من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الرابع والعشرون
/ وهو مجلس يوم الثلاثاء، الثامن من جمادى الآخرة، سنة ستّ وعشرين وخمسمائة.
يتضمّن قول النابغة الجعدىّ فى وصف فرس:
كأنّ حواميه مدبراخضبن وإن كان لم يخضب
حجارة غيل برضراضةكسين طلاء من الطّحلب
الحاميتان: ناحيتا الحافر عن يمين وشمال، وقال ابن قتيبة: «الحاميتان عن يمين السّنبك وشماله، والسّنبك: طرف مقدّم الحافر»، وقيل: الحامية: أعلى الحافر، والقول الأوّل أثبت.
والغيل: الماء الجارى على وجه الأرض.
والرّضراضة: [الأرض] الصّلبة، ويستحبّ فى الحوافر أن تكون سودا أو خضرا لا يبيضّ منها شيء، لأنّ ابيضاضها رقّة، شبّه حوافره بحجارة مقيمة فى ماء قليل، وذلك أصلب لها، ويقال للصّخرة التى بعضها فى الماء وبعضها خارج: أتان
الضّحل، والضّحل: الماء القليل، وذلك النهاية فى صلابتها، وإيّاها عنى المتنبّى بقوله:
أنا صخرة الوادى إذا ما زوحمت
وإذا كانت جوانب الحافر صلابا، على الوصف الذى ذكرناه، وكانت سودا أو خضرا، فمقاديمها أصلب وأشدّ سوادا أو خضرة.
وقوله: «خضبن» عند أبى علىّ: فى موضع نصب، بأنه حال من الحوامى، والعامل فيه ما فى «كأنّ» من معنى الفعل، كقول النابغة الآخر، فى وصف قرن الثّور، ونفوذه فى صفحة الكلب:
كأنّه خارجا من جنب صفحتهسفّود شرب نسوه عند مفتأد
والشّرب: جمع شارب، والمفتأد: المطبخ والمشتوى.
ولم يجعل «خضبن» خبر كأنّ، لأنه جعل خبرها قوله: «حجارة غيل» ولم يجز أن يكونا خبرين لكأنّ، على حدّ قولهم: هذا حلو حامض، أى قد جمع الطّعمين، قال: لأنك لا تجد فيما أخبروا/عنه بخبرين أن يكون أحدهما مفردا والآخر جملة، لا تقول: زيد خرج عاقل.
والقول عندى أن يكون موضع «خضبن» رفعا بأنه خبر كأنّ، وقوله:
«حجارة غيل» خبر مبتدأ محذوف، أى هى حجارة غيل، وأداة التشبيه محذوفة، كما قال:
فهنّ إضاء صافيات الغلائل
أى مثل إضاء، والإضاء: الغدران، واحدها: أضاة، فعلة جمعت على فعال، كرقبة ورقاب، شبّه الدّروع فى صفائها بالغدران، ومثله فى حذف حرف التشبيه فى التنزيل: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أى مثل أمّهاتهم فى تحريمهنّ عليهم، والتزامهم تعظيمهنّ.
وأما قوله: «مدبرا» فحال من الهاء، والعامل على رأى أبى علىّ ما تقدّره فى المضاف إليه من معنى الجارّ، يعنى أن التقدير: كأنّ حوامى ثابتة له مدبرا، أو كائنة له، قال: ولا يجوز تقديم هذه الحال، لأنّ العامل فيها معنى لا فعل محض، قال: ولا يجوز أن يكون العامل فى قوله: «مدبرا» ما فى «كأن» من معنى الفعل، لأنه إذا عمل فى حال لم يعمل فى أخرى، يعنى أنّ «كأن» قد عمل فى موضع «خضبن» النصب على الحال، فلا يعمل فى قوله: «مدبرا». وهذا القول يدلّ على أنه يجيز أن ينصب حال المضاف إليه العامل فى المضاف، وإذا كان هذا جائزا عنده، وقد قرّرت لك أن تجعل «خضبن» خبر كأن، فالعامل إذا
فى قوله «مدبرا» ما فى كأنّ من معنى الفعل، وهذا-أعنى نصب حال المضاف إليه بالعامل فى المضاف-إنما يجوز إذا كان المضاف ملتبسا بالمضاف إليه، كالتباس الحوامى بما هى له، ولا يجوز فى قولك: ضربت غلام هند جالسة، أن تنصب «جالسة» بضربت، لأن الغلام غير ملتبس بهند، كالتباس الحوامى بصاحبها، ولا يجوز عندى أن تنصب «جالسة» بما تقدّره من معنى اللام فى المضاف إليه، فكأنك قلت: ضربت غلاما كائنا لهند جالسة، لأن ذلك يوجب أن يكون الغلام لهند فى حال جلوسها خاصّة، وهذا مستحيل، فكذلك قوله: «كأنّ حواميه مدبرا» إن قدّرت/فيه: حوامى ثابتة له مدبرا، وجب أن يكون الحوامى له فى حال إدباره، دون حال إقباله، وهذا يوضّح لك فساد إعمالك فى هذه الحال معنى الجارّ المقدّر فى المضاف إليه، فلا يجوز إذا: ضربت غلام هند جالسة لذلك، ولعدم التباس المضاف بالمضاف إليه.
ونظير ما ذكرناه: من جواز مجىء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف ملتبسا به، قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ أخبر بخاضعين عن المضاف إليه، ولو أخبر عن المضاف لقال: خاضعة، أو خضّعا أو خواضع، وإنما حسن ذلك، لأن خضوع أصحاب الأعناق بخضوع أعناقهم، وقد قيل فيه غير هذا، وذلك ما جاء فى التفسير، من أنّ المراد بأعناقهم كبراؤهم، وقال أهل اللغة:
أعناقهم: جماعاتهم، كقولك: جاءنى عنق من الناس: أى جماعة، فالخبر فى هذين القولين عن الأعناق.
وقال أبو علىّ فى «مخضّب» من قول الأعشى:
أرى رجلا منكمأسيفا كأنّما
يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا
أقوالا: أحدها: أن يكون وصفا لكفّ، وقال: يجوز أن يكون كقوله:
ولا أرض أبقل إبقالها
ويجوز أن يكون حمل الكفّ على العضو، كما حمل الآخر البئر على القليب، فى قوله:
يا بئر يا بئر بنى عدىّلأنزحن قعرك بالدّلىّ
حتى تعودى أقطع الولىّ
أى حتّى تعودى قليبا أقطع الولىّ، لأنّ التذكير فى القليب أكثر، ألا ترى أنهم قد قالوا فى جمعه: أقلبة، يعنى أن أفعلة هو القياس فى جمع ما كان على فعيل ونحوه، كفعال وفعال [وفعال] إذا كان واقعا على مذكّر، كقفيز وحمار وغراب وفدان، فإذا كان اسما لمؤنّث غلب عليه جمعه على أفعل، كيمين وأيمن، وشمال
وأشمل، وعناق/وأعنق، وعقاب وأعقب، وأتان وآتن، وقد جاء فى القليب التّذكير والتأنيث، فجمعهم إياه على أقلبة، كقفيز وأقفزة، دليل على قوّة التذكير فيه، فلمّا لم يقل: قطعاء الولىّ، علمنا أنه حمل البئر على القليب.
وأمّا «الولىّ» فكأنه أراد به الماء الذى يلى الماء الموجود فى البئر، إذا نزح الموجود وليه ماء آخر، كان معدوما فظهر.
قال أبو علىّ: ومثله فى الحمل على المعنى قول الأعشى أيضا:
لقوم وكانوا هم المنفدينشرابهم قبل إنفادها
أنّث الشّراب، حيث كان الخمر فى المعنى، كما ذكّر «الكفّ» حيث كان عضوا فى المعنى، وهذا النحو كثير.
قلت: إن قوله: «لقوم» وصف لنكرة تقدّم ذكرها [فى قوله]:
فباتت ركاب بأكوارهالدينا وخيل بألبادها
وإنما قال: «باتت ركاب بأكوارها، وخيل بألبادها» لأنهم جاءوا فى طلب الخمر، فباتت ركابهم وخيلهم بحالها، لأنهم على سفر، والرّكاب: إبل القوم التى يركبونها ويمتارون عليها، وواحد الأكوار: كور، وهو رحل البعير بأداته.
وفى تأنيث الضمير من قوله: «قبل إنفادها» قولان: أحدهما أن يكون أراد قبل إنفاد عقولهم، فيكون من باب: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ لأن ذكر الشّراب وإنفاده دليل على نفاد عقول شاربيه، وقد أشبعت الكلام على هذا الضّرب من الإضمار فيما سبق من الأمالى، وهذا قول الأصمعىّ.
والقول الآخر الذى ذكره أبو علىّ هو قول المورّج السّدوسىّ، وذلك حمل الشّراب على الخمر، ومفعول الإنفاد على هذا القول محذوف، أى قبل إنفادها عقولهم، والفاعل فى القول الأول هو المحذوف، أى قبل إنفاد الشّراب عقولهم، لأن فاعل المصدر يحذف كثيرا.
/فإن قيل: ما وجه التّمدّح بإنفاد خمرهم قبل نفاد عقولهم؟
فالجواب: أنهم يمدحون ويتمدّحون بكثرة شرب الخمر، فيقولون: رجل خمّير وشرّيب، كما قال:
شرّيب خمر مسعر لحروب
وإنما بنوه على فعّيل، لأنه من أبنية التّكثير، ومثله: رجل سكّيت: كثير السّكوت، وإذا لم يكد يسكر شارب الخمر دلّ ذلك على إدمان شربها، وبذلك مدح المتنبى سيف الدّولة فى قوله:
تعجّبت المدام وقد حساهافلم يسكر وجاد فما أفاقا
ومدح آخر فقال:
مرتك ابن إبراهيم صافية الخمروهنّئتها من شارب مسكر السّكر
قال أبو علىّ: ويجوز أن يكون جعل «المخضّب» للرجل، لأنك تقول: رجل مخضوب: إذا خضبت يده، كما تقول: مقطوع: إذا قطعت يده، فتقول على هذا: رجل مخضّب: إذا خضّبت يده، ويقوّى ذلك قول الشاعر:
سقى العلم الفرد الذى فى ظلالهغزالان مكحولان مختضبان
فإذا استقام ذلك أمكن أن تجعل «مخضّبا» صفة لرجل المنكور، وإن شئت جعلته حالا من الضمير المرفوع فى يضمّ، أو المجرور فى قوله: «كشحيه» لأنهما فى المعنى لرجل المنكور. انتهى كلامه، وذلك فى باب ما أنّث من الأسماء من غير لحاق علامة من العلامات الثلاث به.
وأقول: إنك إذا جعلته حالا من المضمر فى «يضمّ» كان أمثل من أن تجعله حالا من المضاف إليه، إلا أن ذلك جاز لالتباس الكشحين بما أضيفتا إليه، وأما إجازته أن يكون وصفا لرجل، ففاسد فى المعنى، وهو محمول على ترك إنعام نظره فيه، لأنك إذا فعلت ذلك أخرجته من حيّز التشبيه والمجاز، فصار وصفا حقيقيّا، والشاعر لم يرد/ذلك، لأن الرجل الذى عناه لم يكن مخضّبا على الحقيقة، وإنما شبّهه بمن قطعت يده، وضمّها إليه مخضّبة بالدّم.
والأسيف: الحزين، والأسيف [أيضا] والأسف: الشّديد الغضب، من قوله تعالى: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ وقوله: ﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾
﴿اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾.
فالمعنى: أرى رجلا منكم حزينا أو شديد الغضب، كأنه من بغضه لى وغضبه علىّ قد قطعت كفّه فضمّها إلى خاصرتيه مخضّبة بدمها، فإذا جعلت «مخضّبا» وصفا لرجل، فالتقدير: أرى رجلا منكم مخضّبا، كأنه يضمّ إلى كشحيه كفّا، فجعلت التّخضيب حقيقة له، فأخرجته من التشبيه، وليس الأمر كذلك.
فأما إجازته أن يكون قوله: «كفّا مخضّبا» كقول الآخر:
ولا أرض أبقل إبقالها
وأن يكون حمل الكفّ على العضو، فعليه اعتراض، وهو أن يقال: أىّ فرق بين هذين الوجهين، ونحن إنما نحمل الأرض فى قوله:
ولا أرض أبقل إبقالها
على المكان، كما نحمل الكفّ على العضو؟
والجواب: أنّ بينهما فصلا، وهو أن يجعل تأنيث الأرض فى قوله:
ولا أرض أبقل إبقالها
معتدّا به، إلا أنه مع الاعتداد به لمّا كان تأنيثا ضعيفا، لأنه غير حقيقىّ، وليست له علامة، جاز فى الضّرورة تذكير المضمر فى «أبقل»، ويجعل الكفّ بمنزلة العضو، فلا يعتدّ بتأنيثها، بل يجعلها مجرّدة من معنى التأنيث، حتى كأنه
قال: عضوا مخضّبا، ومثله فى حمل المؤنّث على النظير المذكّر قول المتنبى:
مثّلت عينك فى حشاى جراحةفتشابها كلتاهما نجلاء
كان الوجه أن يقول: فتشابهتا، ولكنه حمل الجراحة على الجرح، والعين على العضو. آخر المجلس.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع