من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس السادس والعشرون
وهو مجلس يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة، سنة ستّ وعشرين وخمسمائة.
سألتنى سدّدك الله وأيّدك، ووفّقك لما يرضيه وأرشدك، أن أذكر لك أبيات أبى الصّلت التى منها:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا
وأفسّر منها ما يجب تفسيره، والممدوح بها سيف بن ذى يزن الحميرىّ، وذلك أنه بعد ظفره بالحبشة واستقراره فى دار مملكته، وفدت عليه وفود العرب يهنّئونه بالملك والظّفر، ودخل عليه أبو الصّلت فى وفد ثقيف، وقيل: إن قائل هذه الأبيات أميّة بن أبى الصّلت، فأنشده:
ليطلب الوتر أمثال ابن ذى يزنلجّج فى البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامتهفلم يجد عنده القول الذى قالا
ثمّ انتحى نحو كسرى بعد سابعةمن السّنين لقد أبعدت قلقالا
حتّى أتى ببنى الأحرار يقدمهمتخالهم فوق سهل الأرض أجبالا
لله درّهم من عصبة صبرما إن رأيت لهم فى الناس أمثالا
بيض مرازبة غلب أساورةأسد تربّب فى الغيضات أشبالا
حملت أسدا على سود الكلاب فقدأضحى شريدهم فى البحر فلاّلا
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقافى رأس غمدان دارا منك محلالا
/ثمّ اطّل المسكإذ شالت نعامتهم
وأسبل اليوم فى برديك إسبالا
هذى المكارم لا قعبان من لبنشيبا بماء فعادا بعد أبوالا
الوتر: الذّحل، قال يونس: أهل العالية يقولون: الوتر، بالكسر، فى العدد والذّحل، وتميم تقول: وتر، بالفتح فيهما.
وكان ذو يزن ملكا، وإليه نسبت الرّماح اليزنيّة.
وأذواء اليمن كان منهم ملوك، ومنهم أقيال، والقيل: دون الملك، فمن الأذواء الأوائل: أبرهة ذو المنار، وابنه عمرو، ذو الأدعار، والمنار: مفعل من النّور، والأدعار: جمع عود دعر، وهو الكثير الدّخان، وقيل هو: الأذعار بالذال المعجمة،
وبعد ذى الأدعار بدهر: «ذو معاهر»، واسمه حسّان، واشتقاق معاهر من العهر، وهو الفجور، واشتقاق حسّان من الحسّ، وهو القتل، من قوله جلّت عظمته: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ ولو اشتققته من الحسن صرفته، ولم ينصرف فى القول الأوّل، لأنه فعلان، وتصرفه فى الثانى، لأنّه فعّال.
وبعد ذى المعاهر بزمان «ذو رعين الأكبر» واسمه يريم، ورعين: اسم حصن كان له، وهو فى الأصل تصغير رعن، والرّعن: الأنف النّادر من الجبل، ويريم من قولك: فلان لا يريم مكانه: أى لا يبرح من مكانه، قال زهير:
لمن طلل برامة لا يريم
و «ذو رعين الأصغر» واسمه عبد كلال.
وبعده بدهر: «ذو شناتر» واسمه ينوف، من قولهم: ناف الشىء ينوف: إذا طال وارتفع، والشّناتر: الأصابع فى لغة أهل اليمن.
ومنهم «ذو القرنين» واسمه الصّعب، و «ذو غيمان» وهو من الغيم، الذى هو العطش وحرارة الجوف، و «ذو أصبح» وإليه تنسب السّياط الأصبحيّة، و «ذو سحر وذو جدن» وجدن: اسم مرتجل، و «ذو شعبان» و «ذو فائش» واسمه سلامة، وفائش: من الفياش، وهو المفاخرة، و «ذو حمام» والحمام: حمى الإبل، و «ذو ترخم» من قولهم: ما أدرى أىّ ترخم
هو؟ أى أىّ الناس، و «ذو يحصب» من قولهم: حصبه يحصبه: إذا رماه بالحصباء، وهى الحصى الصّغار، و «ذو عسيم»، ويحتمل أن يكون من العسم، وهو يبس فى المرفق، وأن يكون من العسم، وهو الطّمع، و «ذو قثاث» واشتقاقه من قولهم: قثّ يقثّ: إذا جمع، و «ذو حوال» واسمه عامر، وحوال:
من المحاولة، وهى الطّلب، و «ذو مهدم» وهو مفعل من هدمت البيت، و «ذو الجناح» واسمه شمر، و «ذو أنس» والأنس: الجماعة من الناس، و «ذو سحيم» وسحيم: تصغير أسحم، وهو الشّديد السّواد، و «ذو الكباس» والكباس: الرجل العظيم الرأس، و «ذو حفار» وهو من قولك: حفر البئر.
و «ذو نواس» واسمه زرعة، ونواس من النّوس، وهو تذبذب الشىء وشدّة حركته، وسمّى بذلك لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه، وهو صاحب الأخدود الذى حرّق فيه المؤمنين، وكانوا نصارى من أهل نجران، على الدّين الأول الذى جاء به عيسى بن مريم ﵇، وكان ذو نواس دعاهم إلى اليهوديّة فأبوا فحرّقهم، ثم ظهرت الحبشة على اليمن، فحاربوا ذا نواس أشدّ حرب، فلما أيقن بالهلاك اعترض البحر بفرسه، فكان آخر العهد به، وذكره عمرو بن معديكرب، فى شعر قاله لعمر رضى الله عنه، وقد خفقه عمر بالدّرّة، لكلام دار بينهما فقال:
أتضربنى كأنك ذو رعينبأنعم عيشة أو ذو نواس
فكم ملك قديم قد رأيناوعزّ ظاهر الجبروت قاس
فأصبح أهله بادوا وأضحىينقّل من أناس فى أناس
/فقال: صدقت يا أبا ثور، وقد هدم ذلك كلّه الإسلام
ومنهم «ذو الكلاع الأكبر، وذو الكلاع الأصغر» وأدرك الأصغر الإسلام، كتب إليه النبىّ ﵌، مع جرير بن عبد الله البجلىّ، فأسلم وأعتق يوم أسلم أربعة آلاف عبد، وهاجر بقومه فى أيام أبى بكر رضى الله عنه إلى المدينة، ثم سكنوا حمص.
واشتقاق الكلاع من الكلع، وهو شقاق ووسخ يكون فى القدم، يقال منه:
كلعت رجله، وروى فى كاف «ذى الكلاع» الضم والفتح، كما قالوا: سفيان وسفيان، فضمّوا سينه وكسروها، وكما قالوا: القطامىّ والقطامىّ، بفتح القاف وضمّها.
ومنهم «ذو عثكلان» وعثكلان من الأسماء المرتجلة، و «ذو ثعلبان» والثّعلبان: ذكر الثّعالب، و «ذو زهران» و «ذو مكارب» من قولهم:
رجل ذو مكارب: أى ذو مفاصل شداد، واحدها مكرب، و «ذو مناخ» وكان نزل ببعلبكّ. و «ذو ظليم» واسمه حوشب، والحوشب: العظيم البطن، والظّليم:
ذكر النّعام، وشهد ذو الظليم صفّين مع معاوية.
و «يزن»: اسم مرتجل، وهو غير مصروف فى حال السّعة، لأن أصله:
يزأن، مثل يسأل، فخفّفوا همزته، فصار وزنه: يفل، مثل يسل، ومنهم من ردّ عينه فى النّسب، فقال: رمح يزأنىّ.
ولجّج: ركب لجج البحر، ولجّة البحر: معظمه، وقوله: «للأعداء» أى لطلب الأعداء، وقوله: «أحوالا» أراد جمع حول، لا جمع حال، وقوله:
«شالت نعامته» أى تفرّقت جماعته.
و «هرقل» غير مصروف للتعريف والعجمة، وهو اسم ملك الرّوم، وكان وفد عليه سيف يستنصره على الحبشة، فشاور فى ذلك وزراءه، فقالوا له: إن الحبشة على دينك، وهذا دينه مخالف لدينك، فوعده ومطله سنين، فلما يئس منه رجع إلى الحيرة، فصار إلى ملك من ملوك فارس، /وهو هرمز بن قباذ، فبعث معه جندا، فأمّر عليهم إسوارا من أكابر أساورته يقال له: وهرز، وكان قد أتى عليه مائة وعشرون سنة، وسقط حاجباه على عينيه، فساروا فى البحر فى عشر سفائن، فغرق منها ثلاث، وأرفئوا ما بقى منها إلى ساحل عدن، وتسامعت بهم الحبشة، فاجتمعوا إلى ملكهم مسروق بن أبرهة، واستعدّوا لقتالهم، وخرج مسروق على فيل، وعلى رأسه تاج من ذهب، وبين عينيه ياقوته حمراء، وانضمّ إلى سيف جمع كثير من أهل اليمن، والتقوا فاقتتلوا مليّا، فقال وهرز: على أىّ الدوابّ ملكهم؟ فقالوا: على الفيل، فقاتلهم ساعة، فقالوا له: قد تحوّل إلى فرس، فقاتلهم ساعة، فقالوا له:
قد تحوّل إلى بغل، فقال: ابن الحمار! ذلّ الأسود وذلّ ملكه، ثم قال: اسمتوا لى سمته، فلما استقرّ بصره عليه، وقد رفع حاجبيه عن عينيه، أخذ قوسه ولم يكن أحد يوترها غيره، وسدّد إليه سهما، وقال: إنى راميه رمية، فإن أكبّت عليه الحبشة ولم يتفرّقوا، فاحملوا عليهم فإنى قد قتلته، وإن أكبّوا عليه ثم تفرّقوا، فلا تبرحوا مكانكم.
ثم نزع فى قوسه فرماه ففلق الياقوتة، وتغلغل السهم فى رأسه، فخرّ لوجهه، فأكبّت عليه الحبشة ولم يتفرّقوا، فحملت الفرس عليهم، فقتلوا من أدركوه منهم وانهزم الباقون، فكان الرجل منهم يأخذ العود، فيضعه فى فيه يستأمن به، ويدخل النفر منهم [إلى] الحائط أو الدار، فتقتلهم النساء والصّبيان، حتى أتى على آخرهم.
وكان كسرى عهد إلى وهرز فقال: إذا ظفرت بالحبشة فاجمع وجوه أهل اليمن، وسلهم عن سيف، فإن كان ابن ملوكها كما زعم، فتوّجه بهذا التاج وملّكه عليهم، وإن كان كاذبا فاقتله واكتب إلىّ لأكتب إليك برأيى، فلما تمكّن فى البلد جمع أبناء الملوك ورؤساء اليمن، وقال لهم: كيف سيف فيكم؟ فقالوا: ملكنا وابن أملاكنا، أدرك بثأرنا، فتوّجه وملّكه، وكتب إلى كسرى بذلك، فأقرّ/وهرز ومن معه باليمن، فهم الأبناء إلى اليوم.
وقوله: «أبعدت قلقالا» القلقال: سرعة الحركة، ورجل قلقل: خفيف، وبعير قلاقل: سريع، وليس فى الكلام فعلال إلاّ من المضاعف، نحو الخضخاض، وهو ضرب من القطران، والجثجاث، وهو نبت، ومن الصّفات الحسحاس، وهو من الرّجال: السّخىّ المطعم، والقسقاس: الدّليل الهادى.
وقوله: «حتّى أتى ببنى الأحرار» سمّيت فارس: الأحرار، لأنهم خلصوا من سمرة العرب وشقرة الرّوم وسواد الحبشة، وكلّ خالص فهو حرّ، وطين حرّ:
لا رمل فيه.
والمرازية: واحدهم مرزبان، وهو العظيم من الفرس، قال سويد بن أبى كاهل اليشكرىّ:
ومنّا بريد إذ تحدّى جموعكمفلم تقربوه، المرزبان المسوّر
ولهذا البيت قصّة، وفيه ما يقتضى كلاما وسؤالا، وسأذكر ذلك بعد انتهاء الكلام فيما نحن فيه، إن شاء الله تعالى.
وقوله: «غلب أساورة» واحد الغلب: أغلب، وهو الغليظ العنق، وواحد الأساورة: أسوار، وهو الفارس من الفرس، وقد كسر بعضهم أوّله، والضمّ أشهر.
وقوله: «تربّب فى الغيضات» الغيضة: الأجمة، وتربّب: تربّى.
وقوله:
أضحى شريدهم فى البحر فلاّلا
وضع الشّريد فى موضع الشّراد، فلذلك وصفه بفلاّل، وفعيل كثيرا ما تستعمله العرب فى معنى الجماعة، كما جاء فى التنزيل: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ وجاء: ﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ و ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾.
وغمدان: قصر كان بصنعاء، لم ير مثله من البنيان القديم، وكانت الملوك تنزله حتّى هدمه عثمان بن عفّان رضى الله عنه فى أيّامه، وله رسوم باقية إلى اليوم، وصنعاء من المدن التى لا يدرى من بناها: صنعاء باليمن، وإصطخر بفارس، والأبلّة بالعراق، وتدمر بالشام.
وقول سويد بن أبى كاهل:
ومنّا بريد إذ تحدّى جموعكمفلم تقربوه، المرزبان المسوّر
فبارزه منّا غلام بصارمحسام إذا لاقى الضّريبة يبتر
قاله لبنى شيبان يوم ذى قار، وقد برز إسوار من عظماء الأعاجم مسوّر، فى أذنيه درّتان، فتحدّى للبراز، فنادى فى بنى شيبان، فلم يبارزه أحد، فدنا من بنى يشكر فدعا إلى البراز، فخرج إليه بريد بن حارثة، أخو بنى ثعلبة بن عمرو، فطعنه فأرماه عن فرسه، ثم نزل إليه فأجهز عليه ضربا بالسيف، وأخذ حليته وسلاحه، ففخر سويد بذلك على بنى شيبان.
وقوله: «تحدّى جموعكم» يقال: تحدّى فلان فلانا: إذا دعاه إلى أمر ليظهر عجزه فيه، ونازعه الغلبة فى قتال أو كلام أو غير ذلك، ويقول له إذا أراد ذلك منه: أنا حديّاك، أى أبرز لك وحدى، والنبىّ ﵌ تحدّى العرب قاطبة بالقرآن، حيث قالوا: افتراه، فأنزل الله عليه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ فلما عجزوا عن الإتيان بعشر سور تشاكل القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ ثم كرّر هذا فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أى من كلام مثله، وقيل: من
بشر مثله، ويحقّق القول الأوّل الآيتان المقدّم ذكرهما، فلمّا عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه القرآن، على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء، قال: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾.
فإن قيل: فما العامل فى «إذ» من قوله: «إذ تحدّى جموعكم» وهل يجوز أن يعمل فيه «تحدّى»؟
فالجواب: لا يصحّ أن يعمل فيه «تحدّى» لأن المضاف إليه لا يعمل فى المضاف، من حيث كان المضاف إليه حالاّ محلّ التنوين من المضاف، معاقبا له، فهو متنزّل/منزلة جزء من أجزاء المضاف، وإذا فسد أن يعمل فيه «تحدّى» احتمل العامل فيه تقديرين: أحدهما أنّ قوله: «ومنّا بريد» كلام افتخر فيه ببريد، وفعله فى ذلك اليوم، فكأنه قال: فخرناكم ببريد إذ تحدّى جموعكم المرزبان، أو أفخرنا بريد، أى جعلنا نفخر.
والتقدير الآخر، أن يكون أراد: اذكروا إذ تحدّى جموعكم المرزبان، كما قيل فى قوله ﷿: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إن التقدير: واذكر إذ قال ربّك للملائكة، وقد ظهر هذا العامل المقدّر هاهنا فى قوله تعالى: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾.
والهاء من قوله: تقربوه عائدة على المرزبان، وإن كان مؤخّرا فى اللفظ فإنه مقدّم فى المعنى، لأن أصل الكلام: إذ تحدّى جموعكم المرزبان فلم تقربوه، ومثله فى إعمال الأول: أكرمنى وأكرمته زيد، عادت الهاء من قولك: أكرمته، على زيد،
وهو مؤخّر، لأن النيّة به التقديم، ومثله فى إعمال الأول قول ذى الرّمّة:
ولم أمدح لأرضيه بشعرىلئيما أن يكون أصاب مالا
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع