تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الثانى والعشرون

وهو مجلس يوم الثلاثاء، الثالث والعشرين من جمادى الأولى، سنة ست وعشرين وخمسمائة.

يتضمّن تفسير ما بقى من أبيات ابن أحمر، وتفسير قول الله تعالى: ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾.

قوله:

بهم فخر المفاخر يوم حفل

أى يوم اجتماع، يقال: حفل القوم واحتفلوا، والمحفل: مكان اجتماعهم.

وقوله:

إذا ما عدّ بأسا أو فعالا

البأس: الشدّة فى الحرب، والفعال بفتح الفاء: كلّ فعل حسن، من حلم أو سخاء أو إصلاح بين الناس، أو نحو ذلك، فإن كسرت فاءه صلح لما حسن من الحال وما لم يحسن.

وقوله: «وبيض» اختلف النحويّون فى هذه الواو، فذهبت طائفة من المحققين،

منهم أبو علىّ وعثمان بن جنّى، إلى أنها عاطفة جملة على جملة، وربّ هى الجارّة مضمرة بعدها، وجاز إعمال الجارّ مضمرا، لأن اللفظ بالواو سدّ مسدّه، وقال من خالفهم: بل الواو هى الجارّة، لأنها صارت عوضا من ربّ، فعملت عملها، بحكم نيابتها عنها، كما عملت همزة الاستفهام وحرف التنبيه الجرّ فى القسم، بحكم النيابة عن واوه نحو: آلله لتنطلقنّ؟ ولاها الله ذا، وقالوا: لو كانت عاطفة لم تقع فى أول الكلام، لوقوعها فى نحو:

وبلد عامية أعماؤه

عامية: مستعار من عمى العين، وأعماؤه: أقطاره.

وقال من زعمها عاطفة: إنهم إذا استعملوها فى أوّل الكلام عطفوا بها على كلام مقدّر [فى نفوسهم] واحتجّوا بأن العرب قد أضمرت ربّ بعد الفاء فى جواب الشرط، كقول ربيعة بن مقروم الضّبّىّ.

فإن أهلك فذى حنق لظاهيكاد عليّ يلتهب التهابا

وقال تأبّط شرّا:

فإمّا تعرضنّ أميم عنّىوينزعك الوشاة أولو النّياط
فحور قد لهوت بهنّ عيننواعم فى البرود وفى الرّياط

فالفاء جواب الشرط كما ترى، فلا بدّ أن يكون التقدير: فربّ ذى حنق، وفربّ حور، لأن الفاء لم توجد جارّة فى شيء من كلامهم.

قال أبو علىّ: «وقد انجرّ الاسم بعد «بل» فى قوله:

بل بلد ملء الفجاج قتمه

فلو كان الجرّ بالواو دون ربّ المضمرة، لكان الجرّ فى قوله: «بل بلد» ببل، قال: وهذا لا نعلم أحدا به اعتداد يقوله».

وقوله:

وجرد يعله الدّاعى إليها

يقال: علهت إلى الشىء: إذا نازعتك نفسك إليه.

وقوله:

متى ركب الفوارس أو متالا

تقديره: أو متى لا ركبوا، ولا ركبوا بمعنى لم يركبوا، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى﴾ أى فلم يصدّق ولم يصلّ، ومثله:

إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأىّ عبد لك لا ألمّا

أى لم يلمّ بالذنوب، ومثله للأعشى:

أىّ نار الحرب لا أوقدها

ومنه قول المتنبى:

يطأن من الأبطال من لا حملنه

و «متى» هاهنا شرط، وجوابه محذوف للدّلالة عليه، فالتقدير: متى ركب الفوارس أو متى لم يركبوا عله الدّاعى إليها، وأراد بالدّاعى الذى يدعوها لشدّة تنزل به.

وينبغى أن تكتب «متالا» الثانية بالألف، لأن ألفها ردف، وإذا صوّرتها ياء كان ذلك داعيا إلى جواز إمالتها، وإمالتها تقرّبها من الياء، وإذا كانت الألف ردفا انفردت بالقصيدة أو المقطوعة.

وقوله: «فوارسهنّ لا كشف خفاف ولا ميل» الكشف: جمع الأكشف، وهو الذى لا ترس معه، والميل: جمع الأميل، وهو الذى لا يحسن الرّكوب. وقال ابن السّكّيت: العرضىّ: الذى فيه عجارف، فليس برقيق، قال: ويقال للناقة التى ليست بذلول: فيها عرضيّة.

والنّياط فى البيت الذى أوردته آنفا لتأبّط:

فإمّا تعرضنّ أميم عنّىوتنزعك الوشاة أولو النّياط

[النّياط]: جمع نوطة، وهى الحقد، والنّياط أيضا: معلّق القلب، قال أبو الحسين بن فارس/فى المجمل: «ونياط المفازة مشتقّ منه، كأنها قد نيطت بغيرها، ولذلك قيل للأرنب: مقطّعة النّياط»، والصواب عندى أنهم قالوا [لها] مقطّعة النّياط، لأنها تقطّع نياط قلب الكلب بالعدو فى طلبها، كما قالوا لها: مقطّعة الأسحار، يريدون جمع سحر، وهى الرّئة.

وروى بعضهم «أولو النّباط»، وفسّره بأنه الكذب، فكأنه من استنباط الحديث، وهو استخراجه، وأصله استنباط الماء، ويقال لكلّ ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العين أو معرفة القلب: قد استنبط، وأنبطت الماء أيضا:

استخرجته، ويقال للماء الذى يخرج من البئر أول ما تحفر: نبط، بفتح أوله وثانيه، ومنه سمّى النّبط من الناس، لاستخراجهم ماء العيون.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.