من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
بيت للمتنبىّ (٢)
حشاى على جمر ذكىّ من الهوىوعيناى فى روض من الحسن ترتع
الحشا: ما بين الضّلع التى فى آخر الجنب إلى الورك، والجمع أحشاء، وذكت النار تذكو: اتّقدت وارتفع لهبها. والرّوضة: موضع يتّسع ويجتمع فيه الماء فيكثر نبته، ولا يقال لموضع الشجر: روضة. والرّتوع فى الأصل للماشية: وهو ذهابها ومجيئها فى الرّعى، وكثر ذلك حتى استعمل للآدميّين، وفى التنزيل: «نرتع ونلعب» ومن قرأ «نرتع» بكسر العين، فهو نفتعل من الرّعى، وأصل رتع: أكل ما شاء، ومنه قول سويد بن أبى كاهل:
ويحيّينى إذا لاقيتهوإذا يخلو له لحمى رتع
وإنما قال: عيناى، فثنّى ثم قال: ترتع، فأخبر عن الاثنتين بفعل واحدة، لأنّ /العضوين المشتركين فى فعل واحد، مع اتفاقهما فى التسمية، يجرى عليهما
ما يجرى على أحدهما، ألا ترى أن كلّ واحدة من العينين لا تكاد تنفرد بالرؤية دون الأخرى، فاشتراكهما فى النظر كاشتراك الأذنين فى السّمع، والقدمين فى السّعى، ويجوز أن يعبّر عنهما بواحدة، يقال: رأيته بعينى، وسمعته بأذنى، وما سعت فى ذاك قدمى، كما قال:
خدلّج السّاقين خفّاق القدم
فإن قلت: بعينىّ وبأذنىّ وقدمىّ، فثنّيت فهو حقّ الكلام، والأول أخفّ وأكثر استعمالا.
ولك فى هذا الباب أربعة أوجه من الاستعمال، أحدها: أن تستعمل الحقيقة فى الخبر والمخبر عنه، وذلك قولك: عيناى رأتاه، وأذناى سمعتاه، وقدماى سعتا فيه، والثانى: أن تعبّر عن العضوين بواحد، وتفرد الخبر حملا على اللفظ، تقول: عينى رأته، وأذنى سمعته، وقدمى سعت فيه، وإنما استعملوا الإفراد فى هذا تخفيفا، وللعلم بما يريدون، فاللفظ على الإفراد، والمعنى على التثنية.
فلو قيل على هذا: «وعينى فى روض من الحسن ترتع» كان جيّدا.
والثالث: أن تثنّى العضو، وتفرد الخبر، لأن حكم العينين أو الأذنين أو القدمين حكم واحدة، لاشتراكهما فى الفعل، فتقول: أذناى سمعته، وعيناى رأته، وقدماى سعت فيه، كما قال: وعيناى فى روض من الحسن ترتع، ومنه قول سلمىّ ابن ربيعة السّيدىّ:
فكأنّ فى العينين حبّ قرنفلأو سنبلا كحلت به فانهلّت
ومثله قول امرئ القيس:
لمن زحلوفة زلّبها العينان تنهلّ
وللفرزدق:
/ولو بخلت يداى بها وضنّتلكان علىّ للقدر الخيار
والرابع: أن تعبّر عن العضوين بواحد، وتثنّى الخبر، حملا على المعنى، كقولك: أذني سمعتاه، وعينى رأتاه، وهذا قليل، ومنه قول امرئ القيس:
وعين لها حدرة بدرةشقّت مآقيهما من أخر
وقول الآخر:
إذا ذكرت عينى الزمان الذى مضىبصحراء فلج ظلّتا تكفان
فأمّا ما أنشده ابن السّكّيت من قول الراجز:
والساق منّى بارداتالرّير
فكان الوجه أن يقول: باردة، حملا على لفظ الساق، أو باردتان؛ لأن المراد بالساق الساقان، ولكنه جمع فى موضع التثنية لقرب الجمع من التثنية، ويشبه ذلك قولك: ضربت رءوسهما، ويمكن أن تكون الألف فى باردات إشباعا كقول القائل:
وأنت من الغوائل حين ترمىومن ذمّ الرجال بمنتزاح
أراد: بمنتزح، فأشبع الفتحة فنشأت عنها الألف.
ويقال: مخّ رار ورير، للرّقيق منه.
وقوله: «من الهوى» مفسّر للجمر، وكذلك قوله: «من الحسن» مفسّر للرّوض، فمن متعلّقة بمحذوف، وصف للمفسّر.
وقال: «حشاى» والمراد ما جاور الحشا، وهو القلب، والعرب تعبّر عن الشىء بمجاوره، فالمعنى: قلبى على جمر من الهوى شديد التوقّد لفراقهم، وعينى ترتع من وجه الحبيب فى روض من الحسن، واستعار الرّتوع للعين، لتصويب النظر وتصعيده فى محاسن المنظور إليه، واستعار لحسنه روضا، تشبيها لعينيه بالنّرجس، ولخدّيه بالشّقيق، ولثغره بالأقحوان، ومعنى البيت ناظر إلى قول أبى تمام:
/أفى الحقّ أن يمسى بقلبى مأتممن الشّوق والبلوى وعيناى فى عرس
وأنشدت للرّضىّ:
فالقلب فى مأتم والعين فى عرس
واستعمال المأتم لجماعة النساء فى المناحة خاصّة مما لم ترده العرب، ولكنه عندهم لجماعة، فى المناحة وغيرها، قال أبو حيّة:
رمته أناةمن ربيعة عامر
نؤوم الضّحى فى مأتم أىّ مأتم
وقول امرئ القيس فيما ذكرته شاهدا:
وعين لها حدرة بدرةشقّت مآقيهما من أخر
وصف به عين فرس، ومعنى حدرة: مكتنزة ضخمة، وبدرة: تبدر النظر، وشقّت مآقيهما من أخر: أى اتّسعت من آخرها.
والبيت من ثالث البحر المسمّى المتقارب، عروضه سالمة وضربه محذوف، ووزنه
فعل، وقد استعمل فيه الخرم الذى يسمّى الثّلم، فى أول النصف الثانى، وقلّ ما يوجد الخرم إلاّ فى أوّل البيت.
وقوله: لمن زحلوفة: الزّحلوفة: الزّلاّقة التى يترجّح فيها الصّبيان فيزلقون، ويروى «زحلوقة» بالقاف. آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع