من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثامن عشر
وهو مجلس يوم السبت، العشرين من رجب، من سنة أربع وعشرين وخمس مائة. وأبيات الجعدىّ من قصيدة أولها:
أيا دار سلمى بالحزون ألا اسلمىنحيّيك عن شحط وإن لم تكلّمى
عفت بعد حىّ من سليم وعامرتفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم
ومسكنها بين الفرات إلى اللّوىإلى شعب ترعى بهنّ فعيهم
أقامت به البردين ثم تذكّرتمنازلها بين الجواء فجرثم
ليالى تصطاد الرّجال بفاحموأبيض كالإغريض لم يتثلّم
خاطب الدار بقوله: أيا دار سلمى، وبقوله: اسلمى وما بعده، ثم انصرف عن خطابها إلى إضمار الغيبة فى قوله: عفت، والعرب كثيرا ما تنصرف عن الغيبة إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، وهذا الفنّ من التصرّف متّسع فى القرآن وفى الشّعر، قال أبو كبير الهذلىّ:
يا لهف نفسى كان جدّة خالدوبياض وجهك للتّراب الأعفر
فخاطب بعد الغيبة، ونقيض ذلك فى قول كثيّر:
/أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومةلدينا ولا مقليّة إن تقلّت
أراد: لا أنت ملومة ولا مقليّة، أى مبغضة إن تبغّضت و [مثله] فى التنزيل: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ ونظيره فى التنزيل: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ومثله: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ وقال جل ثناؤه: ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ ثم قال: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ثم قال: ﴿وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
والخروج من الغيبة إلى الخطاب جاء فى قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وتعقيبه بقوله: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وقوله: «ومسكنها» ترك إضمار الدار إلى إضمار سلمى، وقوله: «إلى شعب» الشّعب: جمع شعبة، وهو مسيل من ارتفاع إلى بطن الوادى، أصغر من التّلعة.
وقوله: «أقامت به البردين» أضمر المسكن بعد إضمار الشّعب، وأراد بالبردين طرفى الشّتاء، والبردان أيضا: الغداة والعشىّ.
وقوله: «وأبيض كالإغريض» شبّه ثغرها بالإغريض، وهو الطّلع. وسليم وعامر اللذان ذكرهما: سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وعامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وقوله: ودقّوا بينهم عطر منشم: أراد امرأة من خزاعة يقال لها: منشم بنت الوجيه، كانت تبيع العطر فى الجاهليّة، فلما وقعت الحرب بين جرهم وخزاعة كانت إذا حضر القتال تجيء بالطّيب مدقوقا فى الأوعية فتطيّب به فتيان خزاعة، فكان من مسّ من ذلك الطّيب شيئا لم يرجع من يومه حتى يبلى، فإمّا أن يحمل جريحا، أو يقتل، فضربت العرب المثل بعطرها فى الشّؤم، قال زهير للحارث بن عوف، وهرم بن سنان المرّيّين:
تداركتما عبسا وذبيان بعد ماتفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم
هذا قول نصر بن شاهد الخزاعىّ، وزعم إسحاق بن زكريا اليربوعىّ أن منشم امرأة من بنى غدانة، وهى صاحبة يسار الكواعب.
ومن حديثها أنّ يسار الكواعب كان عبدا أسود دميما قبيحا، وقيل له:
يسار الكواعب، لأن النّساء [الكواعب] كنّ إذا رأينه ضحكن من قبحه، وكان يظنّ أنهنّ إنما يضحكن من عجبهنّ به، حتى نظرت إليه امرأة مولاه، وهى منشم، فضحكت فظنّ أنها خضعت إليه، فقال لصاحب له أسود، كان يكون معه فى الإبل: قد والله عشقتنى مولاتى، فلأزورنّها الليلة، ولم يكن يفارق الإبل، فقال له صاحبه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكلّ لحم الحوار، وإيّاك وبنات الأحرار، فقال له: يا صاحب، أنا يسار الكواعب، والله ما رأتنى حرّة قطّ إلاّ عشقتنى، فلما أمسى قال لصاحبه: احفظ علىّ الإبل حتى أنصرف إليك، فنهاه صاحبه فلم ينته، حتى دخل على امرأة مولاه، يريدها عن نفسها، فقالت له: مكانك فإنّ للحرائر طيبا فأشمّك إيّاه، فقال لها: فهاتيه، فأتته بطيب وبموسى خذمة، أى قاطعة، فأشمّته الطّيب، ثم أنحت بالموسى على أنفه فاستوعبته قطعا، فخرج هاربا حتى أتى صاحبه ودمه يسيل، فقال له: لا يبعد الله غيرك، وضربت به العرب المثل فى الشّرّ، وبطيب منشم، قال الفرزدق لجرير:
فهل أنت إن ماتت أتانك راحلإلى آل بسطام بن قيس فخاطب
وإنى لأخشى إن رحلت إليهمعليك الذى لاقى يسار الكواعب
رفع قافية وجرّ أخرى، وهذا يسمّى الإقواء، من قولهم: أقوى الحابل: /إذا جاء بقوّة من قوّى الحبل تخالف سائر قواه.
وقيل: منشم: امرأة كانت بالبحرين، دقّت عطرا لقوم فتحالفوا عليه وغمسوا أيديهم فيه، ثم وقع بينهم شرّ بعد ذلك، فتشاءموا بذلك العطر.
وقيل: منشم: امرأة كان لها خلم، يعنى صديقا، فشمّ زوجها من رأس خلمها رائحة دهنه وعطره، وقد كان اتّهمه بها، فحقّق عند ذلك ما وقع فى ظنّه، فقتله، فوثب قومه على زوجها فقتلوه، فوقعت بين قوميهما الحرب حتى تفانوا، فضربت العرب بها المثل فى الشّؤم.
ويقال: إنّ منشم امرأة من جرهم، كانت تبيع العطر، فكانوا إذا أرادوا أن يحتربوا تطيّبوا من عطرها عند القتال.
وقال أبو عمرو الشّيبانىّ: هى امرأة من خزاعة، كانت تبيع العطر، فإذا حاربوا اشتروا منها كافورا لقتلاهم، فتشاءموا بها، وكانت تسكن مكّة.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع