تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل فى وقوع المضمر بعد «لولا» التى يرتفع الاسم بعدها بالابتداء

وللنحويين فى ذلك ثلاثة مذاهب: فمذهب سيبويه أنه يرى إيقاع المنفصل المرفوع بعدها هو الوجه، كقولك: لولا أنت فعلت كذا، ولولا أنا لم يكن كذا،

ولا يمتنع من إجازة استعمال المتّصل بعدها، كقولك: لولاى ولولاك ولولاه، ويحكم بأن المتّصل بعدها مجرور بها، فيجعل لها مع المضمر حكما يخالف حكمها مع المظهر.

ومذهب الأخفش أن الضمير المتّصل بعدها مستعار للرفع، فيحكم بأن موضعه رفع بالابتداء، وإن كان بلفظ الضمير المنصوب أو المجرور، فيجعل حكمها مع المضمر موافقا حكمها مع المظهر.

ومذهب أبى العباس محمد بن يزيد أنه لا يجوز أن يليها من المضمرات إلا المنفصل المرفوع، واحتجّ بأنه لم يأت فى القرآن غير ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ وقد ذكرت أن هذا هو الوجه عند سيبويه، ولكنه وأبا الحسن الأخفش رويا عن العرب وقوع الضمائر المتّصلة بعدها، واحتج سيبويه بقول الشاعر فى هذه القصيدة: «وكم موطن لولاى طحت» ودفع أبو العباس الاحتجاج بهذا البيت، وقال: إن فى هذه القصيدة شذوذا فى مواضع، وخروجا عن القياس، فلا معرّج على هذا البيت.

وأقول: إن الحرف الشاذّ أو الحرفين أو الثلاثة، إذا وقع ذلك فى قصيدة من الشعر القديم، لم يكن قادحا فى قائلها، ولا دافعا للاحتجاج بشعره، وقد جاء فى شعر لأعرابىّ:

لولاك هذا العام لم أحجج

وللمحتجّ لسيبويه أن يقول: إنه لما رأى الضمير فى لولاى ولولاك ولولاه، خارجا عن حيّز ضمائر الرفع، وليست لولا من الحروف المضارعة للفعل، فتعمل النصب كحروف النداء، ألحقها بحروف الجر.

وحجّة الأخفش أن العرب قد استعارت ضمير الرفع المنفصل للنصب فى قولهم:

لقيتك أنت، وكذلك استعاروه للجرّ فى قولهم: مررت بك أنت، أكّدوا المنصوب والمجرور بالمرفوع كما ترى، وأشدّ من هذا إيقاعهم إياه بعد حرف الجر فى قولهم:

«أنا كأنت، وأنت كأنا»، فكما استعاروا المرفوع للنصب والجرّ فيما ذكرت لك، كذلك استعملوا المنصوب للرفع فى قولهم: لولاى ولولاك ولولاه، وكذلك خالف الأخفش سيبويه فى الضمير المتّصل بعسى فى قول بعض العرب: عسانى أن أفعل، وعساك أن تفعل، وعساه أن يفعل، فزعم/الأخفش أن هذا الضمير فاعل عسى، وإن كان بلفظ ضمير النصب، كما كان «أنت» فى قولهم: لقيتك أنت، فى محلّ النصب، وإن كان موضوعا للرفع، [فكذلك] تنزّل ضمير النصب فى عسانى وعساك وعساه وعساكما وعساكم وعساكنّ وعساهما وعساهم وعساهنّ [بمنزلة

الضمير فى عسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتنّ، وعسينا وعسوا وعسين، ومذهب سيبويه أن الضمير فى عسانى وعساك وعساه منصوب بمنزلة الضمير من رمانى ورماك ورماه، لأنه ضمير نصب اتصل بفعل فوجب الحكم بأنه مفعول، وقولك: أن أفعل وأن تفعل وأن يفعل] فاعل عسى، وجاز لعسى أن تخالف حكمها فتنصب الضمير، وحقّها أن ترتفع بها الضمائر، كما يرتفع بها الاسم الظاهر فى قولك:

عسيت أن أفعل، وعسى زيد أن يفعل، لأنها مواخية لعلّ، لتقاربهما فى المعنى، فتنزّل عسانى وعساك وعساه، منزلة لعلّى ولعلّنى ولعلّك ولعلّه، وهذا عندى هو الوجه، ومذهب الأخفش مذهب يونس.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.