تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

مسألة (٥)

الخلاف فى اسم المفعول من الثلاثيّ المعتلّ العين، نحو: قال وباع وخاف وهاب. الاسم المبنىّ للمفعول من هذا الضّرب يلحقه الإعلال، كما لحق فعله، واسم الفاعل منه، والإعلال فى الباب مختلف، فمنه قلب فقط، وذلك فى الماضى واسم الفاعل، ومنه نقل فقط، وذلك فى نحو: يقول ويبيع، ومنه قلب بعد نقل، وذلك فى [نحو يخاف ويهاب، ومنه حذف بعد نقل، وذلك فى] مثال الأمر، وفى الاسم المبنىّ للمفعول، لأن أصله ممّا عينه واو: مقوول ومخووف، فنقلوا الضمة من عينه إلى فائه، فالتقى ساكنان، العين وواو مفعول، فحذفوا أحدهما، فصار إلى مقول ومخوف، فمذهب الخليل وسيبويه أن المحذوف واو مفعول، ومذهب أبى الحسن الأخفش أن المحذوف هو العين، فوزنه على قولهما: مفعل، وعلى قوله:

مفول، وأصله ممّا عينه ياء: مبيوع ومهيوب، فلما نقلت ضمة عينه إلى فائه، ثم

حذف على مذهب الخليل وسيبويه واو مفعول، أبدل من الضمّة المنقولة كسرة، فقيل: مبيع ومهيب، مخافة أن تنقلب الياء لسكونها وضمّ ما قبلها واوا، فيقال:

مبوع ومهوب، فيلتبس ذوات الياء بذوات الواو، والأخفش يزعم أن الياء من مبيع ونحوه، أصلها واو مفعول، لأن الياء التى هى عين سقطت فى قوله، فكرهوا أن يقولوا: مبوع، فتوافق ذوات الياء ذوات الواو فى اللفظ، فأبدلوا من الضمة كسرة، فصارت واو مفعول ياء، فوزن مبيع على المذهب الأول: مفعل، وعلى مذهب الأخفش: مفيل.

فمن حجّة الخليل وسيبويه أنّ حذف واو مفعول الزائدة أولى من حذف/حرف أصل، وهو مع كونه أصلا متحصّن بكونه عينا سابقا للزائد.

ومن جواب الأخفش عن هذا القول: أنّ واو مفعول وإن كانت زائدة، فإنها زيدت لمعنى، فوجب المحافظة عليها، وقد وجدناهم حذفوا الأصل وأبقوا الزائد، والأصل سابق للزائد، وذلك فى قول من قال: تق الله، قال عبد الله بن همّام السّلولىّ:

زيادتنا نعمان لا تنسينّهاتق الله فينا والكتاب الذى تتلو

وقالوا فى الماضى: تقى، وفى المستقبل: يتقى، والأصل: اتّقى واتّق ويتّقى، فأسقطوا التاء التى هى فاء، وأبقوا تاء افتعل، لأنها لمعنى، فوزن تق [تع] وتقى تعل، ويتقى يتعل، وإذا كانوا قد حذفوا الفاء وهى سابقة للزائد، والفاء أقوى من

العين، وأبعد من الاعتلال، وأثبتوا الزائد لأنه لمعنى، فحذف العين وإثبات الحرف الزائد لمعنى أسهل.

ومن جواب الخليل وسيبويه عن هذا أنّ واو مفعول ليست وحدها دالّة على وضعه للمفعول، ولكنّها والميم مشتركان فى ذلك، ودلالة الميم أقوى من دلالتها عليه، ألا تراها تنفرد بهذا المعنى فيما جاوز الثلاثة، نحو مخرج ومدحرج ومستخرج، وليست الواو كذلك، وإذا كان حكم الميم حكم الواو فى هذا المعنى، جاز حذف الواو، اجتزاء بإحدى الدلالتين.

وليس احتجاج الأخفش بحذف التاء من اتّقى، وإثبات التاء الزائدة، بلازم، لأن تاء افتعل علامة مفردة، فلو سقطت بطل المعنى الذى زيدت له، فليس حكم الزيادتين لمعنّى حكم الزيادة الواحدة.

فمن جواب أبى الحسن عن هذا: أن الزيادة التى لمعنى إذا شركتها فى الدلالة عليه زيادة أخرى، جرتا مجرى الزيادة الواحدة، لأن الدلالة تحصل بمجموعهما معا، وإذا حصلت الدلالة/بمجموعهما، لم يجز أن تحذف إحداهما، كما لم يجز أن تحذف الزيادة المفردة إذ كان وقوع الدلالة على المعنى بهما كوقوع الدلالة بالزيادة الواحدة، فلو جاز أن تحذف إحداهما، وجب حذف الأخرى معها، كما أنهم لمّا حذفوا إحدى الزّيادتين فى سعدان ونحوه للترخيم، أتبعوها الأخرى.

فمن جواب سيبويه والخليل عن هذا: أننا إذا جعلنا حكم الزيادة حكم الأصل فى باب الحذف، لم يلزمنا أكثر من ذلك، وقد وجدناهم استجازوا حذف بعض

الحروف الأصول، لدلالة ما يبقى على ما يلقى، كحذفهم النون فى لم يك، والياء فى لا أدر، وفى قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ﴾ وإذا استجازوا ذلك فى الأصول، كان فى الزيادة أجوز، فإن لم يكن أجوز كان الزائد مساويا للأصل فى هذا، فإذا ساغ حذف بعض الحروف الأصلية، لدلالة الباقى عليه، كذلك يجوز حذف بعض الزائد، لدلالة الباقى منها عليه.

وقوله: إن الحرفين اللذين زيدا معا لمعنى، لو جاز حذف أحدهما تبعه الآخر، كالزائدين فى سعدان ونحوه: غير لازم، لأن السين والتاء زيدا معا فى باب استفعل، وقد قالوا: اسطاع يسطيع، فحذفوا إحداهما لأن الباقية تدلّ على المحذوفة، وهما فى كونهما زائدين معا لمعنى، كالميم والواو فى مفعول.

وشيء آخر ينفصل به جنسا الزّيادتين، وهو أن الزيادتين فى مفعول وقعتا متفرّقتين غير متطرّفتين، والألف والنون فى مروان ونحوه، وقعا متلاصقين متطرّفين فلما وقعا بهذين الوصفين كان الحذف أغلب عليهما، إذ كان الطّرف موضعا تحذف فيه الأصول فى الترخيم والتكسير والتحقير، فقد افترق حكما جنسى الزيادتين بما بيّنته لك.

ويزيد ذلك عندك وضوحا، أن من حذف ياءي النّسب لياءى النّسب، فقال /فى النسب إلى بختىّ: بختىّ، لم يحذف الألف من يمان ونحوه، إذا نسب إليه، وإن كانت الألف كإحدى الياءين من يمنىّ، قد زيدت هى والياء جميعا لمعنى، وإنما

أجمعوا فى النّسب إلى يمان على يمانىّ، حيث انفصلت الياء عن الألف، كما انفصلت واو مفعول عن ميمه.

ومما احتجّ به الأخفش: أن العين لمّا دخلت عليها ألف فاعل، لحقها الإعلال بالإبدال أو الحذف، فالإبدال إبدالهم الهمزة من الواو والياء، فى قائل وبائع، والحذف فى قول بعض العرب: شاك السّلاح، برفع الكاف، وأصله شائك، فاعل من الشوكة، وهى الحدّ، فوزنه فى هذا القول: فال، ومن قال: شاكى السلاح، قدّم اللام على العين، فمثاله: فالع، ولحقها الإعلال فى الماضى بالقلب، وفى المستقبل بالنقل، وإذا كانت قد أعلّت فى اسم الفاعل بالقلب أو الحذف، وفى الفعل بالقلب أو النّقل، فكذلك أعلّت فى اسم المفعول بالحذف.

والجواب: أنها قد أعلّت فى اسم المفعول بالنّقل، قياسا على نقلها فى يقول ويبيع، فكما نقلت حركتها فى يقول ويبيع، إلى الفاء، كذلك نقلت فى مقول ومبيع، فمن ادّعى زيادة على هذا فعليه الدليل.

ومن حجّته أيضا: أن العين هى التى لحقها الحذف فى قل وبع، فكذلك هى التى حذفت فى مقول ومبيع.

والجواب: أنّ هذا لا يلزم، لأنّ الساكن الثانى فى قل وبع، حرف صحيح، وإذا اجتمع حرف علّة وحرف صحّة فحرف العلّة أولى بالحذف، والساكنان فى مفعول متساويان فى الاعتلال.

ومن حجّته: أن الساكنين إذا التقيا فى كلمة، حذف الأول منهما، كحذف الياء من قاض، دون التنوين.

وهذا لا يلزم؛ لأن التنوين علم للصّرف، فلو حذف/التبس المنصرف بغير المنصرف، ولا دليل عليه لو حذف، كدلالة الميم فى مقول ومبيع على أنه اسم

مفعول، فلذلك وجب حذف ياء قاض، دون التنوين، ولأن الكسرة قبل يائه تدلّ عليها، ولأن التنوين حرف صحيح، وقد تقدّم أن الساكنين إذا التقيا وأحدهما معتلّ وقع الحذف بالمعتلّ.

ومن حجج أبى الحسن أيضا: أن واو مفعول لو كانت هى المحذوفة، وقع بذلك لبس، بين اسم المفعول والمصدر الذى جاء على المفعل، كالمسير والمبيت.

وهذا القول ليس بشىء، لأن هذا النحو من المصادر إنما يوافق اسم المفعول، مما عينه ياء، فى هجائه وزنته، على قول الخليل وسيبويه، فالمصدر واسم المفعول فى مذهب الخليل وسيبويه، مثاله بعد النّقل من مفعل: مفعل، مكسور الفاء ساكن العين، وهما متّفقان على مذهب الأخفش فى الهجاء، وإن كانا مختلفين فى الزّنة، فوزن مبيع فى قوله، إذا أردت به اسم المفعول: مفيل، وإذا أردت به المصدر:

مفعل، بكسر الفاء وسكون العين، فاللفظ فى كلا القولين واحد، وإن اختلفا فى التقدير، فكيف يقع لبس بين المصدر واسم المفعول فى مذهب الخليل وسيبويه دون مذهبه؟ ولا فرق بينهما على المذهبين فى اللفظ، ثم إن اسم المفعول ينفصل من المصدر فى المعنى، بما يصحب كلّ واحد منهما من القرينة، كقولك: قبضت المبيع، وبعت الثوب مبيعا، وهل اتفاق المصدر واسم المفعول هاهنا إلا كاتّفاقهما فى الزّنة، إذا بنيتهما ممّا جاوز الثلاثة، نحو أكرم ودحرج واستخرج، والقرائن فارقة بينهما، تقول: أخوك المكرم، وعدلك المدحرج، ومالك المستخرج، وأكرمت زيدا مكرما، ودحرجت العدل مدحرجا، واستخرجت المال مستخرجا، ومنه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً﴾ أى إنزالا، وقرأ بعض أصحاب الشّواذّ: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ أى إكرام.

ومن حجّة سيبويه والخليل: أن الظاهر من ثبات الياء حذف واو مفعول، فثبات الياء فى مبيع، يدلّ على أن المحذوف واو مبيوع، ولو كانت الياء ذاهبة والواو ثابتة، لقالوا مبوع، وادّعاء الأخفش أن ياء مبيع أصلها واو مبيوع، ليس بظاهر، والأخذ بالظاهر أولى.

وشيء آخر يحتجّ به عليه: وذلك أنه يزعم أنهم يفرّقون بين ذوات الياء وذوات الواو، بإبدال الضمة كسرة فى الجمع، من نحو: بيض وعين، كراهة أن يقولوا:

بوض وعون، فيلتبس بنحو سود وعور، قال: ولو صغت مثال فعل من البياض، أريد به واحدا لقلت: بوض، والخليل وسيبويه يريان هذا الفرق فى الجموع والآحاد، فيقال للأخفش، فى قوله: إنهم أبدلوا من الضمة فى مبيوع كسرة، فانقلبت واو مفعول ياء، لئلاّ تلتبس ذوات الياء بذوات الواو: قد تركت أصلك، لأنك تزعم أن هذا مختصّ به الجمع دون الواحد.

ومما يحتجّ به عليه: أنهم قالوا من الشّوب: مشوب ومشيب، وقالوا: غار منول ومنيل، وهو من النّول، فلو كانت الواو من مقول هى واو مفعول لم تقلب ياء فى مشيب ومنيل، لأنّ واو مفعول لا تقلب ياء، إلا أن تدغم فى الياء فى نحو مرميّ ومخشىّ، فلمّا قالوا فى مشوب: مشيب، دلّ على أنّ واو مشوب عين قلبت ياء، كما قلبت عين حور للإتباع ياء، فى قوله:

عيناء حوراء من العين الحير

واختلفت العرب فى اسم المفعول من بنات الياء، فتمّمه بنو تميم، فقالوا:

معيوب ومخيوط ومكيول ومزيوت، وقال أهل الحجاز: معيب ومخيط ومكيل ومزيت، وأجمع الفريقان على نقص ما كان من بنات الواو، إلاّ ما جاء على جهة الشّذوذ، وهو قولهم: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وفرس مقوود، وقول مقوول، والأشهر: مصون/ومدوف ومقول ومقود، وأبو العباس محمد بن يزيد أجاز إتمام ما كان من ذوات الياء فى الشّعر خاصّة، وأنشد فى ذلك قول علقمة:

حتّى تذكّر بيضات وهيّجهيوم رذاذ عليه الطّلّ مغيوم
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

قال: وأنشد أبو عمرو بن العلاء:

وكأنّها تفّاحة مطيوبة

وأنشد، أعنى أبا العباس، لعباس بن مرداس:

قد كان قومك يحسبونك سيّداوإخال أنّك سيّد مغيون
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أكليب مالك كل يوم ظالما»

مغيون: من قولهم: غين على كذا: أى غطّى عليه، وكأنه مأخوذ من الغين، الذى هو الغيم، ومنه قول الشاعر:

كأنّى بين خافيتى عقابأصاب حمامة فى يوم غين

فمعنى مغيون: مغطّى على عقله.

وقد روى «معيون» بالعين، أى مصاب بالعين.

والبصريّون أجمعون لا يجيزون إتمام ما كان منه من ذوات الواو، إلا أبا العباس، فإنه جوّز ذلك فى الضرورة، قياسا على السّوور والغوور، مصدرى سرت سوورا، وغارت عينه غوورا، قال: فهذا أثقل من «مفعول» من الواو، لأن فيه واوين وضمّتين، وذكر مع السّوور النّوور، وهو قريب منه فى الثّقل، وأنشد بيت أبى ذؤيب فى وصف ظبية:

فسوّد ماء المرد فاها فلونهكلون النّوور وهى أدماء سارها

المرد: ثمر الأراك، والنّوور: دخان الفتيلة يتّخذ كحلا للوشم، وسارها:

بمعنى سائرها، أى باقيها، وارتفاعه على البدل من «هى» وغوور العين: دخولها، والسّوور: الوثوب فى غضب، قال الأخطل فى وصف الخمر:

لمّا أتوها بمصباح ومبزلهمسارت إليهم سوور الأبجل الضّارى
للشاعر الأخطل، من قصيدة «تغير الرسم من سلمى بأحفار»

الأبجل: عرق فى باطن الذّراع، ويقال: ضرا العرق يضرو: إذا نفخ دمه/ولم ينقطع. تم المجلس.

هذه زيادة ألحقت بهذا الجزء، فى شهر ربيع الآخر من سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ولم تعدّ فى مجالسه، وهى مضمّنة فوائد جمّة.

منها الكلام فى قوله ﷿: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ قيل فى الإنسان هاهنا قولان: أحدهما أنه آدم ﵇، والآخر: أنّ المراد به الناس، كما جاء: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ فلذلك استثنى منه فقيل: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واختلف فى «هل» هاهنا فقيل: هى بمعنى قد، وقيل: هى على بابها فى الاستفهام.

قال بعض المفسّرين والأحسن أن تكون للاستفهام الذى معناه التقرير، وإنما هو تقرير لمن أنكر البعث، فلا بدّ أن يقول: نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، فيقال له: فالذى أحدث الناس وكوّنهم بعد عدمهم، كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم؟ وهى معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ أى فهلاّ تذكّرون فتعلمون أنّ من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن، قادر على إعادته بعد عدمه.

وقال أبو إسحاق الزجاج قوله ﷿: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ المعنى: ألم يأت على الإنسان حين من الدّهر، وإنما قال: لم يكن شيئا مذكورا؛ لأنه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح، ويجوز أن يعنى به جميع الناس، أنهم كانوا نطفا ثم علقا ثم مضغا، إلى أن صاروا شيئا مذكورا.

وروى عن أبى أحمد عبد السلام بن الحسين البصرىّ: أنه قال: كتب إلىّ شيخنا أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدىّ رقعة نسختها: أريد، قدّمت قبلك، أن تسأل القاضى أبا سعيد، أدام الله عزّه، عمّا أنا ذاكره فى هذه الرّقعة، وتتطوّل بتعريفى ما يكون فى الجواب:

/ذكر أبو العباس محمد بن يزيد فى الكتاب المقتضب، عند تحديد حروف المعانى مواضع «قد» فقال: تكون اسما بمعنى حسب، فى قولك: قدك، وتكون حرفا فى موضعين، أحدهما أن يكون قوم يتوقّعون جواب: هل قام زيد؟ فيقال: قد قام، وتكون فى موضع ربّما كقوله:

قد أترك القرن مصفرّا أنامله

ثم ذكر «هل» فقال: ومن الحروف هل، وهى لاستقبال الاستفهام نحو [قولك]: هل جاء زيد؟ وتكون بمنزلة قد، فى قوله جلّ اسمه: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾.

وهو قد ذكر مواضع «قد» وحصرها، ففى أىّ مواضع «قد» الثلاثة تكون «هل»

بمعناها؟ والعلم محيط بأنها لا تكون بمعنى حسب، ولا تكون جوابا لقول من قال:

هل قام زيد؟ فيقال: [هل قام] بمعنى قد قام، لأن المجيب [يكون] كأنه قد حكى كلام المستفهم، وهذا غير معروف فى كلام العرب، ولا يحسن أن تكون بمعنى «ربّما» فى قوله: «قد أترك القرن» لأن المعنى ربّما أترك القرن، و «هل» لا تتضمّن هذا المعنى، وما علمت أحدا من أهل اللغة قال إن «هل» تكون فى شيء من الكلام ولا القرآن بمعنى «قد» والنحويون يقولون فى قوله جلّ اسمه: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ﴾ إن المعنى ألم يأت؟ منهم الزجاج، فمنّ، جعلنى الله فداءك، علىّ بتعجيل الجواب، فإنى أتطلّعه.

فوقفت القاضى أبا سعيد على الرّقعة، فأملى علىّ ما كتبته على ظهرها:

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ على قول من جعله بمنزلة «قد» إنما تكون «قد» من قسم دخولها للفعل المتوقّع، فكأنه قيل لقوم يتوقّعون الإخبار عما أتى على الإنسان، والإنسان آدم: قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، لأن آدم بقى زمانا طينا.

/قول أبى الطّيّب:

ويصطنع المعروف مبتدئا بهويمنعه من كلّ من ذمّه حمد
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو الفتح: معناه يعطى معروفه المستحقّين، ومن تزكو عنده الصّنيعة، ويمنعه من كلّ ساقط، إذا ذمّ أحدا فقد مدحه.

قوله: «إذا ذمّ أحدا فقد مدحه» تفسير غير مرضىّ، لأنه لا يخلو من أحد معنيين: أحدهما أنه يورّى عن الذمّ الصّريح بكلام يشبه المدح، أو يريد أنه يضع

المدح الصريح موضع الذمّ، وليس يلحقه بهذين عيب، ولا يستحقّ أن يحرم بذلك معروفا.

والمعنى غير ما ذهب إليه أبو الفتح، وذلك أنه وصف الممدوح بالتيقّظ، ومعرفة ما يأتى وما يدع، فيضع الصّنائع فى موضعها، فيعطى ذوى الأقدار قبل أن يسألوه، كما قيل: «السّخىّ من جاد بماله تبرّعا، وكفّ عن أموال الناس تورّعا» ويمنع ماله من كل دنىء، إذا ذمّه الناس فقد مدحوه، أى يقوم الذمّ له مقام المدح لغيره، لدناءة عرضه ولؤم أصله، فالمعنى أنه يقلّ عن الذمّ، كما قال:

صغرت عن المديح فقلت أهجىكأنّك ما صغرت عن الهجاء
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أسامري ضحكة كل راء»

والذّمّ من قوله: «من ذمّه حمد» مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، فالتقدير من ذمّ الناس إيّاه، كما جاء: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾ والمعنى بسؤاله نعجتك، وأبو الفتح ذهب إلى أن الذّم مضاف إلى الفاعل، وأن المفعول محذوف، ففسّر على هذا التقدير، فأفسد المعنى، لأنه أراد من ذمّه الناس حمد.

ومن [فى] قوله: «من ذمّه» اسم نكرة، والجملة بعده نعت له، كأنه قال:

من كلّ إنسان ذمّه حمد، ولا يجوز أن يكون بمعنى الذى، لأن «كلاّ» لا تضاف إلى واحد معرفة، /إلا أن يكون مما يصحّ تبعيضه، كقولك: رأيت كلّ البلد، ولا تقول: لقيت كلّ الرجل الذى أكرمته، فإن قلت: لقيت كلّ رجل أكرمته، حسن ذلك، وصحّت إضافته إلى المفرد النكرة، كما تصحّ إضافته إلى الجمع المعرفة، نحو: لقيت كلّ الرجال الذين أكرمتهم، وقد ذكرت «من» إذا كانت نكرة موصوفة فى مواضع.

وقال وقد عرض عليه ابن طغج سيفا، فأشار به أبو الطيّب إلى رجل من الحاضرين كان يشنؤه:

أتأذن لى ولك السّابقاتأجرّبه لك فى ذا الفتى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال فى قوله: «أتأذن» أهو استفهام صريح، أم المراد به غير الاستفهام؟ ويقال: السابقات صفة لمحذوف، فما تقدير المحذوف؟ ويقال: هل لهذه الجملة، أعنى «ولك السابقات» موضع من الإعراب؟ ويقال: ما معنى هذه الواو؟ ويقال: كم حذفا فى قوله: «أجرّبه»، وما معنى «لك» هاهنا؟ ولو قال:

أجرّبه، استغنى الكلام عن لك.

الجواب: أنّ قوله: «أتأذن» استفهام لفظى، وهو فى المعنى طلب، كأنه قال: ائذن لى، ومثل ذلك فى التنزيل: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ والمعنى: أسلموا.

وأما السابقات، فتقدير موصوفها: الحسنات السابقات، أو الأيادى

السابقات، أى فاجعل تجريبى لهذا السيف فى ذا الرجل يدا من أياديك.

وأمّا الواو فى «ولك السابقات» فواو ابتداء، لا واو الحال، وإنما لم تكن واو الحال، لأنها معترضة، والجملة المعترضة لا يكون لها موضع من الإعراب، ومعنى قولهم: جملة معترضة، أنها تقع بين مخبر عنه وخبره، أو بين فعل وفاعله، أو بين موصوف وصفته، أو بين الفعل ومفعوله، فالموصوف والصّفة كقوله تعالى:

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ والفعل والفاعل كقول/قيس بن زهير العبسىّ:

ألم يأتيك والأنباء تنمىبما لاقت لبون بنى زياد

قوله: «بما لاقت» فاعل «يأتيك»، والباء زائدة، ومثله قول آخر:

وقد أدركتنى والحوادث جمّةأسنّة قوم لاضعاف ولا عزل

الأعزل: الذى لا رمح معه، والمخبر عنه وخبره كقول ابن هرمة:

إنّ سليمى والله يكلؤهاضنّت بشىء ما كان يرزؤها
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إن سليمى والله يكلؤها»

ويدلّ على أنّ الواو الداخلة على الجملة المعترضة ليست واو الحال شيئان:

أحدهما أنّ الحال لا تقع معترضة، والثانى أنّ قوله: «والله يكلؤها» دعاء، وجملة الدعاء لا تقع حالا، وقد جاء الدعاء بالفعل مع هذه الواو فى قول أبى محلّم الشّيبانىّ:

إنّ الثّمانين وبلّغتهاقد أحوجت سمعى إلى ترجمان
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا خير من ينبي على جوده»

فقوله: «ولك السابقات» اعتراض بين «تأذن» ومفعوله.

وفى قوله: «أجرّبه» حذفان، لأنّ الأصل: فى أن أجرّبه، فحذف الجارّ، وحذف «أن» فارتفع الفعل، ولو نصبته بتقدير «أن» لجاز على المذهب الكوفى.

وقوله: «لك» اللام لام المفعول من أجله، والتقدير: أجرّبه لاختبارك [أى لاختبارك] إياه، فحذف المضاف، وفى التنزيل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولو قيل: ألم نشرح صدرك، اكتفى الكلام، ولكن جيء بك على معنى: لهدايتك.

وقوله يخاطب سيف الدّولة:

إذا الجود أعط الناس ما أنت مالكولا تعطينّ الناس ما أنا قائل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «دروع لملك الروم هذي الرسائل»

فيه قولان [أحدهما] قال أبو الفتح: أى لا تعط الناس أشعارى فيفسدوها بسلخ معانيها. وقال المعرّى: يقول: أعط الناس مالك، ولا تعطهم شعرى، أى لا تجعلهم فى طبقتى فتقل للشاعر: أنت مثل فلان، وشعرك مثل شعره.

/وأقول: إن الذى أراده المتنبي غير ما قالاه، أمّا قول أبى الفتح: لا تعط الناس أشعارى فيفسدوها بسلخ معانيها، فليس بشىء، لأمرين: أحدهما أنه لا يمكنه ستر مدائحه له عن الناس، والآخر: أنّ المراد بالمديح أن يسير فى الناس، وأجود الشعر ما تداولته الألسن، وتناقلته الرّواة.

وأمّا قول المعرّى فهو معنى قريب، وإن كان أبو الطيب لم يرده، وإنما أراد:

لا تحوجنى إلى مدح غيرك، وحكى أبو زكريّا، قوليهما فقط.

قوله:

لم لا تحذر العواقب فى غير الدّنايا أو ما عليك حرام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أصل لم: لما، وسقطت ألف «ما» حين وليتها اللام الجارّة، لأنها استفهاميّة [ومن لغتهم العليا إسقاط ألف «ما» إذا كانت استفهاما ووليها الجارّ، وذلك للفرق بين الاستفهامية والخبرية فمثال الاستفهامية] فى التنزيل: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ومثال الخبريّة: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾.

واللام فى «لم» متعلّقة بتحذر، ولزم اللام التقديم، لاتّصالها بالاستفهام، ومن شأن الاستفهام التصدّر.

فأمّا «ما» الثانية فهى موصولة بمعنى الذى، أو موصوفة بمعنى شيء، وقد حذف المبتدأ من الصّلة أو الصّفة، وموضع «ما» خفض بالعطف على «الدّنايا» كأنه قال: أو الذى هو عليك حرام، وإن شئت قدّرت: أو شيء هو عليك حرام، وإنما حسن حذف المبتدأ من الصّلة، لطول الكلام بعليك، كما روى الخليل عن العرب: «ما أنا بالذى قائل لك [شيئا]» ومثله فى التنزيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ﴾ التقدير: وهو الذى هو فى السماء إله، وحسن حذف «هو» لتقدّم ذكره، ولطول الكلام بفى ومجرورها، وهما فضلة متعلّقة بإله، كأنه قيل: الذى [هو] معبود فى السماء.

فإن قيل: فهلاّ رفع «إله» بالابتداء، وقوله: «فى السماء» خبره، وكانت الجملة صلة «الذى» واستغنى بذلك عن تقدير «هو»؟

فالجواب: أن ذلك يمتنع، من حيث كانت الجملة تخلو حينئذ من عائد إلى «الذى» ظاهر ومقدّر، لأنه إذا ارتفع «إله» بالابتداء، كان المضمر فى الظرف عائدا على المبتدأ، وتعرّت الجملة من ضمير يعود على الموصول لفظا وتقديرا، وذلك ممّا لا يجوز مثله.

والدّنايا: جمع دنيئة، مهموزة، وأصله الدّنائئ، بهمزتين، الأولى منقلبة عن الياء التى فى دنيئة، والثانية لام الكلمة، وهى الظاهرة فى الواحد، وتقديره: الدّناعع، فثقل الجمع بين الهمزتين المتحركتين، فأبدل من الثانية للكسرة قبلها ياء، فصار الدّنائى، فى تقدير: الدّناعى، ثم طلبوا التخفيف بتغيير آخر، فأبدلوا من الكسرة

فتحة، فصارت الياء ألفا، لانفتاح ما قبلها، وكونها فى موضع حركة، فصار الدّناء، فى [تقدير] الدّناعا، وإذا كانوا قد قالوا فى الصّحارى والمدارى: صحارا ومدارا، كان التغيير فى ذوات الهمز أوجب، ولمّا آل فى التقدير إلى الدّناء، استثقلوا الجمع بين ثلاثة أمثال، الألفين والهمزة بينهما، فأبدلوا منها الياء.

فأمّا معنى البيت، فالمراد بالاستفهام النّفى، كأنه قال: لست تحذر عاقبة فعل، إلا أن يكون دنيئة، أو شيئا محرّما، فإنك تتهيّب هذين، فتعفّ عن فعلهما، خوفا من عاقبتهما، فعاقبة الدّنيئة العار، وعاقبة الحرام النار، ولا تحذر العاقبة فى غير هذين، كبذل الأموال وعاقبته الفقر، والإقدام على الأهوال، وعاقبته القتل.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.