من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس التاسع والعشرون
وهو مجلس يوم الثلاثاء، التاسع من شوال، من سنة ستّ وعشرين وخمسمائة.
بيت للأخطل:
إنّ العرارة والنّبوح لدارموالمستخفّ أخوهم الأثقالا
قال أبو علىّ فى بعض أماليه: أنشدناه إبراهيم بن السّرىّ الزّجاج، وذكر أن الرواية فى «المستخفّ» بالنصب وبالرفع، فأما «الأثقال» فخارج من الصّلة، ومنتصب بمضمر دلّ عليه المستخفّ، انتهت الحكاية عن الزجّاج.
وهذا جميع ما ذكره فى البيت، فى الجزء الذى وقع إلىّ، ولعلّه قد استوفى القول /فيه فى موضع آخر.
وذكر أبو سعيد السّيرافىّ فى شرح الكتاب أنّ نصب «المستخفّ» بالعطف على اسم إنّ، ورفعه بالابتداء والاستئناف.
وأقول: إنك إذا جعلته مبتدأ، فهو بمعنى الذى استخفّ، أو الذى يستخفّ،
و «أخوهم» خبره، والعائد على الألف واللام المضمر فى مستخفّ، و «هم» من «أخوهم» عائد على دارم، لأنه اسم قبيلة، فكأنه قال: والذى يستخف الأثقال أخوهم، إلا أنه لمّا أخّر الأثقال، بطل انتصابها بالمستخفّ، للفصل بالخبر الذى هو أخوهم، بينها وبين المستخفّ، لأن الفصل بالأجنبىّ أخّرها من الدخول فى صلة الألف واللام، فوجب أن يضمر لها ناصبا من لفظ المستخفّ، فكأنه قال بعد قوله: «والمستخفّ أخوهم»: يستخفّ الأثقال.
ومن نصب المستخفّ، فبالعطف على العرارة، وأخوهم معطوف على خبر إنّ، وهو قوله: «لدارم» ونظيره قولك: إن المال لزيد وعمرا صديقه، وتقديره: إن المال كائن لزيد، وإن عمرا صديقه.
وأسهل من هذا عند أبى سعيد أن تكون الألف واللام بمعنى الذين، فيرتفع أخوهم بمستخف، ارتفاع الفاعل بفعله، و «هم» من «أخوهم» عائد على الألف واللام، و «الأثقال» داخلة فى صلة المستخفّ، فكأنه قال: وإنّ الذين يستخف أخوهم الأثقال لدارم، أى إن لدارم القوم الذين يستخفّ بعضهم الأثقال، أى فيهم قبيلة يستخفّ بعضها الأثقال.
وأسهل من هذا عندى أن ترفع المستخفّ بتقدير: وهم المستخفّ أخوهم الأثقالا، والمضمر المقدّر عائد [على دارم، وهم من «أخوهم» عائد] على الألف واللام، لأنهما بمعنى الذين، فكأنك قلت: وهم الذين يستخفّ أخوهم الأثقالا.
والعرارة: الكثرة والعزّ، والعرارة فى غير هذا: سوء الخلق، والعرارة: /واحدة العرار: شجر طيّب الرّيح.
والنّبوح: ضجّة الناس وجلبتهم.
ومثل الفصل فى هذا البيت قول الكميت:
كذلك تيك وكالنّاظراتصواحبها ما يرى المسحل
شبّه ناقته بعير عانة، وشبّه صواحب ناقته من الإبل بأتن العير، فالمعنى:
كذلك الحمار تلك الناقة، والناظرات: بمعنى المنتظرات، من قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ﴾ فهذا لا يكون إلا بمعنى ينتظرون، لأن النّظر الذى بمعنى الإبصار لا يقع إلاّ على الأعيان، ومنه قول الشاعر فى مرثية:
هل أنت ابن ليلى إن نظرتك رائحمع الرّكب أوغاد غداة غد معى
والنّظر المراد به الانتظار بمنزلة الانتظار فى التعدّى، والذى يراد به الإبصار يتعدّى بالجارّ، كقوله تعالى: ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ﴾.
والمسحل: الحمار، واشتقاقه من السّحيل، وهو النّهيق، وقوله: «ما يرى المسحل» كان حقّه أن يقدّم على المبتدأ، الذى هو صواحبها، لأنه فى المعنى معمول للناظرات، فلما قدّم صواحبها عليه، لم ير أهل العربيّة نصبه إلا بمضمر يدلّ عليه ما تقدّم، لأن الفصل بينه وبين الناظرات يمنع من دخوله فى صلة الألف واللام، فهو مع الفصل خارج عندهم من الصّلة، محمول على فعل مقدّر، كأنه لما قال:
وكالناظرات صواحبها، أضمر ينتظرن، والمعنى: وصواحب هذه الناقة مثل الأتن المنتظرات ما يراه العير من الورود، ليفعلن كفعله، ومثله قول الشمّاخ:
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءهبضاحى عذاة أمره وهو ضامز
أى ينتظرن قضاءه أمره، وهو وروده بهنّ، والضّاحى من الأرض: الظاهر البارز، والعذاة: الأرض الطيّبة التربة، والكريمة النّبت، والضّامز: الرجل السّاكت، شبّهه فى إمساكه عن النّهاق به، والضامز من الإبل: الممسك عن الجرّة.
وفى البيت فصل بالظّرف الأجنبىّ، بين المصدر ومنصوبه، لأنّ قوله:
«بضاحى عذاة» متعلّق بوقوف أو ينتظرن، فهو أجنبىّ من المصدر الذى هو «قضاء» فوجب لذلك حمل المفعول على فعل الآخر، كأنه لما قال: «ينتظرن [قضاءه] بضاحى عذاة» أضمر «يقضى»، فنصب به «أمره»، ومن ذلك
قول المتنبى:
يعطى فلا مطله يكدّرهابها ولا منّه ينكّدها
أراد: فلا مطله بها، فلمّا فصل بالأجنبىّ، بين المصدر والباء، أضمر للباء ما تتعلّق به، بعد قوله: يكدّرها، وتقديره: لا يمطل بها، ومن هذا الضّرب فى التنزيل: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، ولمّا فصل خبر إنّ بين المصدر الذى هو الرّجع، وبين الظّرف، بطل عمله فيه، فلزم إضمار ناصب من لفظ الرّجع، فكأنه قيل:
يرجعه يوم تبلى السرائر.
والمطل بإنجاز الوعد، مأخوذ من قولهم: مطلت الحديدة: إذا ضربتها بالميقعة لتطول، وشبّهوا بذلك إطالة العدات، والمنّ بالنّعمة: التّقريع بها.
وكلّ ما خرج إلى طالبه بشدّة فهو نكد، وقوله عزّ من قائل: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً﴾ قيل معناه: قليلا عسيرا.
والهاءات من قوله: يكدّرها وينكّدها، عائدة على الأيادى من قوله:
له أياد إلىّ سابقة
وليس يريد بقوله: «فلا مطله يكدّرها» وقوله: «ولا منّه ينكّدها» أن له مطلا لا يكدّر، ومنّا لا ينكّد، وإنما أراد انتفاء المطل والمنّ عنه ألبتّة، ومن هذا الضّرب قول امرئ القيس:
على لاحب لا يهتدى بمنارهإذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا
لم يرد أن فيه منارا لا يهتدى به، ولكنّه نفى أن يكون به منار، والمعنى لا منار فيه فيهتدى به، ومنه قول الآخر فى وصف مفازة:
لا تفزع الأرنب أهوالهاولا ترى الضّبّ بها ينجحر
/لم يرد أنّ بها أرانب لا تفزعها أهوالها، ولا ضبابا غير منجحرة، ولكنه نفى أن يكون بها حيوان.
فحقيقة المعنى أنها أياد لا يكدّرها مطل، ولا ينكّدها منّ.
وقول امرئ القيس: «على لاحب»: أى على طريق واضح، ويقال له: لحب أيضا، والمنار: جمع منارة، وأصلها منورة، مفعلة من النّور، وسمّيت بذلك لأنها فى الأصل: كلّ مرتفع عليه نار، ولذلك قالوا فى جمعها: مناور.
وسافه: شمّه، ومصدره السّوف.
والعود: البعير الهرم، وجمعه عودة، وقد عوّد البعير: إذا صار عودا، وذلك بعد بزوله بأربع سنين، واشتقاقه من عاد يعود، لأنه لعلوّ سنّه يعود فى الطّرق مرارا.
والدّيافىّ: منسوب إلى دياف، قرية بالشام، وقيل: بالجزيرة، وقيل: بل دياف أنباط بالشام، وفتح بعضهم أوّله.
والجرجرة: صوت يردّده البعير فى حنجرته، وإنما يجرجر فى الطريق إذا شمّه، لما يعرف من شدّته وصعوبة مسلكه.
وممّا وقع الفصل فيه بين المصدر وما اتّصل به فى المعنى، فوجب حمله على فعل يدلّ عليه المصدر قول المتنبى:
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمهبأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه
قوله: «بأن تسعدا» متعلّق فى المعنى بالوفاء، لأنه أراد: وفاؤكما بأن تسعدا كالرّبع، فلما فصل بينهما بأجنبيّ، وجب عند النحويين تعليقه بمضمر، تقديره عند أبى الفتح: وفيتما بأن تسعدا، والمعنى: وفيتما بإسعادى وفاء ضعيفا، ولذلك شبّه وفاءهما بالرّبع الدارس.
قال أبو الفتح: كلّمته وقت القراءة فى إعراب هذا البيت، فقلت له: بأىّ شيء تتعلق الباء من «بأن»؟ فقال: بالمصدر الذى هو وفاؤكما، فقلت له: وبما ارتفع «وفاؤكما»؟ فقال: بالابتداء، فقلت: وما خبره؟ فقال: كالرّبع، فقلت: وهل /يصحّ أن تخبر عن اسم وقد بقيت منه بقيّة، وهى الباء ومجرورها؟ فقال: هذا لا أدرى ما هو، إلا أنه قد جاء فى الشعر له نظائر، وأنشدنى:
لسنا كمن حلّت إياد دارهاتكريت ترقب حبّها أن يحصدا
أى لسنا كإياد، فدارها الآن ليست منصوبة بحلّت هذه، وإن كان المعنى يقتضى ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا بعد تمامه، وإنما هى منصوبة بفعل مضمر يدلّ عليه «حلّت» الظاهرة، كأنه قال فيما بعد: حلّت دارها، انتهى كلام أبى الفتح.
ومعنى البيت أنه خاطب صاحبيه، وقد كانا عاهداه بأن يسعداه ببكائهما عند ربع أحبّته، فقال: وفاؤكما بإسعادى مشبه للرّبع، ثم بيّن وجه الشّبه بينهما بقوله:
«أشجاه طاسمه» يعنى أن الرّبع إذا تقادم عهده فدرس، كان أشجى لزائره، أى أبعث لشجوه، أى لحزنه، لأنه لا يتسلّى به المحبّ، كما يتسلّى بالرّبع الواضح، وكذلك الوفاء بالإسعاد إذا لم يكن بدمع ساجم [أى هامل، كان أبعث للحزن، فأراد ابكيا معى بدمع ساجم] فإن الدمع أشفى للغليل إذا سجم، كما أن الرّبع أشجى للمحبّ إذا عفا وطسم، كما قال جرير:
لا تطلبنّ خئولة فى تغلبفالزّنج أكرم منهم أخوالا
غضبت العبيد من الزّنج، وقالوا: من يعذرنا من ابن الخطفى؟ من لنا بمن يردّ عليه؟ فقال رجل منهم، يقال له: سفيح بن رباح، مولى بنى ناجية: أنا
لكم [به] ثم قال:
إنّ الفرزدق صخرة ملمومةطالت فليس تنالها الأوعالا
قد قست شعرك يا جرير وشعرهفقصرت عنه يا جرير وطالا
ووزنت فخرك يا جرير وفخرهفخففت عنه حين قلت وقالا
الزّنج لو لاقيتهم فى صفّهملاقيت ثمّ جحاجحا أبطالا
/كان ابن ندبةفيكم من نجلنا
وخفاف المتحمّل الأثقالا
قولهم: «من يعذرنا من ابن الخطفى» أى من يأتينا بعذر منه فيما قال؟ أى ليس له فى ذلك عذر، وقولهم: من لنا بمن يردّ عليه؟ يقال: من لى بكذا؟: أى من كافل لى به؟ وقول سفيح: أنا لكم به، أى كافل لكم بمن يردّ عليه.
ويقال: صخرة ملمومة وململمة، إذا كانت صلبة مستديرة.
والأوعال: تيوس الجبال، واحدها: وعل، وجمعه فى الكثرة وعول، وأنثاه أرويّة، وجمعها أروى وأراوى، مثل عذارى.
وانتصاب الأوعال بطالت، أى طالت الصّخرة المشبّه بها الفرزدق الأوعال، فليس تنالها الأوعال، وإنما قال هذا، لأنّ مأوى الوعل قلل الجبال.
وطال هذه: أصلها طول، مفتوح العين، فلذلك تعدّت، والأخرى التى نقيضها
قصر أصلها طول، بضمّ العين، واسم الفاعل منها طويل، ومن الأولى طائل، يقال: طاولنى فطلته، أى غلبته فى الطّول، وقال: فليس تنالها، ولم يقل:
فليست، لأنه أضمر فى «ليس» الشأن.
وقيل: بل شبّه «ليس» بما، فأخلاها من ضمير، كما قالوا: «ليس الطّيب إلا المسك».
ويقال: قست الشىء بالشىء: أى قدّرته به، وقوله: «قست شعرك وشعره» تحتمل الواو أن تكون عاطفة، وأن تكون بمعنى مع، وأن تكون بمعنى الباء، كما قالوا: اشتريت الحملان: حملا ودرهما، يريدون بدرهم.
والبطل: الشّجاع، وألزموه فى الجمع مثال أفعال، كما قالوا فى الاسم: أرسان [وأقلاب] وأقلام وأقتاب، فلم يجاوزوا ذلك، ومصدره البطولة والبطالة، وفعله بطل، مثل ظرف، واشتقاقه فيما زعموا من البطلان، قالوا: لأنه الذى تبطل عنده الدماء.
/والجحجاح: السّيد، وقياس جمعه: جحاجيح، ويحذفون الياء ويعوّضون
منها تاء التأنيث، فيقولون: جحاجحة، وحذف الياء مع ترك التعويض جائز فى الشّعر، وأجازه بعضهم فى غير الشعر.
والنّجل: الولد [يقع على الواحد وما جاوزه من العدد، كالنّسل، وتناجل القوم وتناسلوا وتوالدوا].
و «خفاف» هو ابن ندبة، فلا يجوز أن يكون ارتفاعه بالعطف عليه، لأنّ عطف الشىء على نفسه غير جائز، ولكنّك ترفعه بالابتداء، و «المتحمّل» خبره، ولك أن تجعله خبر مبتدإ محذوف، والمتحمّل صفته، يريد: وهو خفاف المتحمّل.
آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع