من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الحادى والعشرون
وهو مجلس [يوم السّبت] ثالث عشر شعبان، سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ومن قصيدة لابن أحمر الباهلىّ، وهو عمرو بن أحمر بن العمرّد بن عامر بن عبد شمس بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر، وكان من شعراء الجاهليّة، وأدرك الإسلام:
أبت عيناك إلاّ أن تلجّاوتختالا بمائهما اختيالا
كأنّهما شعيبا مستغيثيزجّى ظالعا بهما ثفالا
وهى خرزاهما فالماء يجرىخلالهما وينسلّ انسلالا
على حيّين فى عامين شتّافقد عنّا طلابهما وطالا
وأيّام المدينة ودّعونافلم يدعوا لقائلة مقالا
فأيّة ليلة تأتيك سهوافتصبح لا ترى منهم خيالا
يؤرّقنا أبو حنش وطلقوعمّار وآونة أثالا
أراهم رفقتى حتّى إذا ماتجافى الليل وانخزل انخزالا
إذا أنا كالّذى أجرى لوردإلى آل فلم يدرك بلالا
أرى ذا شيبة حمّال ثقلوأبيض مثل صدر السّيف نالا
غطارف لا يصدّ الضّيف عنهمإذا ما طلّق البرم العيالا
بهم فخر المفاخر يوم حفلإذا ما عدّ بأسا أو فعالا
وبيض لم يخالطهنّ فحشنسين وصالنا إلاّ سؤالا
/وجرد يعله الدّاعى إليهامتى ركب الفوارس أو متالا
فوارسهنّ لا كشف خفافولا ميل إذا العرضىّ مالا
قوله:
أبت عيناك إلاّ أن تلجّا
دخلت «إلاّ» هاهنا موجبة للنفى الذى تضمّنه هذا الفعل، ألا ترى أنك إذا قلت: أبى زيد أن يقوم، فقد نفيت قيامه، فإذا قلت: أبى إلاّ أن يقوم، فقد أوجبت بإلاّ قيامه، لأنّ المعنى: لم يرد إلاّ أن يقوم، وفى التنزيل: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أى لا يريد الله إلاّ إتمام نوره.
وقولهم: أبى يأبى، مما شذّ عن القياس، لمجيئه على فعل يفعل، بفتح العين من الماضى والمستقبل، وليست عينه ولا لامه من حروف الحلق، وكان قياسه: يأبى مثل يأتى.
وقيل فى علّة ذلك قولان: أحدهما أنهم حملوه على منع، لأن الإباء والمنع نظيران، فحملوه على نظيره، كما حملوا يذر على يدع، لاتّفاقهما فى المعنى، وإن لم يكن فى يذر حرف حلقىّ.
والقول الآخر: أنهم أجروا الألف مجرى الهمزة، لأنها من مخرجها، فقالوا:
أبى يأبى، كما قالوا: بدأ يبدأ، والقول الأول أصحّ، لأن ألفات الأفعال لسن بأصول، وإنما هنّ منقلبات عن ياء أو واو، وألف «يأبى» إنما وجدت بعد وجود الفتحة الملاصقة لها، فلولا الفتحة لم تصر الياء ألفا، والفتحة فى يمنع ويبدأ ويجبه، ونحو ذلك إنما حدثت بعد وجود حرف الحلق.
وقال بعض النحويّين: إنما فتحوا عين يأبى على سبيل الغلط، توهّموا أن ماضيه على فعل، وعوّل أبو القاسم الثّمانينيّ على هذا القول، والصواب ما ذكرته أوّلا.
وقد حكيت حروف أخر متأوّلة، وهنّ سلا يسلى، وقلى يقلى، وغسا الليل يغسا، وجبا يجبا، من قولهم: جبا الخراج يجباه، ووجه تأوّلها أن بعض العرب قالوا/سلى يسلى، مثل رضى يرضى، وقال آخرون: سلا يسلو، مثل خلا يخلو، فركّبت طائفة ثالثة من اللغتين لغة ثالثة، وأخذوا الماضى من لغة من قال:
سلا، والمستقبل من لغة من قال: يسلى، قال رؤبة:
لو أشرب السّلوان ما سليتما بى غنى عنك وإن غنيت
السّلوان: جمع سلوانة، وهى خرزة كانوا يقولون: من شرب عليها سلا، قال آخر:
شربت على سلوانة ماء مزنةفلا وجديد العيش يا ميّ ما أسلو
وكذلك الأحرف الأخر، قال قوم: قلى يقلى، مثل مشى يمشى، وقال آخرون: قلى يقلى، مثل شقى يشقى، فركّبت قبيلة أخرى لغة أخرى، فقالوا:
قلى يقلى، وكذلك قال بعضهم على القياس: غسا يغسو، وبعض [غسا] يغسى، وقال قليل منهم: غسا يغسى، وحكى عن آخرين: أغسى يغسى
وجاء من الصحيح على طريقة هذه الأحرف حرفان، أحدهما قولهم على القياس: قنط يقنط، مثل ضرب يضرب، وقنط يقنط، مثل علم يعلم، وقال آخرون: قنط يقنط، مثل منع يمنع، فأخذوا الماضى من لغة من فتح عينه، والمستقبل من لغة من فتح عينه.
والحرف الآخر لحقه الشذوذ من جهتين، وذلك قول بعضهم: ركنت أركن، مثل ركبت أركب، قال الخليل: هى لغة سفلى مضر، وقول آخرين: ركنت أركن، مثل خرجت أخرج، وركّبت قبيلتان أخريان من اللّغتين لغيّتين نادرتين، فقالت إحداهما: ركنت أركن، مثل سألت أسأل، وقالت الأخرى: ركنت أركن، بكسر العين من الماضى وضمّها من المستقبل، وهذه أوغل فى الشّذوذ، ومثلها ما حكى عن ناس قليل أنهم قالوا: فضل يفضل.
فأمّا ما عينه أو لامه حرف من حروف الحلق الستة، فإن العين من مضارع فعل من هذا الضرب تفتح، طلبا للتّشاكل، وذلك أن الفتحة من الألف، /والألف تنشأ من الحلق، فحرّكوا العين بالحركة التى هى أقرب الحركات إلى حروف الحلق.
والحروف الحلق ثلاثة مخارج، فأقصاها مخرج الهمزة والهاء، وأوسطها مخرج
العين والحاء، وأدناها إلى الفم مخرج الغين والخاء، فممّا وقع الحلقىّ فيه همزة:
سأل يسأل، ودأب يدأب [وبدأ يبدأ] وبسأ به يبسأ، إذا أنس به
وممّا الحلقىّ منه هاء: ذهب يذهب، ونهض ينهض، وجبه يجبه، ونقه المريض ينقه.
وممّا الحلقىّ منه عين: جعل يجعل، ونعت ينعت، وصنع يصنع، ورتع يرتع.
وممّا الحلقىّ منه حاء: سحر يسحر، ونحر ينحر، ومدح يمدح، وسنح يسنح.
ومما الحلقىّ منه غين: شغل يشغل، وفغرفاه يفغر، ونزغ الشيطان ينزغ، ونبغ الرجل ينبغ: إذا قال الشعر فأجاد وليس ذلك فى أصله، ومنه النابغة.
ومما الحلقىّ منه خاء: فخر يفخر، وشخص يشخص، وسلخ يسلخ، وشمخ بأنفه يشمخ.
وليس هذا بمطّرد، بل قد يتبع بعض الأفعال القياس، فيجىء على يفعل أو يفعل، كقولهم: رجع يرجع، وزأر يزئر، ونأم ينئم، والنّئيم: صوت فيه ضعف، ومنه دخل يدخل، ونفخ ينفخ، وفرغ يفرغ، وصلح يصلح، وهو كثير، وربّما جاء فيه الفتح وغيره، كقولهم: صبغ يصبغ ويصبغ، ومضغ يمضغ ويمضغ، ودبغ يدبغ ويدبغ، ومخض يمخض ويمخض، ونطح ينطح وينطح، ومنح يمنح ويمنح، وهذا كثير أيضا.
فإن كان حرف الحلق فاء لم تفتح له العين، لأن الفاء من يفعل لا تكون إلا
ساكنة، وإنما تتحرّك فى المعتلّ العين بحركة منقولة إليها، كتحرّكها فى يقول ويبيع.
رجع التفسير إلى بيت ابن أحمر، وقوله: «وتختالا بمائهما» من قولهم: اختالت السماء وتخيّلت وأخالت وخيّلت: إذا تهيّأت للمطر، وسحابة مخيلة، بضمّ أولها: /متهيّئة للمطر، وما أحسن مخيلتها، مفتوحة الميم: أى دلالتها على الأمطار.
وقوله: «كأنّهما شعيبا مستغيث» شبّه عينيه بشعيبى رجل استغاث بالماء لشدّة عطشه وعطش أهله، وإذا كان كذلك بالغ فى ملء سقائه. والشّعيب: المزادة الضّخمة، وقال بعضهم: السّقاء البالى.
وقوله: يزجّى ظالعا بهما ثفالا
أى يسوق بالمزادتين بعيرا غامزا بطيئا، وإذا كان بهذين الوصفين كان انصباب الماء أكثر.
وقوله: «وهى خرزاهما» الوهى: الاسترخاء، أى استرخى خرزا هاتين المزادتين، «فالماء يجرى خلالهما» أى خلال الخرزين.
وقوله: «على حيّين» الحىّ من أحياء العرب: قبيلة متجاورة بيوتها.
وإن علّقت «على» بتلجّا، لفظا لم يجز، لأنه صلة «أن»، وقد فصل بينه وبين «على» كلام أجنبي، وكذلك لا تعلّقه بتختالا، لأنه معطوف على «تلجّا» فقد دخل بالعطف فى الصّلة، ولكن تعلّقه بفعل مقدّر يدلّ عليه «تلجّا» كأنك قلت: تبكيان على حيّين، لأنه أراد بقوله: «أن تلجّا» لجاجهما في البكاء.
وقوله: «في عامين» متعلّق بشتّا، ومعنى «شتّا» افترقا، ولا يجوز أن تكتب
«شتا» هاهنا بالياء، كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ لأن ألف «شتّا» فى البيت ضمير، وشتّى فى الآية اسم على فعلى، جمع شتيت، كقتيل وقتلى، وإنما ذكرت هذا لأنى وجدته فى نسخة بالياء.
وقوله:
فلم يدعوا لقائلة مقالا
أى لم يدعوا بهلاكهم لنائحة تأبينا، والتّأبين: مدح الميّت، أى قد أنفد الحزن عليهم أقوال النّوائح.
وقوله:
فأيّة ليلة تأتيك سهوا
أى تأتيك ذات سكون ولين، أى ليست تمرّ بك ليلة لا شرّ فيها يسهرك إلا رأيت منهم خيالا
وقوله: «يؤرّقنا أبو حنش» قد تقدم الكلام فى هذا البيت.
وقوله: «أراهم رفقتى» [أى أراهم رفقتى] فى المنام، «حتى إذا ما تجافى الليل»: أى ارتفع، من قوله تعالى: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ أى تنبو عنها وترتفع.
وقوله: «انخزل»: أى انقطع، وجواب إذا/من قوله:
إذا أنا كالّذى أجرى لورد
أوقع إذا المكانيّة جوابا للزمانية، لأنّ الزمانية من أدوات الشرط، والمكانية تكفى من الفاء فى الجواب، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أى فهم يقنطون، والمعنى: أراهم فى المنام كأنهم رفقة لى، فإذا استيقظت عند زوال الليل، كنت كالّذى أجرى دابّته ليرد سرابا ظنّه ماء فلم يدرك ما يبلّ يده.
وقوله: «أرى ذا شيبة» أى أرى منهم فى منامى أشيب حمّالا للثّقل، وأبيض كصدر السيف فى المضاء والحسن، نالا: أى ذا نوال كثير.
وقوله: «غطارف» القياس: غطاريف أو غطارفة، على تعويض تاء التأنيث من الياء، لأن الواحد غطريف أو غطراف، وإذا وقع حرف اللين رابعا لم يحذف فى التكسير والتحقير، لأنهم قد استجازوا أن يعوّضوا من الحرف المحذوف ياء قبل الطّرف، كقولك فى تكسير جردحل وتحقيره: جراديح وجريديح، فإذا ظفروا بحرف اللين واقعا هذا الموقع تمسّكوا [به] إلا إذا اضطرّ شاعر، ونقيض هذا زيادة الياء فيما لم يدخله حذف، كزيادتها فى الصّياريف من قوله:
تنفى يداها الحصا فى كلّ هاجرةنفى الدّراهيم تنقاد الصّياريف
والغطريف: السيّد السّخىّ، وقال بعض أهل اللغة: الغطريف: من الغطرفة، وهى التكبّر، ومثلها الغطرسة.
وقوله: «لا يصدّ الضّيف عنهم إذا ما طلّق البرم العيالا» أى لا يتجاوزهم الضيوف فى وقت تطليق البرم عياله، وذلك فى زمان البرد والجدب، والبرم: الذى لا يدخل مع القوم فى الميسر، ولا يتحمّل غرما لإصلاح حال. آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع