من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثالث والعشرون
وهو مجلس يوم الثلاثاء، سلخ جمادى الأولى من سنة ستّ وعشرين وخمسمائة.
تفسير قوله ﷿: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾.
يقال: اجتنبت الشىء: أى اعتزلته جانبا، وإن شئت أخذته من الجنابة، وهى البعد، قال علقمة بن عبدة:
فلا تحرمنى نائلا عن جنابةفإنّى امرؤ وسط البيوت غريب
فالمعنى على هذا: باعدوا، وكلا القولين يرجع إلى أصل واحد.
والظنّ هاهنا: /التّهمة، ومنه قراءة من قرأ: «وما هو على الغيب بظنين» أى بمتّهم، قال أبو علىّ فى كتاب العوامل: وعلى هذا قوله: «أو ظنين فى ولاء» والصواب: «أو ظنينا» هكذا هو منصوب، عطف على مستثنى موجب فى رسالة
عمر رضوان الله عليه إلى أبى موسى، وذلك قوله: «المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا فى حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب».
وقال أبو إسحاق الزجّاج: أمر الله باجتناب كثير من الظّن، وهو أن نظنّ بأهل الخير سوءا، إذا كنّا نعلم أن الذى ظهر منهم خير، فأمّا أهل السوء والفسوق فلنا أن نظنّ بهم مثل الذى ظهر منهم.
وقوله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾: أى ولا تبحثوا عن الأخبار، ومنه أخذ الجاسوس، فهذا يعرف بالنّطق والسّمع، وقد يكون هذا المعنى باليد، كقولك: جسست الكبش بيدى، وذلك لتنظر أسمين هو أم هزيل.
وقال ابن دريد: وقد يكون الجسّ بالعين، وأنشد:
فاعصوصبوا ثم جسّوه بأعينهم
قال الضحّاك بن مزاحم: قوله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أى لا تلتمس عورة أخيك، وقرأه أبو رجاء والحسن وابن سيرين: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ بالحاء، وهو من إحساس البصر، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أى هل ترى؟
وقوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ قال قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يشينه، وتعيبه بما فيه، فإن كذبت عليه فذاك البهتان، وقال الزّجّاج: الغيبة أن تذكر الإنسان من خلفه بسوء، وإن كان فيه السّوء، فأمّا ذكره بما ليس فيه فذلك البهت والبهتان، كذلك جاء عن النبىّ ﵌.
وقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ الهاء فى ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ عائدة على الأكل، وفى الكلام اختصار/شديد، والتقدير فيما أراه أن الجملة التى هى ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ خبر لمبتدإ مقدّر، وبعدها تقدير كلامين حذفا للدلالة عليهما، كأنه قيل: فأكل لحم أخيكم ميتا كرهتموه، والغيبة مثله فاكرهوها، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره معطوفة على الجواب الذى يقتضيه الاستفهام، لأن قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ جوابه:
لا و «لا» إنما تقع فى الجواب نائبة عن جملة، وكذلك كل حرف جوابىّ، نحو بلى ونعم، يقوم مقام جملة، فإذا قال القائل: ألم أكرمك؟ قلت: بلى، فالتقدير: بلى قد أكرمتنى، وإن قلت: لا، فالتقدير: لا لم تكرمنى، فالحرف الجوابىّ ينوب عن هذه الجملة، وربّما جيء بها مذكورة بعده توكيدا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ وإذا عرفت هذا فجواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ تقديره: لا يحبّ أحد منّا ذلك، فقيل لهم: فأكل لحم أخيكم ميتا كرهتموه، والغيبة مثله فاكرهوها. ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيجوز أن يكون قوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ معطوفا على هذا الأمر المقدّر، ويجوز أن يكون معطوفا على ما تقدّم من الجملة الأمريّة فى أول الآية، وهى قوله: ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾
ويجوز أن يكون معطوفا على الجملة النّهييّة التى هى قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ فإن عطفته على المحذوف المقدّر فحسن، ونظيره قوله: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾.
التقدير: فضرب فانفجرت، وقد جاء ما هو أكثر من هذا، وهو تقدير معطوفين، فى قوله جلّ اسمه: ﴿فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى﴾ التقدير: فضربوه فحيى، وجاء ما هو أشدّ من هذا، وهو تقدير ثلاث جمل معطوفة فى قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ -ثم قال: - ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ فالتقدير: فأرسلوه فأتى يوسف فقال له: /يوسف أيّها الصدّيق. فحذوف القرآن كثيرة عجيبة، والذى ذكرته من التقديرات والحذوف فى هذه الآية مشتمل على حقيقة الإعراب مع المعنى.
وذكر الزجّاج وأبو علىّ فى تفسير قوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تفسيرا تضمّن المعنى دون حقيقة الإعراب، قال الزجّاج فى تقدير المحذوف: فكما تكرهون أكل لحمه ميتا، كذلك تجنّبوا ذكره بالسّوء [غائبا] وقال أبو علىّ فى التذكرة: فكما كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوا غيبته واتّقوا الله.
وقال الفرّاء: فقد كرهتموه فلا تفعلوه، يريد: فقد كرهتم أكل لحمه ميتا فلا تغتابوه، فإنّ هذا كهذا، فلم يفصح بحقيقة المعنى.
وقرئ فيما خرج عن القراءات المشهورة ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ بالتشديد، على ما لم يسمّ فاعله، أى بغّض إليكم.
وقرأ نافع بن أبى نعيم [ميّتا] بالتشديد، والميّت والميت بمعنى، كالهيّن والهين، واللّيّن واللّين، والطّيّب والطّيب، ومنه طيبة، اسم المدينة، سمّاها به رسول الله ﵌، مخفّفة من طيّبة، ويدلّك على أنه لا فرق بين الميّت والميت قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميتإنما الميت ميّت الأحياء
ألا ترى أنه أوقع المخفّف والمشدّد على شيء واحد، قال أبو علىّ فى الحجّة:
وكذلك قول الآخر:
ومنهل فيه الغراب الميت
قال: فلو شدّد لجاز.
قلت: يجوز ذلك إذا أخرج عمّا بعده، لأن بعده:
سقيت منه القوم واستقيت
وانتصاب «ميت» فى الآية على الحال من «أخيه» وقد قدّمت فيما مرّ من الأمالى أن الحال من المضاف إليه مما قلّ استعماله، وجاء ذلك فى قول الجعدىّ:
كأنّ حواميه مدبرا
وفى قول أبى الصّلت الثقفىّ:
فى رأس غمدان دارا منك محلالا
فى أحد الوجهين، وسأذكر لك إن شاء الله شرح هذين البيتين، بعد استقصاء الكلام فى «كلّ وبعض» وذلك أنه تعالى جدّه قطع «بعضا» عمّا يقتضيه من الإضافة فى قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وكذلك قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ والأصل: لا يغتب بعضكم بعضكم، وكلّهم آمن بالله، ولتقدير الإضافة فيهما امتنع بعض النّحويين من إدخال الألف واللام عليهما، ويجوز فى قياس قول سيبويه، وفى رأى أبى علىّ، لحاق الألف واللام لهما، وذلك أن سيبويه أجاز فى قول الشاعر:
ترى خلقها نصفا قناة قويمةونصفا نقا يرتجّ أو يتمرمر
[يروى: «ترى خلفها» ودل على ذلك قوله: «ونصفا نقا» وذلك لأن العجيزة لا تكون إلا خلفها].
أن تنصب نصفا على أنه حال، يعنى أنه كان أصله: ترى خلقها قناة قويمة نصفا، ونقا يرتجّ نصفا، فلما قدّم وصف النكرة عليها، صار انتصابه على الحال، ولمّا أجاز انتصاب «نصف» على الحال دلّ ذلك على أنه عنده نكرة، وإذا كان نكرة جاز دخول الألف واللام عليه، لأنه إنما يكون فى قطعه عن الإضافة معرفة، إذا قدّرت إضافته إلى معرفة، وإذا لم تقدّر إضافته إلى معرفة كان نكرة، وإذا كان نكرة جاز دخول الألف واللام عليه، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وكلّ وبعض مجراهما مجرى نصف، لأنه يقتضى الإضافة إلى ما هو نصف له، كما أن كلاّ يقتضى الإضافة إلى ما هو كلّ له، وبعضا يقتضى الإضافة إلى ما هو بعض له، فإذا قدّرت إضافة كلّ وبعض إلى المعارف كانا معرفتين، وإذا قدّرت إضافتهما إلى النّكرات كانا نكرتين، فهما فى هذا بمنزلة نصف، تقول: نصف دينار، ونصف الدينار، وكلّ رجل، وكلّ الرجال، وبعض رغيف، وبعض الرغيف.
قال أبو علىّ: وممّا يدلّ على صحة جواز دخول الألف واللام عليهما أن أبا الحسن الأخفش حكى أنهم يقولون: مررت بهم كلاّ، فينصبونه على الحال، ويجرونه مجرى: مررت بهم جميعا، وإذا جاز انتصابه على الحال، فيما حكاه عن
/العرب، فلا إشكال فى جواز دخول الألف واللام عليه، ولا اعتبار بما وقع من المعارف فى مواقع الأحوال، كقولهم: طلبته جهدك، ورجع عوده على بدئه، وأرسلها العراك، لأن هذه مصادر عملت فيها أفعال من ألفاظها مقدّرة، وتلك الأفعال واقعة فى مواقع الأحوال، والأفعال نكرات فلا يمتنع وقوع الفعل موقع الحال، والتقدير: طلبته تجهد جهدك، ورجع يعود عوده، وأرسلها يعارك بعضها بعضها العراك.
فإن قيل: فقد قالوا: القوم فيها الجمّاء الغفير، فنصبوا الجمّاء على الحال، وفيه الألف واللام وليس بمصدر.
قيل: إن النحويين قد قدّروا الألف واللام فى هذا الاسم تقدير الزّيادة، كما قدّروهما زائدين فى قولهم: إنى لأمرّ بالرجل مثلك فيكرمنى، وكما جاءت زيادتهما فى مواضع كثيرة نحو:
على قنّة العزّى وبالنّسر عندما
و:
يا ليت أمّ العمر كانت صاحبى
و:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا
وكزيادتهما فى الذى ونحوه، وإذا ساغ التأويل فى قولهم: «هم فيها الجمّاء الغفير» لم يكن لمن جعل الحال معرفة حجّة فى ذلك، وتأنيث الجمّاء لتأنيث الجماعة، واشتقاقها من الجمّ وهو الكثير، وفى التنزيل: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ والغفير: مأخوذ من الغفر، وهو التّغطية والسّتر، كأنهم يسترون الأرض بكثرتهم.
فإن قلت: فقد قالوا: كلّمته فاه إلى فىّ، فنصبوا المضاف إلى المعرفة على الحال وليس بمصدر فنعمل فيه فعلا من لفظه، ونحكم بأن فعله واقع موقع الحال، ولا هو من أسماء الفاعلين وغيرها، مما يقدّر بإضافته الانفصال.
فالجواب: أن «فاه» عند النحويين منتصب بمحذوف مقدّر، وذلك المحذوف كان هو الحال فى الحقيقة، وهذا المنصوب المعرفة قائم مقامه، وتقديره: جاعلا /فاه إلى فىّ.
على أنّ هذه الكلم التى وضعوها مواضع الأحوال وهى معارف، لو كانت خالية
من تأويل يدخلها فى حيّز النّكرات لما ساغ الاحتجاج بها، لأن ذلك عدول عن العامّ الشائع إلى الشاذّ النادر.
فقد ثبت بما ذكرنا أن دخول الألف واللام على «كلّ وبعض» جائز من جهتين: إحداهما أنك لا تقدّرهما مضافين إلى معرفة، وإذا لم تقدّر إضافتهما إلى معرفة جريا مجرى «نصف» وغيره من النّكرات المتصرّفة.
والجهة الأخرى: أن يكون «كلّ» على ما ذكره أبو الحسن من استعمالهم إيّاه حالا بمعنى جميعا، فيجوز دخول الألف واللام عليه، كما دخلا فى الجميع، فقد ثبت بهذا أنّ من امتنع من دخول الألف واللام عليهما مخطئ.
فإن قيل: فقد علمت أن «كلاّ وبعضا» مما لا ينفكّ من الإضافة لفظا ومعنى، أو معنى لا لفظا، فهما فى ذلك بمنزلة «قبل وبعد» فما الفرق بينهما وبين «قبل وبعد» حتى أجزتم دخول الألف واللام عليهما، ولم يأت ذلك فى «قبل وبعد» وحتى جاء بناء «قبل وبعد» على الضمّ فى حال إفرادهما، إذا قدّرا مضافين إلى معرفة، ولم يأت ذلك فى كلّ وبعض؟
فالجواب: أنّ امتناع الألف واللام من الدخول على «قبل وبعد» من حيث لم يستعملا إلاّ ظرفين ناقصى التمكّن، فجريا فى ذلك مجرى الظّروف التى لم تتمكّن كإذ ولدن وعند ولدى، وساغ البناء فيهما إذا أفردا لنقصان تمكّنهما فى حال الإضافة، ألا تراهما لا يرفعان مضافين، وليس بعد نقصان التمكّن مع حذف المضاف إليه، وهو جار مجرى بعض أجزاء المضاف إلا البناء، وليس كذلك «كلّ وبعض»، لأنهما اسمان متمكّنان كلّ التمكّن، فأنعم النظر فيما ذكرته لك من هذه الفصول، لتعرف حقيقتها بتوفيق الله.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع