تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الخامس والعشرون

وهو مجلس يوم الثلاثاء، منتصف جمادى الآخرة، من سنة ستّ وعشرين وخمسمائة.

يتضمّن ما وعدتك به من تفسير قول أبى الصّلت الثقفىّ:

اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقافى رأس غمدان دارا منك محلالا

يقال: هنأه الطّعام والشّراب يهنئه، وما كان هنيئا، ولقد هنؤ، والمصدر الهنء، وكلّ ما لم يأت بمشقّة ولا عناء فهو هنيئ، وهنيئ اسم الفاعل من هنؤ، كظريف من ظرف، ويحتمل أن يكون معدولا عن هانئ، من قولك: هنأنى فهو هانئ، كما عدل رحيم وعليم، عن راحم وعالم، ومنه سمّى الرجل: هانئا، لا من قولهم. هنأت البعير: إذا طليته بالهناء، وهو القطران، ولذلك قال بعض العرب:

إنما سمّيت هانئا لتهنئ.

وذهب أبو علىّ إلى أن «هنيئا» حال وقعت موقع الفعل، بدلا من اللفظ به، كما وقع المصدر فى قولهم: سقيا له ورعيا، بدلا من اللفظ بسقاه الله ورعاه الله،

فلا يجوز ظهور الفعل معه، لأنه قام مقامه، فصار عوضا عنه، فقوله: «هنيئا» لا تعلّق له باشرب، لأنه وقع موقع ليهنئك أو هنأك أو هنؤ، والتقدير: ليهنئك شربك. أو هنأك شربك، أو هنؤ شربك.

قال: ويدلّك على كونه بدلا من الفعل تعاقبهما على الموضع الواحد، كقوله:

أظفره الله فليهنئ له الظّفر

فهذا بمنزلة: فهنيئا له الظّفر، واستدلّ أيضا على أن هنيئا صار بدلا من اللفظ بالفعل، بأنه أجرى بلفظ الإفراد على الجميع، فى قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ﴾ وقوله: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. مُتَّكِئِينَ﴾ أراد أنه قال تعالى: ﴿هَنِيئاً﴾ ولم يقل: هنئين، فأفرد بعد لفظ الجمع، لأن «هنيئا» ناب عن الفعل، فصار بدلا من اللفظ به، والفعل لا يجمع فكذلك ما ناب عنه، فصار بدلا منه، وأجاز فى «متّكئين» أن يكون حالا من الواو فى «كلوا» وأن يكون حالا من المضمر فى «هنيئا» قال: وكونه حالا من المضمر فى «هنيئا» أقيس، لأنه أقرب إليه.

/قال: وإذا ثبت أن «هنيئا» بدل من هنؤ أو هناك أو ليهنئك، لم يكن حالا من المضمر فى «اشرب» كما أن الفعل الذى هو بدل منه لا يكون كذلك، قال:

ووجه كون «هنيئا» بدلا من الفعل من جهة القياس: أن الحال مشبهة للظّرف،

من حيث كانت مفعولا فيها، كما أن الظرف مفعول فيه، فمن حيث وقعت الظروف فى الأمر [العام] وغيره بدلا من الفعل، فى قولهم: إليك ووراءك وعليك زيدا، ودونك عمرا، وجاءنى من عندك، والذى فى الدار زيد، كذلك وقعت الحال بدلا من الفعل. أراد أنّ إليك ووراءك، وقعا موقع: تنحّ وارجع، وعليك ودونك، وقعا موقع: الزم وخذ، ووقع الظرف فى قولك: جاءنى من عندك، والذى فى الدار زيد، موقع: استقرّ.

قال: فكما قامت هذه الظروف مقام الأفعال، وصارت بمنزلتها، فكان كلّ واحد منها بدلا من فعل، كذلك صار الحال فى قولهم: هنيئا بدلا من الفعل الذى هو اهنأ أو ليهنئك أو هنأك أو هنؤ، ولمّا اجتمع الظرف والحال فيما ذكرنا، من كون كلّ واحد منهما مفعولا فيه، اجتمعا فى أن عملت فيهما معانى الأفعال، نحو:

زيد فيها قائما، وكلّ يوم لك ثوب، ولولا ما ذكرناه من الشّبه بينهما ما كان من حكم المعنى أن يعمل فى الاسم المنتصب على الحال، ألا ترى أن الحال عبارة عن الاسم الذى يكون مفعولا به، فى نحو: ضربت زيدا مشدودا، فكما أن المفعول به لا تعمل فيه المعانى، كذلك كان القياس فيما هو عبارة عن المفعول به أن لا يعمل فيه المعنى، لولا ما حصل بين الظرف والحال من المناسبة.

قال: ومثل قوله: «اشرب هنيئا» فى أنّ «هنيئا» غير متعلّق باشرب، وإن كان ذلك فيه جائزا قبل أن يكون بدلا: انتفاء تعلّق الظرف فى نحو: عندك زيدا، /ودونك بكرا، بالفعل الذى صار الظرف بدلا منه، وإن كان تعلّقه به جائزا قبل أن يقع موقعه، ويعمل عمله، فصار إذا ذكرته معه فكأنك كرّرت الفعل

مرّتين كقول القائل:

إذا جشأت نفسى أقول لها ارجعىوراءك واستحيى بياض اللهازم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

فقوله: «ارجعى وراءك» بمنزلة ارجعى ارجعى، وعلى هذا حمل قول الله تعالى: ﴿قِيلَ اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ﴾ [لا على أن «وراءكم» ظرف عمل فيه ارجعوا] ومنه ما أنشده أبو عبيدة:

فقلت لها فيئي إليك فإنّنىحرام وإنّى بعد ذاك لبيب
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

فهذا كأنه قال: فيئي فيئي، ومثله قول الآخر فيما أنشده أحمد بن يحيى:

اذهب إليك فإنّى من بنى أسدأهل القباب وأهل الخيل والنّادى
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «طاف الخيال علينا ليلة الوادي»

انتهت الحكايات عن أبى علىّ ﵀.

فإن قيل: فما فاعل الحال فى [قوله: «اشرب هنيئا» وما فاعل الفعل الذى صارت الحال بدلا منه على] قول أبى علىّ؟

فالجواب: أنّ الفاعل على قوله ضمير المصدر الذى دلّ عليه اشرب، فكأنه قيل: هنيئا شربك، وليهنئك شربك، وهنؤ شربك، وهنأك شربك، ومثله فى إضمار المصدر الذى دلّ عليه فعله قوله تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً﴾ أراد

فما يزيدهم التخويف، وقوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أى لكان الإيمان.

وقول الزجّاج فى تفسير قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ مخالف لقول أبى علىّ، وذاك أنه قال: إن «هنيئا» وقع وهو صفة فى موضع المصدر، فالمعنى:

كلوا واشربوا هنئتم هنيئا [وليهنئكم ما صرتم إليه هنيئا] أراد أن «هنيئا» وقع موقع هناء، كما وقع قائما وصائما فى قول القائل:

قم قائما قم قائماإنّى عسيت صائما

فى موضع صياما وقياما، وعكس هذا إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل فى نحو:

﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أى غائرا، وموقع/اسم المفعول فى نحو: قتلته صبرا، أى مصبورا.

وقول الزّجّاج أقيس من قول أبى علىّ، لأنه نصب «هنيئا» نصب المصدر،

والمصدر قد استعملته العرب بدلا من الفعل فى نحو: سقيا له ورعيا، وجاء هنيئا على قول الزّجّاج مفردا بعد لفظ الجمع فى قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ لأنه وقع موقع المصدر، والمصدر يقع مفردا فى موضع التثنية، وفى موضع الجمع، كقولك: ضربتهما ضربا وقتلتهم قتلا، لأنه اسم جنس، بمنزلة العسل والبرّ والزّيت، فلا يصحّ تثنيته [وجمعه] إلا أن يتنوّع، وجعل أبو الفتح بن جنّى «هنيئا» فى قول كثيّر:

هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

حالا وقعت بدلا من اللفظ بالفعل، وخالف أبا علىّ فى تقدير ذلك الفعل، فزعم أن التقدير: ثبت هنيئا لعزّة ما استحلّت من أعراضنا، فحذف «ثبت» وأقام «هنيئا» مقامه فرفع به الفاعل الذى هو «ما استحلت»، وكذلك قال فى قول المتنبى:

هنيئا لك العيد الذى أنت عيده

قال: العيد مرفوع بفعله، والأصل: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه.

وقول أبى الفتح فى هذا أشبه من قول أبى علىّ، لأنّ أبا علىّ زعم أن هنيئا وقع موقع ليهنئك، وهذا لفظ أمر، والأمر لا يقع حالا، أو موقع هنأك، وهذا لفظ خبر يراد به الدعاء، كقولهم: رحم الله فلانا، والدعاء أيضا لا يكون حالا.

والفاعل فى «اشرب هنيئا» على تقدير أبى الفتح مضمر أيضا، كأنه قيل:

اشرب ثبت هنيئا شربك، وقال أبو علىّ أيضا فى أثناء كلامه فى قوله: «اشرب هنيئا»: «فهذا بمنزلة اشرب واهنأ، جملة أتبعت جملة»، فأتى فى التقدير بعاطف ليس فى الكلام، وصرّح بلفظ الأمر، والعدول عن هذا التقدير إلى ما قدّره ابن جنّى أولى، ثم إن أبا علىّ تلزمه المطالبة له بناصب هذه الحال، فلا بدّ/أن يقول إن الناصب لها هو الفعل الذى هو بدل منه، لأنه قد منع أن تكون متعلّقة باشرب، فالتقدير على مذهبه فيها: اهنأ هنيئا، وهذا كقولك، اجلس جالسا، أى اجلس فى حال جلوسك، وهذا كلام بعيد من الفائدة، ولا يلزم هذا الاعتراض الزّجّاج، لأن التقدير عنده: هنئتم هنيئا، أو ليهنئكم ما صرتم إليه هنيئا، كما أن التقدير فى قول القائل: قم قائما: قم قياما.

فأمّا فتحة الظّرف من قولهم: وراءك أوسع لك، ومن قولهم: عندك زيدا، ودونك بكرا، فهى بناء عند حذّاق النحويّين، لأنّ الظرف وقع موقع الأمر المبنىّ، فأدّى معناه وعمل عمله.

وأما قوله: «عليك التاج» فجملة فى موضع الحال، يجوز أن يكون العامل فى موضعها: اشرب، فيكون التقدير: اشرب متوّجا، ويجوز أن يكون العامل فى موضعها على مذهب أبى علىّ: هنيئا، كأنه قال: اهنأ متوّجا، ويعمل فيها على مذهب الزجّاج الفعل الذى نصب هنيئا نصب المصدر، والتقدير: هنئت هناء متوّجا.

وأما قوله: «مرتفقا» فيمكن أن يكون حالا من أحد ثلاثة أشياء، وذلك الضمير الذى فى «اشرب» أو الذى فى «هنيئا» على قول أبى علىّ، أو الكاف من

«عليك» والضمائر الثلاثة واحد فى المعنى، لأنهنّ للمخاطب، وحسن أن يكون «مرتفقا» حالا من الكاف فى عليك، لقربها منه، ولملاءمة التّتويج للارتفاق، وهو الاتّكاء.

وأما قوله: «فى رأس غمدان» فيمكن تعلّق الظرف فيه بعاملين: أحدهما «مرتفقا» والآخر ما فى «عليك» من معنى الفعل، فأما تعلّقه بمرتفق فعلى وجهين: أحدهما أن يكون ظرفا، كأنه بيّن موضع الارتفاق أين هو، والآخر أن يكون الظرف فى موضع الحال من الذّكر الذى فى مرتفق، فيتعلّق/على هذا الوجه بمحذوف، وفيه ذكر يعود إلى ذى الحال، والتقدير: كائنا أو مستقرّا فى رأس غمدان، والثانى من العاملين اللذين جاز تعلّق الظرف بهما هو ما فى «عليك» من معنى الفعل.

وتعلّق الظرف أيضا بعليك على ضربين: أحدهما أن يكون ظرفا، والآخر أن يكون حالا، فتعلّقه بعليك على وجه الظرف هو أن يبيّن الموضع الذى علاه فيه التاج، ولا ذكر فى الظرف على هذا الوجه، لأنه لم يتعلّق بمحذوف، وإنما تعلّق بمعنى الفعل، كما يتعلّق بنفس الفعل لو قيل: توّجت فى رأس غمدان، وإذا كان حالا فالعامل فيه العامل فى ذى الحال، وذو الحال أحد ثلاثة أشياء: إن شئت جعلته حالا من الضمير المستكنّ فى «عليك» العائد إلى التاج، وذلك فى قول من رفع التاج بالابتداء، وإن شئت جعلته حالا من التاج، فى قول من رأى أن يرفع هذا النحو بالظّرف، فالتاج مرتفع بعليك ارتفاع الفاعل، ولا ذكر فى «عليك» على هذا القول، والتاج إذا هو ذو الحال، وإن شئت كان ذا الحال الكاف من «عليك» كأنه قال: عليك التاج حالاّ فى رأس غمدان.

وأما قوله: «دارا» فحال من رأس غمدان، وأجاز أبو علىّ أن يكون حالا من غمدان، قال: لأن الحال قد جاءت من المضاف إليه، نحو ما أنشده أبو زيد:

عوذ وبهثة حاشدون عليهمحلق الحديد مضاعفا يتلهّب

وليس فى هذا البيت شاهد قاطع بأن «مضاعفا» حال من «الحديد» بل الوجه أن يكون حالا من «الحلق» لأمرين: أحدهما: ضعف مجىء الحال من المضاف إليه، على ما قدّمت ذكره فى أماكن من هذه الأمالى، والآخر: أن وصف الحلق بالمضاعف أشبه من وصف الحديد به، كما قال أبو الطيّب:

أقبلت تبسم والجياد عوابسيخببن فى الحلق المضاعف والقنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

ويتوجّه ضعف ما قاله من جهة أخرى، وذلك أنه لا عامل [له] فى هذه الحال إذا كانت من الحديد، إلا ما قدّره فى الكلام من معنى الفعل بالإضافة، وذلك قوله: ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة من أن تكون بمعنى اللام أو من.

وأقول: إنّ «مضاعفا» فى الحقيقة إنما هو حال من الذّكر المستكنّ فى «عليهم» إن رفعت «الحلق» بالابتداء، وإن رفعته بالظّرف على قول الأخفش والكوفيين، فالحال منه، لأن الظرف حينئذ يخلو من ذكر.

فإن قيل: إن «دارا» اسم غير وصف، فكيف انتصب على الحال، ومن شرائط الحال الاشتقاق، لأنها صفة معنويّة، ومن شرط الصفة أن تكون مشتقّة.

فالجواب: أنهم قد استعملوا أسماء لست بأوصاف أحوالا، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ وقولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وقولهم: «العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم» قال أبو علىّ: وهذا من طريق القياس بيّن أيضا، لأن الحال إنما هى زيادة فى الخبر، فكما أن الخبر يكون تارة اسما وتارة وصفا، فكذلك الزيادة عليه.

وأقول: إن هذه الأسماء التى استعملوها أحوالا، لا بدّ لها من تأويل يدخلها فى حيّز المشتق، كما قالوا: «مررت بقاع عرفج كلّه»، لأنهم ذهبوا به مذهب خشن كلّه، وقوله تعالى حاكيا عن صالح ﵇: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أراد علامة دالّة على أنى نبىّ، وقولهم: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» تقديره: هذا إذا كان صلبا أطيب منه إذا كان ليّنا، وقولهم: «العجب من برّ مررنا به قبل قفيزا بدرهم» أى مقدّرا ثمانية مكاكيك بدرهم، وكذلك نصب «دارا» على الحال، لأنه ذهب بها مذهب المسكن والمنزل.

وقوله: «منك» وصف لدار، بتقدير حذف مضاف، أى دارا من دورك.

/ومحلال: من الحلول، وهو النّزول، وجاء بلفظ التذكير، والدار اسم مؤنّث، لأنّ ما جاء على مفعال يستوى فيه الذكور والإناث، كاستوائهما فى فعول، قالوا: امرأة مذكار ومئناث، كما قالوا: امرأة صبور وشكور.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.