تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

ممّا أنكر على أبى الطيّب

تشديد النون من «لدن» فى قوله:

فأرحام شعر يتّصلن لدنّهوأرحام مال ما تنى تتقطّع
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وقيل: إنّ هذا غير معروف فى لغة العرب، وقال أبو الفتح: قوله: «لدنّه» فيه قبح وبشاعة، لأنّ النون إنما تشدّد إذا كان بعدها نون، نحو لدنّى ولدنّا، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ وأقرب ما يصرف هذا إليه أن يقال: شبّه بعض الضمير ببعض ضرورة، فكما قال:

لدنّى، قال: لدنّه، فحمل أحد الضميرين على صاحبه، وإن لم يكن فى الهاء ما يوجب الإدغام من زيادة نون قبلها، كما قالوا: يعد، فحذفوا الواو، لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم قالوا: أعد وتعد ونعد، فحذفوا الواو، وإن لم يكن هناك ما يجب له حذفها، قال: ويجوز أن يكون ثقّل النون ضرورة، لا لمصاحبتها الضمير، كما قالوا فى القطن: القطنّ، وفى الجبن: الجبنّ، وأنشد أبو زيد:

مثل الجمان جال فى سلكنّه

زاد نونا شديدة.

وقال آخر:

إنّ شكلى وإنّ شكلك شتّىفالزمى الخصّ واخفضى تبيضّضى

فزاد ضادا، وقال سحيم العبد:

وما دمية من دمى ميسنان معجبة نظرا واتّصافا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

قالوا: أراد ميسان، فزاد النون، وقال الأسدىّ:

وجاشت من جبال السّغد نفسىوجاشت من جبال خُوارَرَزْمِ

أراد خُوارَزْم، فغيّرها.

واحتجّ لأبى الطيّب غير أبى الفتح، فيما ذكره القاضى أبو الحسن علىّ بن عبد العزيز الجرجانىّ، فقال: إن العلّة فى جواز هذه الزيادة أن الهاء لمّا كانت خفيّة وكانت النون ساكنة، ومن حقّ النون الساكنة أن تبيّن عند حروف الحلق، حسن تشديدها، لتظهر ظهورا شافيا، فهذه علّة قريبة قد يحتمل للشاعر تغيير الكلام لأجلها، ويؤكّد ذلك أن النون أقرب الحروف إلى حرفى العلّة، الياء والواو، وأكثرها شبها بهما ومناسبة لهما، لأنها تدغم فيهما، وزيدت ثالثة ساكنة، فى نحو جحنفل، كما

زيدت حروف العلّة بهذا الوصف، فى نحو: فدوكس وسميدع وعذافر، وتبدل منها الألف فى الوقف، إذا كانت خفيفة، فى نحو: اضربا، وجعلت إعرابا فى الأمثلة الخمسة، تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون وتفعلين، كما جعلا إعرابا فى التثنية والجمع الذى على حدّها، وتحذف إذا كانت ساكنة لالتقاء الساكنين، فى نحو:

اضرب الغلام، بفتح الباء، فلما حلّت من مناسبتهنّ هذا المحلّ، احتملت ما يحتملنه من الزيادة، وحروف العلة أوسع الحروف تصرّفا، ولذلك استجازوا زيادة الياء فى الصّياريف، والواو فى فأنظور، والألف فى منتزاح. انتهى كلامه، أراد زيادة الياء فى الصّياريف من قول القائل:

تنفى يداها الحصى فى كلّ هاجرةنفى الدّراهيم تنقاد الصّياريف

وزيادة الواو فى: فأنظر، من قول الآخر:

من حيث ما سلكوا أدنو فأنظور

وزيادة الألف فى: منتزح من قول الآخر:

وأنت من الغوائلحين ترمى

ومن ذمّ الرّجال بمنتزاح

وقد كان أبو الطيّب، فيما ذكر الجرجانىّ، خوطب فى ذلك، فجعل مكان «لدنّه»: «ببابه» وروى: «بجوده» واحتجّ بنحو ما احتجّ به أبو الفتح، من الأبيات التى تتضمّن الزيادة والتغيير.

قال أبو الفتح: واستعمل «لدن» بغير «من» وهو قليل فى الكلام، لا يكادون /يستعملونها إلاّ ومعها «من» كما جاء فى التنزيل: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ و ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ وأنشد سيبويه:

من لد شولا وإلى إتلائها

نصب «شولا» بإضمار كان، أى من لدن أن كانت شولا إلى أن أتلت، أى تلتها أولادها، هذا قول أبى علىّ، مضافا إلى قول أبى الفتح.

وقد جاء «لدن» بغير «من» فيما أنشده يعقوب من قوله:

فإنّ الكثر أعيانى قديماولم أقتر لدن أنّى غلام

وقال كثيّر:

وما زلت من ليلى لدن أن عرفتهالكالهائم المقصى بكلّ مكان
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ولما رأت وجدي بها وتبينت»

زاد اللام فى قوله: لكالهائم.

ولدن من الظّروف التى لم تتمكّن، لغلبة الإبهام عليها، وفيه لغات: أولها لدن مثل عضد، والثانية لدن مثل عضد، والثالثة لدن مثل عضد، خفّفوه تارة بإسكان أوسطه، وتارة بنقل الحركة إلى أوله، وحرّكوا النون لالتقاء الساكنين، وخصّوها بالحركة التى كانت للدال.

والرابعة لد، بحذف النون، كما أنشد سيبويه: «من لد شولا» ووجه حذف النون فيما ذكره أبو علىّ، أنهم حذفوها لالتقاء الساكنين، فى قولهم: لد الصّلاة، كما حذفوا التنوين من الأسماء الأعلام، فى نحو زيد بن فلان، ثم أجروا النون فى الحذف، ولم يلقها ساكن، مجراها فى الحذف لالتقاء الساكنين.

والخامسة لد، بحذف النون، بعد نقل الضمة إلى اللام.

والسادسة لد، بحذف النون وضم اللام، إتباعا لضمة الدال، وإنما يحذفون النون إذا أضافوه إلى المظهر، فإن أضافوه إلى المضمر ردوها، فقالوا: لدنك ولدنه ولدنّا.

والسابعة لدن بفتح الدال، وأصل هذه اللغة أنهم حذفوا النون بعد إسكان الدال

ثم ردّوها، ففتحوا الدال لالتقاء الساكنين، تشبيها للدال بآخر الفعل مع النون الخفيفة، فى نحو: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ولا يكون هذا العمل إلا مع غدوة، قال أبو زيد:

قالوا: جئت فلانا لدن غدوة، ففتحوا الدال. وقال سيبويه: شبّهوها بالخفيفة مع الفعل، ففتحوا الدال، كما فتحوا آخر الفعل.

قال أبو علىّ: ولم يكن حقّها أن تحذف النون منها، لأن الحذف إنما يكون فى الأسماء المتمكّنة، ولمّا أشبه «لدن» الحروف، لم يحسن الحذف منه، فاستكرهوه وجعلوا النون بمنزلة الزائد، وقد أضيف إلى الفعل فى قول القطامىّ:

صريع غوان راقهنّ ورقنهلدن شبّ حتّى شاب سود الذّوائب
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

ويمكن أن تكون إضافته إلى الفعل، كإضافة «حيث» إليه، لأنه فى الإبهام مثله، ويمكن أن يكون المعنى: لدن أن شبّ، فحذف «أن» ويقوّى ذلك ثبات «أن» فى قول الأعشى:

أرانى لدن أن غاب رهطى كأنّمايرى بى فيكم طالب الضّيم أرنبا

وقال أبو علىّ أيضا: فأمّا ما روي عن عاصم من قراءته ﴿لَدُنْهُ﴾ فالكسرة فيه

ليست كسرة جرّ، وإنما هى كسرة التقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما أسكنت الباء، من سبع، والنون ساكنة، فلما التقيا كسر الثانى منهما.

وقوله: «فأرحام شعر» استعار الأرحام للشّعر، وجعلها [متّصلة عند الممدوح، ثم قال: وأرحام مال، فاستعارها للمال وجعلها] متقطّعة عند الممدوح، لما سنذكره، والرّحم: علاقة القرابة، ومعنى «تنى» تفتر، قال العجّاج:

فما ونى محمد مذ أن غفرله الإله ما مضى وما غبر

وفى التنزيل: ﴿وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ ومنه قولهم: امرأة وناة: إذا كان فيها فتور عند القيام، فالمعنى: ما تفتر عن التقطّع، والأصل: ما تنى عن أن تتقطّع، فحذف «عن» ثم حذف «أن» فارتفع الفعل.

ولدن ولدى وعند نظائر، إلا أن «عند» أمكن منهما.

ومن الفرق بينها وبينهما أنك تقول: هذا القول عندى صواب، ولا تقول: هو لدىّ صواب، وكذلك لا تقول: قولك لدنّى صواب، وقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكرىّ: تقول: عندى مال [وإن كان غائبا عنك، ولا تقول:

لدىّ مال إلاّ فى المال الحاضر، لأن لدىّ إنما هو لما يليك، ولا تقول: لدنّى مال] وإن كان حاضرا. فقد جعل لعند مزيّة على لدى، وجعل للدى مزيّة على لدن.

وأجاز أبو العلاء المعرىّ أن يقال: لدنّى مال، غائبا كان أو حاضرا، ومنع أن يكون بين عند ولدن فرق، فى جميع أحوالها، وقول أبى هلال أثبت، وقد قاله غيره، والذى ذكرته أوّلا من قولهم: هذا القول عندى صواب، وامتناعهم أن يقولوا: هو لدىّ صواب، فرق واضح.

قال أبو الفتح: ومعنى البيت أنه يحبّ المديح، فيهين له المال.

وقال أبو العلاء: استعار الأرحام للشّعر والمال، كما يفعل الشعراء، فيخرجون الأشياء من أصولها مستعارة، فيقولون: «ماء الصّبابة، وغمام العطاء» انقضى كلامه.

وليست الاستعارة مختصّة بالشعر، وإنما هى ضرب من البديع يتّسع فى النثر كاتّساعه فى النظم، وقد كثر ذلك فى القرآن، فمنه استعارة الجناح للذلّ فى قوله تعالى، موصّيا للولد بوالديه: ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أراد: لن لهما من مبالغتك فى الرحمة جانبك متذلّلا، ومنه استعارة الساق لشدّة الأمر، فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ ألا ترى أنك تقول لمن يحتاج إلى الجدّ فى أمر: شمّر عن ساقك [فيه] واشدد حيازيمك له، فيكون هذا القول أوكد فى نفسه من قولك: جدّ فى أمرك.

/ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾

فحقيقة «قدمنا»: عمدنا، وقدمنا أبلغ، لأنه دلّ فيه على ما كان من إمهاله لهم، حتى كأنه كان غائبا عنهم ثم قدم، فاطّلع منهم على غير ما ينبغى، فجازاهم بحسبه، وقوله: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ حقيقته: أبطلناه حتى لم يحصل منه شيء، فالاستعارة هاهنا أبلغ من الحقيقة.

ومن ذلك قوله: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ حقيقة «طغا» علا وطما، فالاستعارة أبلغ، لأن فيها دلالة على القهر، وذلك أن الطّغيان علوّ فيه غلبة وقهر.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاِشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ حقيقته: كثر الشّيب فى الرأس وظهر، فاستعار له الاشتعال، لفضل ضياء النار على ضياء الشّيب.

ومن ذلك قوله: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ استعار له السّراج، أو للقرآن، فى قول من قدّر حذف مضاف، فأراد: وذا سراج منير.

ومن ذلك استعارة النبىّ ﵌ للغيرة أنفا، وقد رأى عليّا وفاطمة ﵉، فى بيت فردّ الباب عليهما، وقال: «جدع الحلال أنف الغيرة».

فالاستعارة تتضمّن من زيادة الفائدة ما لا تتضمّنه الحقيقة، ولولا ذلك كان استعمال الحقيقة أولى، فاختصاص المعرّى الشّعر بهذا الضّرب من البديع، قول من لم يقف على ما فى كتاب الله من الاستعارات المعدودة فى إعجاز القرآن.

ثم أقول: إنّ اتصال أرحام الشّعر عند الممدوح يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يقبل الشّعر ويثيب عليه، فيحصل بينهما اتّصال، كاتّصال القرابات، والآخر:

أنه يمدح بأشعار كثيرة، تجتمع عنده، فيتّصل بعضها ببعض، كاتّصال الأرحام.

وكذلك تقطّع أرحام المال يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون اجتماعه عنده كالرّحم بينهما، وتفريقه كقطع الرّحم، والثانى: أن المال لا يجتمع عنده، كما قال:

وكلّما لقى الدّينار صاحبهفى ملكه افترقا من قبل يصطحبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دمع جرى فقضى في الربع ماوجبا»

فمنعه من اجتماع المال كأنه قطع لأرحام مشتبكة بين صنوف الأموال.

وسئلت عن قوله، فى جملة مسائل وردت من الموصل:

كلّ ما لم يكن من الصّعب فى الأنفس سهل فيها إذا هو كانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «صحب الناس قبلنا ذا الزمانا»

فأجبت بأنّ «ما» نكرة موصوفة بالجملة، فموضع الجملة خفض، ويكن وكان تامّتان، فى معنى يقع ووقع، وقوله: «من الصّعب» صفة أخرى، فمن متعلّقة بمحذوف، فهى ومجرورها فى موضع خفض، و «سهل» خبر «كلّ» فالتقدير:

كلّ شيء غير واقع صعب فى الأنفس، سهل فيها إذا وقع، والمعنى أنّ الأمر يصعب على النّفس قبل وقوعه، فإذا وقع سهل، وهذا من قول أعشى باهلة:

لا يصعب الأمر إلاّ ريث يركبهوكلّ شيء سوى الفحشاء يأتمر
للشاعر الدعجاء بنت وهب، من قصيدة «إني أتتني لسان لا أسر بها»

معنى لا يصعب الأمر: لا يجده صعبا، كقولهم: أحمدت الرجل، أى وجدته محمودا، وأبخلته: وجدته بخيلا، ومنه قول عمرو بن معديكرب لبنى الحارث بن كعب: «والله لقد قاتلناكم فما أجبنّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم» أى ما وجدناكم جبناء ولا بخلاء ولا مفحمين، وكذلك أصعبت الأمر:

وجدته صعبا.

والرّيث: الإبطاء، يقال: راث الخبر: أى أبطأ، يقول: لا يجد الأمر صعبا إلا وقت [إبطاء] ركوبه إياه.

/وسئلت عن قول سحيم عبد بنى الحسحاس:

جنونا بها فيما اعتشرنا علاقةعلاقة حبّ مستسرّا وباديا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

فأجبت بأن «جنونا» نصب على المصدر، أى جننت جنونا، وقوله:

«علاقة» مفعول من أجله، والعلاقة، والعلق: الحبّ الشديد، ومن كلامهم:

«نظرة من ذى علق» أى من ذى هوى قد علق بمن يهواه قلبه، قال الشاعر:

علق الأحشاء من هند علقمستسرّ فيه نصب وأرق
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

أراد: جننت بها لعلاقة، أى لحبّ شديد، ويجوز أن تنصب «علاقة» على البدل من «جنونا»، وقوله: «علاقة حبّ» بدل من قوله: «علاقة» كما تقول:

لقيت غلاما غلام بزّاز، فتبين الأول بالثانى.

و «مستسرّا» نصب على النعت لقوله: «علاقة حبّ» وذكّر الوصف، والموصوف مؤنّث لأمرين، أحدهما: أن العلاقة بمعنى العلق، والآخر: أنها إذا كانت بدلا من «جنونا» فهى الجنون، وقد ورد تذكير المؤنّث للحمل على المعنى كثيرا، كقول الأعشى:

يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا

ذكّر الكفّ، لأنه ذهب بها مذهب العضو، ومنه قوله:

فإمّا ترينى ولى لمّةفإنّ الحوادث أودى بها

ذكّر ضمير الحوادث، لأنه ذهب بها مذهب الحدثان، ومنه فى التنزيل تذكير خبر الرّحمة فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لأن المراد بالرحمة هاهنا فى بعض التفسير: الغيث.

ويجوز أن تجعل «مستسرّا» نعتا لجنونا، والقول الأول أحسن، لقرب النعت من المنعوت، وإذا حقّقنا القول فى معنى العلاقة فهى التعلّق بالحبّ، فلهذا أضافها الشاعر إليه، فيجوز على هذا فى نصب «مستسرّا» وجهان آخران: أحدهما أن تجعله حالا من «حبّ» وإن كان نكرة، وكان مجىء الحال منها ضعيفا، وإنما

أجزت هذا لأمرين، أحدهما: /أن كون الحال من النكرة جائز، يجوز أن تقول:

مررت بامرأة جالسة، وهذا رجل مقبلا.

والثانى: أن المضاف إلى «حبّ» مصدر، فحبّ منصوب فى المعنى بعلاقة، على أنه مفعول به، وفاعل المصدر محذوف، فالتقدير: علاقتى حبّا، أى تعلّقى إياه، فالعامل فى الحال المضاف الذى هو العلاقة، فليست كالحال التى عمل فيها ما قبل المضاف فى نحو «سلبت سلاحى بائسا».

والوجه الآخر من وجهى النصب فى «مستسرّ» أن يكون نعتا لحبّ، على معناه، وانتصابه فى هذا الوجه أقوى من انتصابه على الحال، ألا ترى أن مفعول المصدر المجرور، قد عطف عليه المنصوب فى قول الشاعر:

قد كنت داينت بها حسّانامخافة الإفلاس واللّيّانا
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

كما وصف فاعل المصدر مجرورا بمرفوع، فى قول لبيد، فى وصف العير والأتان:

يوفى ويرتقب النّجاد كأنّهذو إربة كلّ المرام يروم
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طلل لخولة بالرسيس قديم»
حتّى تهجّر فى الرّواح وهاجهاطلب المعقّب حقّه المظلوم

فعلى هذا تقول: عجبت من ضرب زيد الظريف عمرا، والظريف، خفضا ورفعا، وعجبت من ضرب زيد الظريف عمرو، والظريف، خفضا ونصبا، فهذان وجهان آخران فى نصب «مستسرّ» واضحان.

ويروى:

جننت بها فيما اعتشرنا علالة

والعلالة: البقيّة من كلّ شيء، يقال لبقيّة الحبّ: علالة، وكذلك بقيّة اللّبن فى الضّرع، وبقيّة جرى الفرس، فالمعنى: جننت بها لبقية حبّى، والوجه هو الرواية الأولى.

واعتشرنا: من المعاشرة، وهى المصاحبة، والعشير: الصاحب، وفى التنزيل:

﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾.

/

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.