من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
بيت فى وصف امرأة
لقد علم الأيقاظ أخفية الكرىتزجّجها من حالك واكتحالها
رجل يقظ وجمعه أيقاظ، ومثله فى الزّنة: نجد وأنجاد، والنّجد: الشّجاع، والأخفية: واحدها خفاء، وهو كساء يغطّى به وطب اللّبن، وسمّى العيون على سبيل الاستعارة أخفية، لأنها كالأغطية للرّقاد، كما أن الأخفية أغطية للوطاب.
والجرّ فى «أخفية الكرى» على حدّ جرّ الوجوه فى قولك: الحسان الوجوه، فكأنه قال: الأيقاظ العيون، ويجوز [فيها] النصب، كما جاز الحسن الوجه، تشبيها بقولك: الضارب الرجل، فاعلم.
وتزجّجها: فى معنى تزجيجها حاجبيها بالخضاب، والحالك: الشّديد السّواد، واشتقاق التزجيج من الزّجّ، أراد أنها تجعل حاجبيها بالخضاب كالزّجّ فى التحديد.
جرير بن الخطفىّ:
وكائن بالأباطح من صديقيرانى لو أصبت هو المصابا
قالوا فى معنى «كم» الخبريّة: كأيّن وكائن، مثل كاعن، لغتان كثر استعمالهما، إلا أن الخفيفة أكثر فى الشعر، والثقيلة أكثر فى القراءة، ولم يقرأ من السبعة بالخفيفة إلا ابن كثير وحده، ووافقه من غير السبعة يزيد بن القعقاع المدنىّ، وأصل الثقيلة: أىّ، دخلت عليها كاف التشبيه، فعملت فيها الجرّ، وأزيلتا عن معنييهما، فجعلتا كلمة واحدة مضمّنة معنى «كم» التى للتكثير، ووصل التنوين بها فى الوقف، وجعلت له صورة فى الخطّ، وصار كأنه حرف من الأصل، فلذلك وقف القراء عليها بالنون، اتّباعا لخطّ المصحف، إلا أبا عمرو، فإنه أسقطها؛ لأنها فى الأصل تنوين، ووافقه من غير السبعة يعقوب بن إسحاق الحضرمىّ.
وأما الخفيفة فأصلها: كأيّن، فقدّموا الياء على الهمزة، وحرّكوا كلّ واحدة منهما/بحركة الأخرى، كما يفعلون فيما يقدّمون بعض حروفه على بعض، كقولهم فى جمع بئر: آبار، والأصل: أبآر [فصارت] كيّئن مثل كيّعن، فخفّفوها كما خفّفوا نحو ميّت فصار كيئن مثل كيعن، فأبدلوا الياء وهى ساكنة ألفا فصارت كائن، كما
قالوا فى النسب إلى طيّىء: طائىّ وطيّىء، فيعل، وكان قياسه طيّئىّ، مثل طيّعىّ، كقولك فى النّسب إلى سيّد: سيّدىّ، فقلبوا الياء ألفا بوجود أحد شرطيها، وهو انفتاح ما قبلها، وإذا كانوا قد قلبوا [الياء] الساكنة ألفا مع انكسار ما قبلها، فقالوا فى النّسب إلى الحيرة: حارىّ، فقلبها مع وجود الفتحة قبلها أسهل.
وقال بعض البصريّين، وهو أيضا مأثور عن الخليل: أصل كائن: كأيّن، وذلك أنهم قدّموا الياء الأولى وهى الساكنة المدغمة على الهمزة، فانفتحت الياء بانفتاح الهمزة، وسكنت الهمزة بسكون الياء، فصار: كيأين، مثل كيعين، فلما تحرّكت الياء وقبلها فتحة الكاف انقلبت ألفا، والهمزة بعدها ساكنة، فحرّكت الهمزة بالكسر لالتقاء الساكنين، فصادفت كسرتها كسرة الياء بعدها، فاستثقلوا أن يقولوا: كائين، كما استثقلوا أن يقولوا: مررت بقاضى، فأسكنوا الياء فصادف سكونها سكون النون بعدها، فوجب حذفها لالتقاء الساكنين، كما وجب حذف الياء من قاض لسكونها وسكون التنوين، فحذفوها فاتّصلت الهمزة بالنون، فصار كائن مثل قاض.
فأما قوله: «يرانى لو أصبت هو المصابا» فمعنى يرانى: يعلمنى، والمراد بالمصاب المصيبة، كقولهم: جبر الله مصابك-أى مصيبتك-وهو فى الأصل مصدر بمعنى الإصابة، ومن ذلك قول الشاعر:
أظليم إنّ مصابكم رجلاأهدى السّلام تحيّة ظلم
أراد إن إصابتكم رجلا.
وقوله: «هو» فصل، وهو الذى يسمّيه الكوفيون/عمادا، وهذا الضّرب
من الإضمار لا بدّ أن يكون وفق ما قبله فى الغيبة والخطاب [والتكلّم] لأنّ فيه نوعا من التوكيد، تقول: علمت زيدا هو المنطلق، وعلمتك أنت المنطلق، وعلمتنى أنا المنطلق.
ويتوجّه على هذا سؤالان، أحدهما: كيف وقع ضمير الغيبة بعد ضمير المتكلّم، وحقّ الفصل أن يكون وفقا لما قبله، فيقال: يرانى أنا المصاب.
كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾.
والسؤال الآخر: أن المفعول الثانى فى باب العلم والظنّ يلزم أن يكون هو المفعول الأول، فكيف جاز أن يكون المراد بالمصاب المصيبة، والمفعول الأول هو الياء من يرانى؟.
والجواب عن السؤالين أن فى قوله: «يرانى» تقدير مضاف يعود ضمير الغيبة إليه، أى يرى مصابى هو المصاب [والمعنى: يرى مصابى هو المصاب] العظيم، ولو أنه قال: يراه لو أصبت هو المصابا، فأعاد الهاء من «يراه» إلى الصّديق، والمعنى يرى نفسه، كما جاء فى التنزيل: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾
لسقط ما ذكرته من الاعتراض، ولم يحتج إلى تقدير مضاف [ولكان المصاب اسم المفعول من قولك: أصيب زيد فهو مصاب] ولكنّ المروى: يرانى.
لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، يصف حمارا وأتانا وحشيّين:
يعلو بها حدب الإكام مسحّجقد رابه عصيانها ووحامها
بأحزّة الثّلبوت يربأ فوقهاقفرا مراقب خوفها آرامها
الحدب من الأرض: ما ارتفع، قال الله سبحانه: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أى يسرعون مع تقارب الخطو، كمشى الذّئب إذا أسرع، يقال: مرّ ينسل ويعسل، والمصدر النّسلان والعسلان، والإكام: جمع أكمة، وهى مرتفع من الأرض ملبس حجارة سوداء، وجمعوها على فعال، كرقبة ورقاب، وجمعوها أيضا على الأكم والأكم، قال الشاعر:
سائل فوارس يربوع بشدّتناأهل رأونا بسفح القفّ ذى الأكم
/بشدّتنا: أى بحملتنا. والقفّ: ما ارتفع من الأرض فى صلابة، وسفحه:
وجهه، قال أبو دواد:
يختطى الأكم والخبار بقدرمن يد رسلة ورجل زبون
الخبار: الأرض اللّيّنة، ويد رسلة: ليّنة المفاصل، والزّبون: من الزّبن، وهو الدّفع.
وقالوا أيضا: آكام، فيجوز أن يكون جمع أكم، كجبل وأجبال، ويجوز أن يكون جمع أكم، كبرد وأبراد، وقالوا أيضا: آكم، فهذا جمع أكم، على سبيل الشذوذ، كقولهم فى جبل: أجبل، قال:
إنّى لأكنى عن أجبال بأجبلهاوذكر أودية عن ذكر واديها
ومسحّج: مكدّم، كدّمته الحمر، ويقال: رابنى الأمر: إذا أدخل [عليك] شكّا وخوفا.
والوحام والوحم: أن تشتهى المرأة شيئا على حبلها، وقد وحّمناها: أى أطعمناها شهوتها، ووحام الأتان: أن تشتهى المرعى، ومسحّج رفع بيعلو، أى يعلو بالأتان حدب الأكام حمار مسحّج.
فإن قيل: فهل يجوز إسناد «يعلو» إلى ضمير الحمار، ونصب «مسحّج» على الحال؟
قيل: ليس ذلك بممتنع، ولكنّ العرب كثيرا ما تدع هذا وتسند الفعل إلى صفة النكرة المحذوفة، كقوله:
خود إذا قامت إلى خدرهاقامت قطوف الخطو مكساله
أى قامت امرأة قطوف الخطو، فأمّا قول الله تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ فليس من هذا الفنّ، ولا يحسن نصب «مبارك» على الحال من الهاء فى «أنزلناه» لأن رفعه يوجب أن يكون مباركا قبل إنزاله، وفى وقت إنزاله، وبعد إنزاله، ونصبه يوجب أن يكون مباركا فى وقت إنزاله خاصّة.
وقوله: «بأحزّة الثّلبوت» الأحزّة: جمع حزيز، وهو الغليظ من الأرض، المستدقّ المنقاد، والثّلبوت: /ماء لبنى ذبيان، وقيل: هو واد فى أرض بنى عامر.
وقوله: «يربأ فوقها» أى يكون كالرّبيئة، وهو طليعة القوم وحافظهم الذى ينظر لهم على مكان مرتفع، ويسمّى الدّيدبان.
وقوله: «قفرا مراقب خوفها» المراقب: المواضع المشرفة، والقفر: الخالى، والتقدير: يربأ فوقها على مراقب قفر، فحذف «على» فعاقبها النّصب، وقدّم الصفة فانتصبت على الحال، ويروى: قفر المراقب، بالنصب على ما قلناه من تقدير الجارّ.
وقوله: «خوفها آرامها» الآرام: الأعلام، واحدها أرم وإرم، والتقدير: مواضع خوفها، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه، أى مواضع خوف هذه المراقب أعلامها، وذلك لما يكمن خلف الأعلام من صائد وغيره. آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع