تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس التاسع عشر

وهو مجلس يوم السبت، سابع وعشرين رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة.

قال أعشى تغلب، واسمه ربيعة بن نجوان، وقال أبو جعفر محمد بن حبيب: هو نعمان بن نجوان، وكان نصرانيّا من بنى معاوية بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب:

كأنّ بنى مروان بعد وليدهمجلاميد ما تندى وإن بلّها القطر
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة
وكانوا أناسا ينفحون فأصبحواوأكثر ما يعطونك النّظر الشّزر
/أننسىإذا ما لم تنبكم كريهة

وندعى إذا ما هزهز الأسل الحمر

ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعلوقد خاب من كانت سريرته الغدر
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة
وكائن دفعنا عنكم من عظيمةولكن أبيتم لا وفاء ولا شكر
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة
ونحن قتلنا مصعبا قد علمتمبمسكن يوم الحرب أنيابها خضر
فما ربّ ذاك الفضل كاسر عينههشام ولا عبد العزيز ولا بشر
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة
فإن تكفروا ما قد علمتم فربّماأتيح لكم قسرا بأسيافنا النّصر
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة

قوله: «بعد وليدهم» أراد الوليد بن عبد الملك، لا الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

وقوله: «وكانوا أناسا ينفحون» وزن أناس: فعال، وناس منقوص منه، عند أكثر النحويين، فوزنه عال، والنقص والإتمام فيه متساويان فى كثرة الاستعمال ما دام منكورا، فإذا دخلت عليه الألف واللام التزموا فيه الحذف، فقالوا: الناس، ولا يكادون يقولون: الأناس إلا فى الشّعر، كقوله:

إنّ المنايا يطّلعن على الأناس الآمنينا

وحجّة هذا المذهب وقوع الإنس على الناس، فاشتقاقه من الأنس: نقيض الوحشة، لأن بعضهم يأنس ببعض.

وذهب الكسائىّ إلى أن الناس لغة مفردة، وهو اسم تامّ، وألفه منقلبة عن واو، واستدلّ بقول العرب فى تحقيره: نويس، قال: ولو كان منقوصا من أناس، لردّه التحقير إلى أصله فقيل: أنيس.

وقال بعض من وافق الكسائىّ فى هذا القول: إنه مأخوذ من النّوس، مصدر ناس ينوس: إذا تحرّك، ومنه قيل لملك من ملوك حمير: ذو نواس، لضفيرتين

كانتا تنوسان على عاتقه، قال الفراء: والمذهب الأول أشبه، وهو مذهب المشيخة.

وقال أبو علىّ: أصل الناس: الأناس، فحذفت الهمزة التى هى فاء، ويدلّك على/ذلك الإنس والأناسىّ، فأما قولهم فى تحقيره: نويس، فإنّ الألف لمّا صارت ثانية وهى زائدة، أشبهت ألف فاعل، يعنى أنها أشبهت بكونها ثانية وهى زائدة، ألف ضارب، فقيل: نويس، كما قيل: ضويرب.

وقال سلمة بن عاصم، وكان من أصحاب الفرّاء: الأشبه فى القياس أن يكون كلّ واحد منهما أصلا بنفسه، فأناس من الأنس، وناس من النّوس، لقولهم فى تحقيره: نويس، كبويب فى تحقير باب.

ومعنى ينفحون: يعطون المال، يقال: نفحه بالمال: إذا أعطاه، ولفلان نفحات من المعروف: أى عطايا.

والنّظر الشّزر: نظر الغضبان بمؤخر عينه.

وقوله: «أننسى» يحتمل أن يكون من النسيان، الذى هو نقيض الذّكر، بضمّ الذال، من قولهم: اجعله منك على ذكر: أى لا تنسه، ويحتمل أن يكون من النسيان الذى هو التّرك، من قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أى تركوا الله فتركهم.

وقوله: «ما لم تنبكم كريهة» يقال: نابه أمر: أى نزل به، والكريهة: الشّدّة فى الحرب.

وقوله: «هزهز الأسل» الأسل: القنا، والهزهزة: الهزّ.

وقوله: «ألم يك غدرا ما فعلتم بشمعل» شمعل: ترخيم شمعلة، وهو منقول من قولهم: ناقة شمعلة: أى سريعة، ومنه اشمعلّ فى أمره: إذا جدّ فيه ومضى، قال الشّماخ:

ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعلّ

وهو شمعلة بن فائد بن هلال التّغلبيّ، وكان عظيم القدر فى البادية، ذا جمال وفضل، وكان نصرانيّا، فطالبه هشام بن عبد الملك بأن يسلم، لما رأى من فضله وجماله، فأبى، فقال له هشام: لئن لم تفعل لأطعمنّك لحمك، وقال: حزّوا من فخذه حزّة خفيفة ولا تزيدوا على ذلك، ففعلوا، فقال: لو قطّعت لما أسلمت على هذا الوجه، فلما خلّى عنه قال أعداؤه: أطعمه هشام لحمه، فقال:

أمن حزّة فى الفخذ منّى تباشرتعداتى فلا نقص علىّ ولا وتر
وإنّ أمير المؤمنين وفعلهلكالدّهر لا عار بما فعل الدّهر

ورخّم «شمعلة» فى غير النداء ضرورة، وأعربه، لأنه رخّمه على لغة من قال:

يا حار، ولو رخّمه على اللغة الأخرى أقرّ فتحة اللام، واتّفق النحاة على جواز الترخيم فى غير النداء، على لغة الذين قالوا: يا حار، بالضم، لأن أصحاب هذه اللغة يجعلون الاسم بمنزلة ما لم يحذف منه شيء، فهم لا يريدون المحذوف، واختلفوا فى

الترخيم على اللغة الأخرى، فأجازه سيبويه، وأنشد فيه أبياتا، منها قول زهير:

خذوا حظّكم يا آل عكرم واذكرواأواصرنا والرّحم بالغيب تذكر
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «رأيت بني آل امرئ القيس أصفقوا»

أراد عكرمة، فحذف التاء، وبقيت فتحة الميم دالّة عليها.

ومنها قول ابن حبناء:

إنّ ابن حارث إن أشتق لرؤيتهأو أمتدحه فإنّ الناس قد علموا

أراد حارثة، وقول حسّان بن ثابت:

أتانى عن أمىّ نثا حديثوما هو فى المغيب بذى حفاظ

وقول جرير:

ألا أضحت حبالكم رماماوأضحت منك شاسعة أماما

حذف تاء التأنيث من أمامة، وهى مرفوعة بأضحت، وبقّى فتحة الميم، وجاء بعدها بألف الإطلاق، ومثل هذا فيما أنشده قول ابن أحمر:

أبو حنش يؤرّقنا وطلقوعمّار وآونة أثالا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «أغدوا واعد الحي الزبالا»

أراد أثالة، وأنشد قبله ليعلم أن القوافى منصوبة:

/أرى ذا شيبة حمّال ثقلوأبيض مثل صدر الرّمح نالا

يقال: رجل نال: إذا كثر نائله، كقولهم: رجل مال: إذا كان كثير المال، والأصل نول ومول، بوزن وتد، لأنّ مثال فعل من أمثلة المبالغة فى الوصف، ومنه فى التنزيل: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ومثل نال ومال: كبش صاف: كثير الصّوف، ويوم راح: شديد الرّيح، ومن الياء: يوم طان: كثير الطّين.

ومثل ترخيم شمعلة ترخيم حنظلة فى قول القائل:

ألا ما لهذا الدّهر من متعلّلعن الناس مهما شاء بالناس يفعل
وهذا ردائى عنده يستعيرهليسلبنى عزّى أمال بن حنظل

فأما ترخيم حنظلة فى قول الراجز:

وقد وسّطت مالكا وحنظلاصيّابها والعدد المجلجلا

فتحتمل الفتحة أن تكون فتحة البناء التى فى حنظلة، على لغة من قال: يا حار بالكسر، وتحتمل أن تكون نصبا على اللغة الأخرى بالعطف على مالك، والألف فى القول الأول للإطلاق، وفى القول الثانى بدل من التنوين.

ومثله قول الآخر:

أرقّ لأرحام أراها قريبةلحار بن كعب لالجرم وراسب

تحتمل الكسرة أن تكون التى للبناء فى حارث، على لغة الذين أبقوا ما قبل المحذوف على ما كان عليه، ويحتمل أن يكون جرّا على اللغة الأخرى، وأراد لحار، فحذف التنوين، كما تحذفه فى قولك: لزيد بن بكر.

وأبى أبو العباس محمد بن يزيد أن يكون ترخيم الضرورة، إلا على لغة من قال:

يا حار، بالضم، وخرّج بعض الأبيات التى أنشدها سيبويه على ما يسوغ فى مذهبه الذى عوّل عليه، وروى بعض تلك الأبيات على غير رواية صاحب الكتاب، فروى عجز بيت جرير:

/وما عهد كعهدك يا أماما

وقال فى قول زهير: «يا آل عكرم» إنه ترخيم عكرمة، على لغة من قال: يا حار بالضم، وكان حقّه أن يقول: يا آل عكرم، بالجر، ولكنه جعل عكرم قبيلة، فلم يصرف لاجتماع التعريف والتأنيث.

قال السّيرافىّ: وعكرمة هذا: عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، وهو أبو القبائل.

وقال أبو العباس فى قول ابن حبناء: «إنّ ابن حارث» كما قال فى «يا آل عكرم» وقال فى قول ابن أحمر:

أبو حنش يؤرّقنا وطلقوعمّار وآونة أثالا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «أغدوا واعد الحي الزبالا»

إن أثالا ترخيم أثالة، على لغة من قال: يا حار، بالضم، وانتصابه بالعطف على الضمير المنصوب فى «يؤرّقنا».

وهؤلاء المسمّون فى البيت من عشيرة ابن أحمر، كانوا هلكوا قتلا أو موتا، فرثاهم، فقوله «أثالا» على مذهب سيبويه ممن كان قتل أو مات يومئذ، لأنه معطوف على الأسماء المرفوعة، وفتحة اللام هى فتحتها التى فى أثالة، وهو فى قول أبى العباس ممّن كان يومئذ حيّا، لأن التأريق واقع عليه، وفتحة اللام على مذهبه إعراب.

قال السّيرافىّ: والذى عندى أنه وقع وهم فى أن الرجل أثالة، وإنما هو أثال، ولا نعلم فى أسماء العرب ولا فى أسماء المواضع أثالة، وقد عرف من كلامهم فى

أسماء الناس وغيرهم أثال، ووافق سيبويه فى أنه داخل فى جملة الهالكين يومئذ، وجعل انتصابه بإضمار فعل دلّ عليه «يؤرّقنا» فكأنه قال: ونتذكّر آونة أثالا، وآونة: جمع أوان.

ومن الاحتجاج لأبى العباس فى هذه المسألة أن من يقول: يا حار، يريد المحذوف، وإذا أراد/المحذوف كان منادى مستوجبا إعراب النداء، وإذا استوجب إعراب النداء لم يصحّ أن يرخّم فى غير النداء، لاختلاف الإعراب والحكم فى البابين، باب النداء، وباب الخبر، وهذا لا يلزم سيبويه، لأن الترخيم فى اللغتين أصله فى باب النداء دون غيره، وإن اختلف الحكم فيهما، وإذا ثبت جوازه فى أحد الوجهين، والأصل فيهما واحد جاز فى الوجه الآخر.

ومما يدلّ على مذهب سيبويه، ولم يكن فيه ما تأوله أبو العباس فى بيت زهير، فزعم أنه أراد يا آل عكرم، بالجر والتنوين، قول الشاعر:

أبا عرو لا تبعد فكلّ ابن حرّةسيدعوه داعى موته فيجيب

ألا ترى أنه لا يمكن أبا العباس أن يقول: إن «عرو» قبيلة، كما قال ذلك فى عكرمة، ولا يمكنه أن يقول: أراد أبا عرو، بالجرّ والتنوين، فمنعه من ذلك أن عرو لا ينصرف للتأنيث فى التعريف، وكذلك قول حسّان:

أتانى عن أمىّ نثا حديث

شاهد لسيبويه على أبى العباس، لأنه أراد أميّة بن أبى الصّلت الثّقفىّ، ولم يرد

القبيلة التى هى أميّة بن عبد شمس، ويوضّح ذلك مع الرواية قوله:

وما هو فى المغيب بذى حفاظ

فقد ثبت بهذا صحّة ما ذهب إليه سيبويه.

وقوله: «نثا حديث»: أى ظاهر حديث، يقال: نثا الحديث ينثره: إذا أظهره، وقال بعض أهل اللغة: النّثا: الذّكر القبيح، وقال أكثرهم: النّثا: الخبر، يكون فى الخير والشرّ، فأما الثّناء فممدود، وهو المدح لا غير.

وقول زهير: «واذكروا أواصرنا» الأواصر: جمع آصرة، وهى القرابة.

وقول الراجز: صيّابها والعدد المجلجلا.

الصّيّاب: جمع صيّابة، وهى الخيار من كلّ شيء. والمجلجل: المصوّت، وسحاب مجلجل: ذو رعد.

وقول أعشى تغلب:

وقد خاب من كانت سريرته الغدر

أنّث الغدر لما كان السّريرة فى المعنى، /لأن الخبر المفرد هو فى المعنى ما أخبرت به عنه، ومثل هذا فى التنزيل فيما وردت به الرواية عن نافع وأبى عمرو وعاصم، فيما رواه عنه أبو بكر بن عيّاش: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ بنصب الفتنة، وإسناد «تكن» إلى «أن قالوا»، فالتقدير: ثمّ لم تكن فتنتهم إلاّ قولهم، وجاز تأنيث القول لأنه الفتنة فى المعنى، ومثله رفع الإقدام ونصب العادة فى قول لبيد:

فمضىوقدّمها وكانت عادة

منه إذا هى عرّدت إقدامها

وإنما استجاز تأنيث الإقدام لتأنيث خبره، لأن الخبر إذا كان مفردا فهو المخبر عنه فى المعنى، وقد قيل فى الآية وفى بيت لبيد قول آخر، وذلك أنهم حملوا «أن قالوا» على معنى المقالة، وحملوا الإقدام على معنى التّقدمة، فجاء التأنيث فى فعليهما، كما جاء تأنيث فعل العذر فى قول حاتم:

أماوىّ قد طال التجنّب والهجروقد عذرتنى فى طلابكم العذر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»

لأنه ذهب به مذهب المعذرة، والقول الأول هو المأخوذ به، والثانى قول الكسائىّ، وليس فى بيت أعشى تغلب إلا ما ذكرناه أوّلا، فيجب أن يكون العمل عليه.

وقوله: «وكائن دفعنا عنكم» قد تقدم القول فى أصل كائن، ومعناها، وموضعها نصب بدفعنا، لأنه غير مشغول عنها، وقوله: «من عظيمة» تبيين لها، وقوله: «ولكن أبيتم لا وفاء ولا شكر» حذف مفعول «أبيتم» وكذلك حذف خبر المبتدأ الذى هو «وفاء» والتقدير: أبيتم أن تفوا لنا وتشكروا، فلا وفاء عندكم ولا شكر-آخر المجلس.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.