن رأيت أن لا تردّه خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصيّر وجهه إلى فارس، فأقام هناك ولم يعد إلى البصرة.

وأقول: إن الصحيح فى هاتين المسألتين قول سيبويه، لأن «إذا» هذه هى المكانيّة الموضوعة للمفاجأة، فهى تؤدّى معنى الظّرف الذى يشار به إلى المكان، وهو هناك وثمّ، فيجوز أن يقتصر على الاسم المرفوع بعدها، على أنه مبتدأ، وهى خبره، كقولك: خرجت فإذا زيد، المعنى: فثمّ زيد، أو فهناك زيد، فإن جئت بعد المرفوع بنكرة، فلك فيها مذهبان، أحدهما: أن ترفعها بأنها خبر المبتدأ، فتكون «إذا» فضلة، يعمل فيها الخبر، تقول: فإذا زيد قائم، كما تقول: هناك زيد قائم، وفى الدار زيد قائم، والمذهب الآخر: أن تنصب النكرة على الحال، تقول:

فإذا زيد قائما، فتكون «إذا» مستقرّا، موضعها رفع بأنها خبر المبتدأ، وهى الناصبة للحال، لنيابتها عن الاستقرار.

وقول الكسائىّ: فإذا عبد الله القائم، بنصب القائم، لا وجه له، لأن الحال لا تكون معرفة، وإذا بطل النصب فى القائم، فهو فى الضمير من قوله: فإذا هو إيّاها، أشدّ بطولا.

وإنما أنكر سيبويه النصب، لأنه لم يره مطابقا للقياس، ولم ير له وجها يقارب الصّواب، ولما لم يظفر الكسائىّ بحجّة قياسيّة، يدفع بها إنكار سيبويه للنصب، كان قصاراه الالتجاء إلى السّماع، والتشبّث بقول أعراب أحضروا فسئلوا عن ذلك، وكان للكسائىّ بهم أنسة، وسيبويه إذ ذاك غريب طارئ عليهم.

وذكر قوم من البصريّين أن الكسائىّ جعل لهم جعلا، استمالهم به إلى تصويب قوله، وقيل: إنما قصد الكسائىّ بسؤاله عمّا علم أنه لا وجه له فى العربية، واتّفق هو والفرّاء على ذلك، ليخالفه سيبويه، فيكون الرّجوع إلى السّماع، فينقطع المجلس عن النّظر والقياس.

وممّا قاله أبو الطيّب فى صباه قوله:

أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلاوالبين جار على ضعفى وما عدلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أحيا: فعل متكلّم، والجملة التى هى «أيسر» وخبره فى موضع نصب على الحال من المضمر فى «أحيا» أى أعيش وأقل ما قاسيت، أو أهون ما قاسيت ما قتل غيرى، /أخبر بحياته فى هذه الحال كالمتعجّب، وحقيقة المعنى: كيف أعيش وأهون الأشياء التى قاسيتها فى الهوى الشىء الذى قتل المحبّين؟

والضّعف والضّعف: لغتان، كالزّعم والزّعم، والفقر والفقر، وزعم قوم أن الضّعف بالضمّ فى الجسم، والضّعف فى العقل، وليس هذا بقول يعتمد عليه، لأن القرّاء قد ضمّوا الضاد وفتحوها فى قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.