من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
وممّا اختلف فيه قوله
وإنّ الّذى حابى جديلة طيّىءبه الله يعطى من يشاء ويمنع
ذهب أبو الفتح إلى أن «حابى» بمعنى حبا، مأخوذ من الحباء، وهو العطيّة، واسم الله تعالى مرتفع به، أى إن الذى حبا الله به جديلة يعطى، فالجملة التى هى «يعطى» وفاعله خبر اسم إنّ.
وخولف أبو الفتح فى هذا القول، على أنّ عليه أكثر مفسّرى شعر المتنبى، والذى قاله الرادّ على أبى الفتح أنّ معنى حابى: بارى، من/قولهم: حابيت فلانا، أى باريته فى الحباء، مثل باهيته فى العطاء، كما يقال: كارمته، أى باريته فى الكرم، قال: وليس بمعروف أنّ معنى حابيته بكذا: حبوته به.
فعلى هذا القول يكون فاعل «حابى» مضمرا فيه، يعود على «الذى» واسم الله مرفوعا بالابتداء، وخبره الجملة التى هى «يعطى» وفاعله ومفعوله، أى إنّ الذى بارى جديلة طيّئ فى الحباء، الله يعطى به من يشاء، ومفعول «يمنع» محذوف، دل عليه مفعول «يعطى» ومفعول «يشاء» المذكور، و «يشاء» المحذوف، محذوفان، فالتقدير: يعطى به الله من يشاء أن يعطيه، ويمنع به من يشاء أن يمنعه، على أن المضمرين فى يعطيه ويمنعه يعودان على الممدوح، والمعنى أنه ملك قد فوّض الله إليه أمر الخلق، فى الإعطاء والمنع، فالمدح على هذا يتوجّه إليه وإلى عشيرته، لأن المباراة فى العطاء أنهم يعطون فيعطى مباهيا لهم بعطائه، والمعنى فى قول أبى الفتح: إن الذى حبا الله به جديلة طيّىء بأن جعله منهم، يعطى من يشاء إعطاءه، ويمنع من يشاء منعه، لأنه يعطى تكرّما لا قهرا، ويمنع عزّة لا بخلا.
وأقول: إنّ أصل فاعلته أن يكون من اثنين فصاعدا، وأنّ فاعله مفعول فى المعنى ومفعوله فاعل فى المعنى، كقولك: خاصمته وسابقته وشاريته وشاركته، ولم يأت من واحد إلا فى أحرف نوادر، كقولهم: طارقت النّعل، وعاقبت اللّصّ، وعافاك الله، وقاتلهم الله، فأبو الفتح ذهب بقولهم: حابيت زيدا مذهب هذه الألفاظ الخارجة من القياس، وقد جاء حابى بمعنى حبا فى قول أشجع بن عمرو السّلمىّ، يمدح جعفر [بن يحيى] بن خالد البرمكىّ، حين ولاّه الرشيد خراسان:
إنّ خراسان وإن أصبحتترفع من ذى الهمّة الشانا
/لم يحب هارون بها جعفرالكنّه حابى خراسانا
أى لم يحب جعفرا بخراسان، لكن حبا خراسان بجعفر، فهذا يعضد قول
أبى الفتح، ولو وضع منشد «حبا» فى موضع «حابى» لم يكسر الوزن، لأنّ الجزء الذى هو حابى: مستفعلن، فإذا وضعت مكانه «حبا» دخله الزّحاف الذى يسمّى الخبن، فصار مفاعلن.
وهو من البحر المسمّى السّريع، ولكنّ التعويل فى مثل هذا على الرّواية. وممّا جاء فيه يحابى بمعنى يبارى فى الحباء، قول سبرة بن عمرو الفقعسىّ:
أعيّرتنا ألبانها ولحومهاوذلك عار يا ابن ريطة ظاهر
[ظاهر هاهنا: بمعنى زائل].
نحابى بها أكفاءنا ونهينهاونشرب فى أثمانها ونقامر
فقوله: «نحابى بها أكفاءنا» لا يكون إلاّ بمعنى نباريهم فى الحباء، وقد ورد أحابى فى شعر زهير بمعنى أخصّ، وذلك فى قوله:
أحابى به ميتا بنخل وأبتغىإخاءك بالقيل الذى أنا قائل
قالوا: أراد أحابى بهذا الشّعر ميتا بنخل، يعنى بالميّت أبا الممدوح، أى أخصّه به، ونخل: أرض بها قبره.
والإعراب فى هذا البيت كالإعراب فى قول أبى الفتح، لا فرق بينهما إلا من جهة أن «حابى» فى قول أبى الفتح بمعنى أعطى، وأحابى هاهنا بمعنى أخصّ، ولو قال قائل: إن «أحابى به» فى بيت زهير بمعنى أحبو به، لم يبعد قوله من الصواب، لأنّ فى مدح الابن الحىّ طيب ذكر للأب الميّت.
وإنما قال: «جديلة طيّىء» فخصّ، لأنّ الجدائل ثلاثة: جديلة طيّىء فى قحطان، وهو جديلة بن خارجة بن سعد العشيرة بن مذحج، وفى مضر:
جديلة، قال أبو عبيدة: هم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، وفى ربيعة: جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.
/
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع