من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس السابع عشر
وهو مجلس يوم السبت، ثالث عشر رجب، من سنة أربع وعشرين وخمس مائة، ومن القصيدة التى منها هذه الأبيات قوله:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنّهمولى المخافة خلفها وأمامها
وهذا البيت من أبيات الكتاب، ذكره شاهدا على الاتّساع فى الظروف بإجرائها مجرى الأسماء.
والمضمر فى «غدت» ضمير بقرة وحشيّة تقدّم ذكرها، ويروى «فعدت» من العدو، والفرج: موضع المخافة، ومثله الثّغر والثّغرة، والعورة، و «مولى المخافة» [معناه ولىّ المخافة] أى مكان يلى المخافة، وموضع «كلا» رفع بالابتداء، والجملة من تحسب وفاعله ومفعوله خبر المبتدأ، وعائد الجملة الهاء التى فى اسم «أنّ» وعاد إلى «كلا» ضمير مفرد، لأنه اسم مفرد، وإن أفاد معنى التثنية، وموضع المبتدأ مع الجملة التى هى خبره نصب بأنها خبر «غدت» لأن منهم من يجعل «غدا» فى الإعمال بمنزلة أصبح وأضحى، ومن جعلها تامّة كان موضع الجملة بعدها نصبا /على الحال، ومن رواها بالعين غير المعجمة، فالجملة حال لا غير.
وخلفها رفع على البدل من «كلا»، والتقدير: فغدت وخلفها وأمامها تحسب أنه يلى المخافة، وإن رفعته بتقدير: هو خلفها وأمامها فجائز.
وبعض النحويّين أبدله من «مولى المخافة» وذلك فاسد من طريق المعنى؛ لأن البدل يقدّر إيقاعه فى مكان المبدل منه، وإن منع من ذلك موجب اللفظ فى بعض الأماكن، فلو قلت: كلا الفرجين تحسب أنه خلفها وأمامها، لم تحصل بذلك فائدة، لأن الفرجين هما خلفها وأمامها، فليس فى إيقاع الحسبان على ذلك فائدة.
وقال العبّاس بن مرداس السّلمىّ، يخاطب كليب بن عييمة السّلمىّ:
أكليب مالك كلّ يوم ظالماوالظّلم أنكد غبّه ملعون
أتريد قومك ما أراد بوائليوم القليب سميّك المطعون
وأظنّ أنّك سوف ينفذ مثلهافى صفحتيك سنانى المسنون
قد كان قومك يحسبونك سيّداوأخال أنّك سيّد مغيون
عييمة: منقول من محقّر العيمة، وهى شهوة اللّبن، أو محقّر العيمة، بكسر العين، وهى خيار المال، ومنه قولهم: اعتام الرجل: أى أخذ العيمة، قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفىعقيلة مال الفاحش المتشدّد
وقوله: «ما لك» ما استفهامية، وموضعها رفع بالابتداء، «ولك» الخبر، والخبر
هو العامل فى الظرف والحال، وإن شئت نصبت الظرف بالحال، ومثله فى التنزيل:
﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ إن شئت نصبت «قبلك» بالخبر، وإن شئت أعملت فيه «مهطعين» وكان حقّ المعنى أن لا يعمل فى الحال، لأن الحال عبارة عن ذى الحال، ولكن عمل فيها المعنى لشبهها بالظّرف، من حيث/ كان قولك: جاءنى زيد راكبا، معناه: جاء فى حال الركوب، ولذلك عطف عليها الظّرف فى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ﴾ وليس الشّبه الذى بينهما بمستحكم، لأنك لا تقدر أن تقول: جاء زيد فى راكب، كما تقول:
جاء فى يوم السبت، وجلس فى مكانه، وإنما أدخلوا حرف الظرف على لفظ متأوّل، ولما لم يستحكم الشبه بين الظرف والحال امتنعوا من تقديم الحال على العامل المعنوىّ، وإن لم يمتنعوا من تقديم الظرف على المعنى العامل فيه، كقولهم: «كلّ يوم لك ثوب» فإن جاءت الحال بلفظ الظّرف جاز تقديمها على المعنى، كقوله تعالى: ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ هنالك ظرف فى موضع الحال، والعامل فيه قوله: «لله» وذو الحال المضمر المستكنّ فى «لله».
وقوله: «والظّلم أنكد غبّه ملعون» النّكد: العسر وخروج الشىء إلى طالبه بشدّة، وغبّه: عاقبته، واللّعن: الطّرد والإبعاد، يقال للرجل المطرود: لعين.
وقوله: «أتريد قومك ما أراد بوائل» أراد: بقومك، فحذف الباء، فظهر النصب المعاقب لها، ومثله النصب فى قول الآخر:
ومن قبل آمنّا وقد كان قومنايصلّون للأوثان قبل محمّدا
نصب «محمدا» بآمنّا، والأصل: بمحمّد.
وأراد بوائل بكرا وتغلب ابنى وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمىّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان.
وقوله: «سميّك المطعون» أراد كليب بن ربيعة [بن مرّة] بن الحارث بن زهير ابن جشم بن حبيب بن تغلب بن وائل، طعنه جسّاس بن مرّة بن ذهل بن شيبان ابن ثعلبة، فقتله، وسأذكر قصّته بعد شرح هذه الأبيات بمشيئة الله.
وقوله: «ينفذ مثلها» أى مثل الطّعنة التى طعنها جسّاس بن مرّة كليب بن/ ربيعة، وحسن إضمار الطعنة ولم يجر لها ذكر، لأنّ ذكر المطعون دلّ عليها، كما دلّ السفيه على السّفه فى قول القائل:
إذا نهى السّفيه جرى إليه
أراد إلى السّفه، وقد شرحت هذا فيما قدّمته من الأمالى، وذكرت أنه لا بدّ من
دليل على ما يعود [الضمير] عليه إذا لم يجر له ذكر، كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ -ثم قال: - ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ فأضمر النار أو جهنّم، لأنّ ذكر العذاب دلّ عليها.
وقوله: «وأخال أنك سيّد مغيون» أخال بفتح أوله، وهو الأصل، وإخال بالكسر فيه لغة الذين كسروا حرف المضارعة، مما جاء على مثال تفعل نحو تعجب وتعلم وتركب، لتدلّ كسرته على كسرة العين من عجب وعلم وركب، ونحو ذلك، يقولون: أنا أعجب وأنت تعلم ونحن نركب، واستثقلوا الكسرة على الياء فألزموها الفتح.
ومغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه، أى غطّى عليه، وفى الحديث:
«إنّه ليغان على قلبى» ولكنّ الناس ينشدونه بالباء، وهو تصحيف، وقد روى «معيون» بالعين غير المعجمة، أى مصاب بالعين، ومغيون هو الوجه، وكلاهما مما جاء فيه التصحيح، وإن كان الاعتلال فيه أكثر، كقولهم: طعام مزيوت، وبرّ مكيول، وثوب مخيوط، والقياس: معين، ومزيت، ومكيل، ومخيط، حملا على غين وزيت وكيل وخيط، قال أبو على: «ولو جاء التصحيح فيما كان من الواو لم ينكر، ألا تراهم قد قالوا: الغوور، فهو مثل مفعول من الواو، لو صحّ» انتهى كلامه.
وقد صحّحوا أحرفا من ذوات الواو، وقالوا: مسك مدووف، وثوب مصوون، وفرس مقوود.
والغوور: مصدر غارت عينه تغور غوورا، وإنما صحّ اسم المفعول من هذا التركيب، فخالف بذلك اسم الفاعل، لأن اسم المفعول غير جار على فعله، فى حركاته وسكونه، كما تجرى أسماء الفاعلين/على أفعالها، فلمّا خالف اسم المفعول فعله فيما ذكرناه خالفه فى إعلاله.
وهذا ما وعدتك به من حديث كليب بن ربيعة، وذلك أن العرب كانت تضرب به المثل فى العزّ، فيقولون: «أعزّ من كليب وائل»، وكان سيّد ربيعة بن نزار فى دهره، وهو الذى كان ينزلهم فى منازلهم، لم يكونوا يظعنون من منزل، ولا ينزلون إلا بأمره، فبلغ من عزّه وبغيه أنه اتّخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلا مكلئا قذف بذلك الجرو فيه فيعوى، فلا يقرب أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، أو أن يؤذن بحرب، وكذلك كان يفعل فى الماء، وفى أرض الصّيد، كان إذا ورد الماء قذف بالجرو عند الحوض، فلا يقرب أحد ذلك الماء حتى تصدر إبله، وكان يحمى الصيد، فيقول: صيد أرض كذا فى جوارى، فلا يهاج ذلك الصّيد، وكان لا يخوض معه أحد فى حديث، ولا يمرّ أحد بين يديه [وهو جالس] ولا يحتبى فى مجلسه غيره، فصار فى العزّ والبغى مثلا، وكان سبب قتله أن البسوس، وهى امرأة من غنىّ، وضربت العرب بها المثل فى الشّؤم، فقالوا: «أشأم من البسوس» كانت فى جوار جسّاس بن مرّة، فمرّت إبل لكليب تريد الماء، فاختلطت بها ناقة للبسوس
فوردت معها، فرآها كليب فأنكرها، فقال: لمن هذه الناقة؟ فقال الرّعاء:
للبسوس جارة جسّاس، فرماها بسهم فانتظم ضرعها، فأقبلت الناقة تعجّ وضرعها يسيل دما ولبنا، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها ثم صاحت: وا ذلّاه، وا جاراه، فأحمشت جسّاسا، أى أغضبته، فركب فرسه وأخذ رمحه، وتبعه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان، على فرسه ومعه رمح، فركضا نحو الحمى والخباء، فلقيا رجلا فسألاه: من رمى الناقة؟ فقال: من حلّأكما عن برد الماء، وسامكما الخسف فأقررتما به، فزادهما ذلك حميّة وغضبا.
/يقال: حلّأه عن الماء: إذا طرده عنه، وسام فلان فلانا الخسف: إذا أولاه الدّنيّة، وقيل: أراد ذلك منه.
رجع الحديث: فأقبلا حتّى وقفا على كليب، فقال له جسّاس: يا أبا الماجد، أما علمت أنها ناقة جارتى؟ فقال كليب: وإن كانت ناقة جارتك، فمه؟ أتراك مانعى أن أذبّ عن حماى! فأحفظه ذلك-يقال: أحفظته إذا أغضبته-فحمل عليه فطعنه، وطعنه عمرو فقتلاه. وذلك قول مهلهل بن ربيعة أخى كليب:
وكليب قتيل عمرو وجسّاس قد أودى فماله من تلاق
وقال كليب لجسّاس، وهو يجود بنفسه: اسقنى ماء، فقال له جسّاس:
«هيهات! تجاوزت الأحصّ وشبيثا»، فذهب قوله مثلا، والأحصّ وشبيث:
ماءان، وفى ذلك هاجت حرب بكر وتغلب ابنى وائل أربعين عاما.
وقالت الشعراء فى بغي كليب، وضربوه مثلا، فمن ذلك قول عمرو بن الأهتم السّعديّ:
فإنّ كليبا كان يظلم رهطهفأدركه مثل الذى تريان
فلمّا حساه السّمّ رمح ابن عمّهتذكّر غبّ الظّلم أىّ أوان
وقول رجل من بنى عبس:
أتيت مأتى كليب فى عشيرتهلو كان فى الحىّ خرق مثل جسّاس
وقول معبد بن سعنة الضّبّىّ:
أظنّ ضرار أنّنى سأطيعهوأنّى سأعطيه الذى كنت أمنع
إذا اغرورقت عيناه واحمرّ وجههوقد كاد غيظا جلده يتمزّع
كفعل كليب ظنّ بالجهل أنهيحوّز أكلاء المياه ويمنع
يتمزّع: يتقطّع، والمزعة: القطعة من اللّحم، وقد تكسر ميمها.
وسعنة: منقول من قولهم: ما له سعنة ولا معنة: أى ما له شيء كثير ولا قليل، وممن قال فى ذلك النابغة الجعدىّ، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس
ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة [قال لعقال بن خويلد، أحد بنى كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة]:
كليب لعمرى كان أكثر ناصراوأيسر جرما منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنةكحاشية البرد اليمانى المسهّم
فقال لجسّاس أغثنى بشربةمن الماء فامننها علىّ وأنعم
الناب: الناقة المسنّة، وشبّه الطّعنة بحاشية البرد، لحمرة الدم، والمسهّم:
المخطّط الذى عليه أمثال السّهام.
وقال بعض النّسّابين المتقدّمين، كلّ اسم فى العرب من تركيب (ع د س) فهو عدس، مفتوح الدال، إلا عدس بن زيد بن تميم، فإنه مضموم الدال. انتهى كلامه.
وأقول: إن من فتح الدال منه عدله عن عادس، فلم يصرفه، فإن شئت اشتققت عادسا من العدس، وهو شدّة الوطء، يقال: عدسه يعدسه: إذا وطئه بشدّة، وإن شئت أخذته من قولهم: عدس فى الأرض: إذا ذهب فيها، وأنشدنى الشريف أبو المعمّر يحيى بن محمد، شيخنا رضى الله عنه، قال: أنشدنا أبو القاسم ابن برهان، لحاجب بن زرارة التّميمىّ:
شربت الخمر حتى خلت أنّىأبو قابوس أو عبد المدان
أمشّى فى بنى عدس بن زيدرخىّ البال معتقل اللّسان
فضم الشريف الدال وكسر السين، وكان ابن برهان له فى علم النّسب قدم راسخة، وذكر أبو بكر بن دريد فى كتاب الاشتقاق أنه عدس بن زيد، مفتوح الدال.
وأبو قابوس: أراد به النّعمان بن المنذر، وعبد المدان من بنى الحارث بن كعب، كان من أكابر ساداتهم، وقال شريك بن الأعور الحارثىّ، وقد حرّكه معاوية/بكلام أغضبه، وكان من ولد عبد المدان:
أيشتمنى معاوية بن حربوسيفى صارم ومعى لسانى
وحولى من ذوى يمن ليوثضراغمة تهشّ إلى الطّعان
فلا تبسط لسانك يا ابن حربفإنك قد بلغت مدى الأمانى
فإن تك من أميّة فى ذراهافإنى فى ذرى عبد المدان
وإن تك للشّقاء لنا أميرافإنّا لا نقيم على الهوان
فترضّاه معاوية.
وقابوس غير مصروف، لأنه أعجميّ، وأصله كاووس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع