تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس الموفّى العشرين

وهو مجلس يوم السبت، رابع شعبان من سنة أربع وعشرين وخمسمائة.

/وقوله: «ونحن قتلنا مصعبا» كانت تغلب ممّن أبلى فى محاربة مصعب بن الزبير، مع عبد الملك بن مروان، وتغلب من ربيعة، والذى تولّى قتل مصعب ربعىّ، وهو عبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بنى تيم اللات بن ثعلبة، ويكنى أبا مطر، وكان فاتكا جلفا فظّا جبّارا، وهو الذى قال له مالك بن مسمع: أكثر الله فى العشيرة مثلك، فقال: سألت ربّك شططا.

ومسكن: من دجيل، ويعرف أيضا بدير الجاثليق، وهو المكان الذى فيه قبر مصعب، ولم يصرف مسكن، لأنه ذهب به مذهب البقعة.

وكان مصعب جمع الشجاعة والجود [والجمال] وبذل له عبد الملك الأمان، وجعل له بعد ذلك حكمه، فقال له ابنه عيسى: اقبل ما بذله لك، فقال:

لا والله، لا تتحدّث عنّى نساء قريش على مغازلها أنى هبت الموت، ولكن اذهب أنت حيث شئت، فقال عيسى: لا والله، لا يتحدّث الناس عنّى أنى أسلمت

أبى ضنّا عليه بنفسى، وقاتل حتى قتل، وتمثّل مصعب بقول القائل:

فإنّ الألى بالطّفّمن آل هاشم

تآسوا فسنّوا للكرام التّآسيا

وقاتل حتى قتل، فقال بعض شعراء الكوفة:

لقد أورث المصرين حزنا وذلّةقتيل بدير الجاثليق مقيم
تولّى قتال المارقين بنفسهوقد أسلماه مبعد وحميم
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
فما قاتلت فى الله بكر بن وائلولا صبرت عند اللّقاء تميم

وقوله: «يوم الحرب أنيابها خضر» أضاف اليوم إلى جملة الابتداء، وأصل إضافة أسماء الزمان إلى الجمل إضافتها إلى جملة الفعل، للشّبه الذى بين الفعل والزمان، وذلك من حيث كان الفعل عبارة عن أحداث متقضّية، كما أنّ الزمان حادث يتقضّى، والفعل نتيجة حركات الفاعلين، كما أنّ الزمان نتيجة حركات الفلك، ولذلك بنوا الفعل على أمثلة مختلفة، ليدلّ كلّ مثال على زمان غير الزمان/ الذى يدلّ عليه المثال الآخر، ولمّا أضافوا اسم الزمان إلى جملة الفعل لما ذكرنا، أضافوه أيضا إلى جملة الابتداء، لأنها أختها، فمن إضافته إلى جملة الفعل فى التنزيل، قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ و ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾

وأضافه القطامىّ إلى جملة الابتداء فى قوله:

الضّاربين عميرا عن بيوتهمبالتّلّ يوم عمير ظالم عادى

وسمّى السّيوف والرّماح والسّهام أنياب الحرب، لأنهم يقولون: عضّتهم الحرب، وحرب ضروس.

وقوله: «كاسر عينه هشام» أراد هشام بن عبد الملك، وكان أحول، وعبد العزيز وبشر: ابنا مروان بن الحكم.

وقوله: «أتيح لكم قسرا بأسيافنا النّصر» الإتاحة: التقدير، أتاح الله الشىء:

أى قدّره، والقسر: القهر، ومنه قيل للأسد: قسورة، لأن الواو فيه زائدة، والنّصر: الإعانة، والنّصر: الإتيان، نصرت أرض بنى فلان: أتيتها، والنّصر:

الإمطار، نصرت الأرض: إذا مطرت.

ومجىء الألف فى قول القائل: «وقد أسلماه مبعد وحميم» لغة الذين قالوا:

«أكلونى البراغيث»، تقول على هذه اللغة: قاما أخواك، وخرجوا إخوتك، وانطلقن إماؤك. فالألف والواو والنون علامات للتثنية والجمع، بمنزلة علامة التأنيث فى نحو: خرجت هند، وجاءت المرأة، وإنما لزمت علامة التأنيث الحقيقىّ فى لغة جميع العرب، ولم تلزم علامة التثنية والجمع، لأن التأنيث معنى لازم، والتثنية والجمع لا يلزمان، ألا ترى أن الاثنين يفترقان، وكذلك الجماعة، فممّا جاء على هذه اللغة قول الشاعر:

ألفيتا عيناك عند القفاأولى فأولى لك ذا واقيه

وقول الآخر:

/يلوموننى فى اشتراء النّخيل قومى فكلّهم ألوم

وقول الفرزدق:

ولكن ديافيّ أبوه وأمّهبحوران يعصرن السّليط أقاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»

[ديافيّ: منسوب إلى قرية بالشام. والسّليط: الشّيرق، وهو دهن السّمسم] وقد استعمل المتنبي هذه اللغة فى مواضع من شعره، منها قوله:

ورمى وما رمتا يداه فصابنىسهم يعذّب والسّهام تريح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

وقوله:

نفديك من سيل إذا سئل النّدىهول إذا اختلطا دم ومسيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

المسيح: هاهنا العرق، وسمّى مسيحا لأنه يمسح، فهو فعيل بمعنى مفعول.

وقد حمل بعض النّحويين موضعين من القرآن على هذه اللغة: أحدهما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ والآخر قوله جلّت عظمته: ﴿وَأَسَرُّوا﴾

﴿النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فكثير والذين ظلموا، على هذا القول فاعلان، وتحتمل الواو فى «عموا وصمّوا» أن يكونا ضميرين، و «كثير» بدلا من الواو التى فى «عموا» والواو الأخرى عائدة على «كثير» فكأنه قيل: عمى كثير منهم وصمّوا، وإنما اخترت هذا ليتناول العمى والصّمم الكثير منهم لفظا ومعنى، ويحتمل [كثير] أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وهم كثير منهم، أى أصحاب [هذين الوصفين] كثير منهم، وتحتمل واو «وأسرّوا النّجوى» أن تكون ضميرا عائدا على الناس، و «الّذين ظلموا» بدلا منها، ويحتمل موضع «الّذين ظلموا» أن يكون جرّا على البدل من الهاء والميم اللّتين فى «قلوبهم» فكأنه قيل: لاهية قلوب الذين ظلموا، ويحتمل أن يكون موضعه رفعا على البدل من الواو التى فى «استمعوه» فكأنه قيل: استمعه الذين ظلموا وهم يلعبون، ويحتمل أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أى هم الذين ظلموا، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا/على البدل من الهاء والميم اللّتين فى «يأتيهم» فكأنه قيل: ما يأتى الذين ظلموا من ذكر من ربّهم محدث إلا استمعوه لاعبين، ويحتمل أن يكون منصوب الموضع على الذّم، بتقدير: أعنى الذين ظلموا [أو أذمّ الذين ظلموا] ويحتمل أن يكون موضعه رفعا بالقول المضمر الذى حكيت به الجملة الاستفهامية بعده، كأنه قيل: يقول الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم.

وقال السّيرافىّ فى شرح الكتاب فى قولهم: «أكلونى البراغيث» ثلاثة

أوجه: أحدها ما قاله سيبويه، وهو أنهم جعلوا الواو علامة تؤذن بالجماعة وليست ضميرا، والثانى: أن تكون البراغيث مبتدأ، وأكلونى خبرا مقدّما، فالتقدير:

البراغيث أكلونى، والثالث: أن تكون الواو ضميرا على شرط التفسير، والبراغيث بدلا منه، كقولك: ضربونى وضربت قومك، فتضمر قبل الذّكر على شرط التفسير، قال: وقد كان الوجه على تقديم علامة الجماعة أن يقال: أكلتنى البراغيث، لأن ضمير ما لا يعقل من الذّكور كضمير الإناث، إلا أنهم جعلوا البراغيث مشبّهة بما يعقل حين وصفوها بالأكل، وهى مما يوصف بالقرص كالبقّ وشبهه، فأجروها مجرى العقلاء، ولهذا نظائر، منها قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ لمّا وصفها بالسّجود الذى لا يكون إلا للعقلاء، أجراها فى الإضمار والجمع مجراهم، وكذلك القول فى قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ لمّا وجّه الخطاب إلى النمل، والخطاب لا يوجّه فى الحقيقة إلا إلى العقلاء أجريت فى الإضمار مجرى العقلاء. انتهى كلام أبى سعيد.

وأقول: إنّ حمل الأكل على السّجود والخطاب، فى الاختصاص بالعقلاء، سهو منه، لأن البهائم مشاركة للعقلاء فى الوصف بالأكل، والقول عندى/ أننا لا نحمل قولهم: أكلونى البراغيث، على الأكل الحقيقىّ، بل نحمله على معنى العدوان والظّلم والبغى، كقولهم: أكل فلان جاره: أى ظلمه وتعدّى عليه، وعلى ذلك قول علّفة بن عقيل بن علّفة المرّىّ لأبيه:

أكلت بنيك أكل الضّبّ حتّىوجدت مرارة الكلإ الوبيل

أى ظلمتهم وبغيت عليهم، ومنه قول الممزّق العبدىّ:

فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلىوإلاّ فأدركنى ولمّا أمزّق

أى إن كنت مظلوما فتولّ [أنت] ظلمى، فظلمك لى أحبّ إلىّ من أن يظلمنى غيرك، فإذا حملنا الأكل فى قولهم: «أكلونى البراغيث» على هذا المعنى، صحّ إجراء البراغيث مجرى العقلاء، لأن الظلم والبغى والتعدّى من أوصاف العقلاء.

وقول علّفة بن عقيل: «أكلت بنيك أكل الضّبّ» شبّه فيه الأكل المستعار للتعدّى بالأكل الحقيقىّ، فإن شئت قدّرت أن المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل محذوف، أى أكلت بنيك أكلا مثل أكلك الضّبّ، وخصّ الضبّ بذلك لأن أكل الضّباب يعجب الأعراب، قال راجزهم:

وأنت لو ذقت الكشى بالأكبادلما تركت الضّبّ يعدو بالواد

الكشى: جمع كشية، وهى شحمة مستطيلة فى عنق الضّبّ إلى فخذه، وإن شئت قدّرت المصدر مضافا إلى فاعله، والمفعول محذوف، أى أكلت بنيك أكلا

مثل أكل الضّبّ أولاده، ومن أمثالهم: «أعقّ من ضبّ»، لأنه فيما يؤثر يأكل أولاده، وقال بعض أهل اللغة: قولهم: أعقّ من ضبّ، أصله: من ضبّة، وكثر ذلك فى كلامهم، فأسقطوا الهاء، قال: وعقوقها أنها تأكل أولادها، وذلك أنها إذا باضت حرست بيضها من الحيّة والورل، وغير ذلك مما يقدر عليه، فإذا نقبت أولادها وخرجت من البيض ظنّتها شيئا يريد بيضها فوثبت عليها فقتلتها وأكلتها، فلا ينجو منها/إلا الشّريد.

علّفة: منقول من واحد العلّف، وهو ثمر الطّلح، والوبيل فى قوله:

«وجدت مرارة الكلإ الوبيل» الوبيل: الوخيم، ويقال: وبل ووخم، بحذف الياء منهما، والوبيل أيضا: الضّرب الشّديد، والوبيل: الحزمة من الحطب، والوبيل:

خشبة القصّار التى يدقّ بها الثوب بعد غسله، والوبيل من الرّجال: الذى لا يصلح شيئا يتولاّه.

وكان عقيل بن علّفة غيورا، فكان يجيع بناته ويعرّيهن، فقيل له فى ذلك، فقال: أجيعهنّ فلا يبطرن، وأعرّيهنّ فلا يظهرن، وكان من غيرته [أنه] يسافر معه ببناته، فبينما هو فى بعض أسفاره ومعه بنوه وبناته إذ قال:

قضت وطرا من دير سعد وربّماعلى عجل ناطحنه بالجماجم

ثم قال لابنه العملّس: أجز يا عملّس، فقال:

فأصبحن بالموماة يحملن فتيةنشاوى من الإدلاج ميل العمائم

فقال لابنته الجرباء: أجيزى يا جرباء، فقالت:

كأنّ الكرى سقّاهم صرخديّةعقارا تمشّى فى المطا والقوائم

فقال: والله ما وصفتها بهذا الوصف إلا وقد شربتها، وأقبل عليها بالقطيع يضربها، فحال بنوه بينه وبينها، ورماه أحدهم بسهم فانتظم فخذيه، فقال:

إنّ بنىّ ضرّجونى بالدّممن يلق أبطال الرّجال يكلم
ومن يكن ذا أود يقوّمشنشنة أعرفها من أخزم

أخزم: اسم فحل، والشّنشنة: الشّبه، وقيل: هى السّجيّة والخليقة، وهذا مثل قديم اجتلبه عقيل بن علّفة، لأن أخزم هذا فى أكثر القولين جدّ حاتم الطائىّ، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أخزم بن أبى أخزم. والعملّس: من أسماء الذئب، والصّرخديّة: منسوبة إلى صرخد، قرية، والمطا: الظّهر.

/والقطيع: السّوط.

وأخذ الشريف الرّضىّ قول العملّس:

نشاوى من الإدلاج ميل العمائم

فى قوله:

من الرّكب ما بين النّقا والأناعمنشاوى من الإدلاج ميل العمائم
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «من الركب ما بين النقا والأناعم»

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.