تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

المجلس السابع والعشرون

وهو مجلس يوم الثلاثاء، سابع رجب، سنة ستّ وعشرين وخمس مائة.

قال زيد بن عبد ربّه، وقيل: ليزيد بن الحكم الثّقفىّ:

تكاشرنى كرها كأنّك ناصحوعينك تبدى أنّ صدرك لى دوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
لسانك لى أرى وعينكعلقم

وشرّك مبسوط وخيرك ملتوى

أراك إذا لم أهو أمرا هويتهولست لما أهوى من الأمر بالهوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
/عدوّك يخشى صولتى إن لقيتهوأنت عدوّى ليس هذا بمستوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وكم موطن لولاى طحت كما هوىبأجرامه من قلّة النّيق منهوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
إذا ما ابتنى المجد ابن عمّك لم تعنوقلت ألا بل ليت بنيانه خوى
وإنّك إن قيل ابن عمّك غانمشج أو عميد أو أخو مغلة لوى
تملّأت من غيظ عليه فلم يزلبك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوى
وقال النّطاسيّون إنّك مشعرسلالا ألا بل أنت من حسد جوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
جمعت وفحشا غيبة ونميمةخلالا ثلاثا لست عنها بمرعوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
فليت كفافا كان خيرك كلّهوشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

قوله: «تكاشرنى» يقال: كاشر الرجل الرجل: إذا كشر كلّ واحد منهما لصاحبه، وهو أن يبدى له أسنانه عند التبسّم.

وقوله: «كرها» مصدر وقع فى موضع الحال، أى كارها، ومثله فى التنزيل:

﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ أى كارهات، والكره بالضم: اسم للمكروه، ومنه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ وقيل إنهما لغتان، مثل الشّرب والشّرب، والضّعف والضّعف، /ومن غير المصادر: الدّفّ والدّفّ، والشّهد والشّهد.

والدّوى: الذى به داء. والأرى: العسل، والعلقم: الحنظل الأخضر.

وقوله: «لسانك لى أرى وعينك علقم» من باب: «فهنّ إضاء صافيات» ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وأبو يوسف أبو حنيفة، وأداة التشبيه فى هذا كلّه محذوفة، وبتقديرها انتصب المميّز فى قولك: زيد زهير شعرا، وأخوك حاتم جودا، وفى قول مهيار:

أين ظباء المنحنىسوالفا وأعينا
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «أين ظباء المنحنى»

أراد: أين أمثال ظباء المنحنى، فحذف المضاف وأعمله مقدّرا فى النّكرة المفسّرة.

وقوله: «يخشى صولتى» الصّولة: مصدر صال عليه، إذا استطال عليه، والمراد بالصّولة الكثرة، كالصّول، وليست بمنزلة الضّربة من الضّرب، والقولة من القول، ولكنهما كالغلبة والغلب، فالصّولة مصدر جاء على فعلة، كالرّحمة، فإذا قلت: فلان ذو صولة، لم ترد أنه يفعل ذلك مرّة فقط.

وقوله: «وكم موطن» أى كم مكان حرب، ومقام حرب، وفى التنزيل: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أى مكانات حرب، ويروى: «وكم خطّة»

والخطّة: الحال الشاقّة، ويقال: طاح الرجل يطوح ويطيح، إذا هلك، فمن قال:

يطوح قال: طحت، مثل قلت، ومن قال: يطيح قال: طحت، مثل بعت.

وقوله: «كما هوى بأجرامه» يقال: هوى يهوى هويّا، إذا سقط، وبأجرامه:

أى بذنوبه، جمع جرم، ويروى «بإجرامه» مصدر أجرم، يقال: جرم وأجرم، لغتان، إذا أذنب، وأجرم لغة القرآن.

والنّيق: أرفع الجبل، وقلّته: ما استدقّ من رأسه، والجملة التى هى «لولاى طحت» محلّها جرّ على النعت لموطن، والعائد منها إلى الموصوف محذوف مع حرف الجرّ، والتقدير: كم موطن لولاى طحت فيه، فحذف «فيه» فى مرّة، ومنهم من يقدّر حذف الجارّ أوّلا، ثم حذف الضّمير بعده، وقد استوفيت القول فى هذا فى بعض ما قدّمته من الأمالى.

ويقال: خوى المنزل يخوى، مثل رمى يرمى، وخوى يخوى، مثل رضى يرضى، لغتان، الأولى منهما أشهر.

وقوله:

شج أو عميد أو أخو مغلة لوى

الشّجى: الحزين المهموم، والشّجى: الغصّان، وكلّ ما اعترض فى الحلق فمنع من الإساغة فهو شجى، والعميد: الذى فدحه المرض حتى احتاج إلى أن يعمد، أى يسند، فهو فعيل فى معنى مفعول، وعميد القوم: هو سيّدهم، فعيل فى معنى فاعل، من قولك: عمدت الشىء: إذا جعلت له عمادا.

والمغلة والمغل أيضا: وجع البطن، فيكون فى الدّوابّ عن أكل التّراب.

واللّوى: الوجع الجوف، والمصدر اللّوى.

وقوله: «تنشوى» يقال: شويت اللحم فانشوى، هذا حقيقة مطاوع شويت، وقد قالوا: شويته فاشتوى، وهى رديئة، والصّحيح أن اشتويت بمعنى شويت، جاء منه افتعلت بمعنى فعلت، كما قالوا: قدرت واقتدرت، وعلوت واعتليت، فالمشتوى هو الرجل.

والنّطاسىّ: العالم، وأراد بالنّطاسيّين العلماء بالطّبّ.

وقوله: «مشعر سلالا» أى ملبس شعارا من سلال، والشّعار: ما ولى الجسد من الثّياب. والسّلال: السّلّ، والجوى: من الجوى، وهو داء القلب.

وقوله:

جمعت وفحشا غيبة ونميمة

أراد: جمعت غيبة ونميمة وفحشا، فقدّم المعطوف على المعطوف عليه، ولا يجوز تقديم التابع على المتبوع للضّرورة إلا فى العطف، دون الصّفة والتوكيد والبدل، فلو قلت: ضربت رأسه زيدا، وأكلت كلّه الرغيف، لم يجز، وأشدّ من هذا فى الامتناع أن تقول: رأيت أجمعين القوم، لأنك أوليت «أجمعين» العامل، والعرب لم تستعمله إلا تابعا، وكذلك لا يجوز: مررت بالطويل زيد، على أن تجعل الطويل صفة لزيد، ولكن إن أردت: مررت بالرجل الطويل، فحذفت الموصوف/وأبدلت زيدا من الصّفة، جاز على قبح، لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه مما شدّد فيه سيبويه، وإن كان قد ورد ذلك فى الاستعمال على شذوذه، كقوله تعالى:

﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أى العبد الشّكور، وكقوله: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أى دروعا سابغات، وكقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أى الأمّة القيّمة.

وإنما جاز فى الضّرورة تقديم المعطوف على المعطوف عليه، ولم يجز ذلك فى الصفة والتوكيد والبدل، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والصّفة هى الموصوف،

وكذلك المؤكّد عبارة عن المؤكّد، والبدل إما أن يكون هو المبدل أو بعضه أو شيئا ملتبسا به.

ومثل قوله:

جمعت وفحشا غيبة ونميمة

قول الآخر:

ألا يا نخلة من ذات عرقعليك ورحمة الله السّلام

وقوله: «خلالا ثلاثا» بدل من قوله: «غيبة ونميمة وفحشا» بدل نكرة من نكرة، وجمع من جمع.

وقوله: «لست عنها بمرعوى» يقال: ارعوى عن القبيح: أى رجع عنه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.