من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
تفسير قول الله ﷿
﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ الصبر فى قولك: صبرت على كذا وصبرت عنه،
معناه: حبست نفسى عليه وحبستها عنه، فلذلك تعدّى اصبر فى قوله: ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ بغير وساطة الجارّ، لأن المعنى: احبس نفسك، وقولهم: «قتل فلان صبرا» معناه حبسا، وهو مصدر وقع موقع الحال، يريدون مصبورا، قال عنترة:
فصبرت عارفة لذلك حرّةترسو إذا نفس الجبان تطلّع
أى حبست نفسا عارفة للشّدائد.
وقرأ ابن عامر: ﴿بِالْغَداةِ﴾ وبها قرأ أبو عبد الرحمن السّلمىّ، وأوجه القراءتين:
﴿بِالْغَداةِ﴾ لأن غدوة معرفة: علم للحين، ومثلها بكرة، تقول: جئتك أمس غدوة، ولقيته اليوم بكرة.
/قال الفراء: سمعت أبا الجرّاح يقول فى غداة يوم بارد: ما رأيت كغدوة قطّ، يريد غداة يومه، وقال الفرّاء: ألا ترى أن العرب لا تضيفها، وكذلك لا تدخلها الألف واللام، إنما يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. انتهى كلامه.
وأقول: إن حقّ الألف واللام الدخول على النّكرات، وإنما دخلتا فى الغداة، لأنك تقول: خرجنا فى غداة باردة، وهذه غداة طيّبة.
ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه قال: «زعم الخليل أنه يجوز أن تقول: أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلتهما بمنزلة ضحوة».
وإنما علّقوا غدوة وبكرة على الوقت علمين، لأنهما جعلا اسمين لوقت منحصر، ولم يفعلوا ذلك فى ضحوة وعشيّة، لأنهما لوقتين متّسعين.
ومما يحتجّ به لليحصبىّ، والسّلمىّ أنّ بعض أسماء الزمان قد استعملته العرب معرفة بغير الألف واللام، وقد سمع منهم إدخال الألف واللام [عليه] نحو ما حكاه أبو زيد من قولهم: لقيته فينة فينة يا فتى، غير مصروف، ولقيته الفينة بعد الفينة، أى الحين بعد الحين، ووجه إدخال الألف واللام فى هذا الضّرب أنه يقدّر فيه الشّياع.
قال أبو علىّ: ومثل ما حكاه سيبويه من قول العرب: هذا يوم اثنين مباركا فيه، وجئتك يوم اثنين مباركا فيه، استعملوه معرفة بغير ألف ولام، كما استعملوه معرفة بألف ولام، ومن ثمّ انتصب الحال عنه.
وإنما خصّ الله سبحانه الدّعاء بالغداة والعشىّ لشرف هذين الوقتين، فللدعاء فيهما فضل، وقال قتادة: هما صلاتان، صلاة الصبح وصلاة العصر، فذهب بالدّعاء إلى الصلاة، وقال الزّجّاج: يدعونه بالتوحيد والإخلاص، ويعبدونه، فقوله: «ويعبدونه» موافق لقول قتادة: هما صلاتان، صلاة الصبح وصلاة العصر، /قال: ومعنى ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ لا يقصدون بعبادتهم إلا إيّاه، وقال قتادة: ذكر لنا أنه لمّا نزلت هذه الآية قال النبىّ ﵌:
«الحمد لله الذى جعل فى أمّتى من أمرنى أن أصبر نفسى معه».
وقوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أى لا تتجاوزهم عيناك، من قولهم: لا تعد هذا الأمر، ولا تتعدّه، أى لا تتجاوزه، ولكنه أوصل إلى المفعول بعن، حملا على المعنى، لأنك إذا جاوزت الشىء وتعدّيته فقد انصرفت عنه، فحمل ﴿لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ على: لا تنصرف عيناك عنهم، وبهذا اللّفظ فسّره الفرّاء، ولهذا نظائر فى القرآن، وفى شعر العرب، فمنها تعدية الرّفث بإلى فى قوله تعالى جدّه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ وأنت لا تقول: رفثت إلى النّساء، ولكنه جيء به محمولا على الإفضاء الذى يراد به الملامسة فى مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ ومنها تعدية الإحماء فى قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ وهو متعدّ بنفسه فى قولك: أحميت الحديدة، قال الشاعر:
إن تك جلمود صخر لا أؤيّسهأو قد عليه فأحميه فينصدع
أؤيّسه: أذلّله، وإنما حمل «يحمى» على يوقد، لأن الإيقاد عليها هو السبب
المؤدّى إلى إحمائها، فأجرى ﴿يُحْمى عَلَيْها﴾ مجرى يوقد عليها، والمعنى تحمى هى.
ومن ذلك تعدية «يخالف» بعن في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ وهو فى قولك: خالفت زيدا، غير مفتقر إلى التعدّى بالجارّ، وإنما جاء محمولا على ينحرفون عن أمره، أو يروغون عن أمره.
ومثله تعدية «رحيم» بالباء فى نحو: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ حملا على رءوف فى نحو ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ ألا ترى أنك تقول: رأفت به، ولا تقول: رحمت به، ولكنه لمّا وافقه فى المعنى نزّل منزلته فى التعدية، ومن هذا الضرب قول أبى كبير الهذلىّ:
/حملت به فى ليلة مزءودةكرها وعقد نطاقها لم يحلل
عدّى «حملت» بالباء، وحقّه أن يصل إلى المفعول بنفسه، كما جاء فى التنزيل: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً﴾ [ولكنه قال: حملت به، لأنه فى معنى: حبلت به]
وشبيه بهذا وضع الجارّ فى موضع الجارّ، لاتفاق الفعلين فى المعنى، كقوله تعالى:
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ والجارى على ألسنتهم: ظفرت به، وأظفرنى الله به، ولكن جاء أظفركم عليهم، محمولا على أظهركم عليهم.
ومن زعم أنه كان حقّ الكلام: «لا تعد عينيك عنهم» لأن «تعدو» متعدّ بنفسه، فليس قوله بشىء، لأنّ عدوت وجاوزت بمعنى، وأنت لا تقول: جاوز فلان عينيه عن فلان، ولو جاءت التّلاوة بنصب العينين، لكان اللفظ بنصبهما محمولا أيضا على: لا تصرف عينيك عنهم، وإذا كان كذلك فالذى وردت به التلاوة من رفع العينين يئول إلى معنى النّصب فيهما، إذ كان ﴿لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم: لا تصرف عينيك عنهم، فالفعل مسند إلى العينين وهو فى الحقيقة موجّه إلى النبىّ ﵌، كما قال: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ﴾ فأسند الإعجاب إلى الأموال، والمعنى لا تعجب يا محمد بأموالهم. فتبيّن ما ذكرته فى هذا الفصل، فإذا عرفته عرفت جهل الذى زعم أنه كان حقّ العينين فى الآية النصب.
ويزيدك وضوحا فى أن معنى الرفع كمعنى النّصب، وأن الفعل فى كلا الوجهين محمول على معنى الصّرف، قول الزجّاج: إنّ معنى لا تعد عيناك عنهم: لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوى الهيئات والزينة، وذلك أن جماعة من عظماء المشركين قالوا للنبى ﵇: باعد عنك هؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وهم موال وليسوا بأشراف، لنجالسك ونفهم عنك، يعنون خبّابا وصهيبا وعمّارا وسلمان وبلالا، ومن أشبههم، فأمره الله أن يجعل إقباله على المؤمنين، ويلزم/نفسه مجالستهم، ولا يلتفت إلى قول من سوّل له مباعدتهم بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ ومعنى أغفلنا قلبه: وجدناه غافلا، كقولك: لقيت فلانا فأحمدته، أى وجدته محمودا. وقال عمرو بن معديكرب لبنى الحارث بن كعب:
«والله لقد سألناكم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبنّاكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم» أى ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين.
وقوله: ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ قال المفسّرون: سرفا، وقال بعضهم: سرفا وتضييعا، وقال أبو عبيدة: ندما، وقال ابن قتيبة كقول أبى عبيدة، وقال: أصله العجلة والسّبق، يقال: فرط منه قول قبيح: أى سبق، ومنه فرس فرط: أى متقدّم للخيل.
وقال الزجّاج: أى كان أمره التّفريط، والتّفريط: تقديم العجز، وقال الفرّاء:
كان أمره متروكا لإفراطه فى القول، يعنى عيينة بن حصن الفزارىّ، قال: نحن رءوس مضر وأشرافها، إن أسلمنا أسلم الناس، وعاب سلمان وأشباهه. آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع