من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثامن والعشرون
وهو مجلس يوم الثلاثاء، السادس والعشرين، من شعبان سنة ستّ وعشرين وخمسمائة.
يتضمّن تفسير قوله من هذه الأبيات:
فليت كفافا كان خيرك كلّهوشرّك عنّى ما ارتوى الماء مرتوى
قال بعض أهل الأدب: هذا البيت مشكل، وقد زاده تفسير أبى علىّ له إشكالا.
وأقول: إن اسم ليت ضمير محذوف، وحذف هذا النحو مما تجوّزه الضرورة، فإن شئت قدّرته ضمير الشأن والحديث، وإن شئت قدّرته ضمير المخاطب.
وكفافا: معناه كافّا، وهو خبر كان، وخيرك اسمها، وكلّه توكيد له، والجملة التى هى كان واسمها وخبرها خبر اسم ليت، فالتقدير على أن المحذوف ضمير الشأن: فليته كان خيرك كلّه كفافا، ومثله فى هذا الإضمار: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللهُ﴾ أى
إن الشأن، أنا الله، ولا يلزم الجمل إذا كانت أخبارا عن ضمير الشأن أن تتضمّن عائدا إليه، لأن الجملة نفسها هى الشأن، فإن حكمت بأن التقدير: فليتك كان كفافا خيرك، فجائز، والعائد على اسم ليت الذى هو ضمير المخاطب الكاف من قوله: خيرك، /ومثله فى حذف الضمير على التقديرين قول الآخر:
فليت دفعت الهمّ عنّى ساعةفبتنا على ما خيّلت ناعمى بال
أراد: فليتك أو فليته.
فإن قلت: هل يجوز أن تنصب «كفافا» بليت، وتجعل «كان» مستغنية بمرفوعها، بمعنى حدث ووقع، وتخبر بالجملة التى هى كان وفاعلها عن كفاف؟
قيل: إن ذلك لا يصحّ، لخلوّ الجملة التى هى كان ومرفوعها من عائد على كفاف، فلو قلت: ليت زيدا قام عمرو، لم يجز لعدم ضمير فى اللفظ وفى التقدير، راجع على اسم ليت، فإن قلت: إليه أو معه، أو نحو ذلك، صحّ الكلام.
وأما قوله: «وشرّك» فقد روى مرفوعا ومنصوبا، فمن رفعه فبالعطف على اسم كان، و «مرتوى» فى رأى أبى علىّ خبره، وكان حقّ «مرتوى» أن ينتصب، لأنه معطوف على «كفافا» كما تقول: كان زيد جالسا وبكر قائما، تريد: وكان بكر قائما، فكأنه قال: ليتك أو ليت الشأن كان خيرك كفافا، وكان شرّك مرتويا
عنّى، وأسكن ياء «مرتوى» فى موضع النصب، لإقامة الوزن، كقول بشر:
كفى بالنأى من أسماء كافى
وكان حقّه كافيا، لأنه حال، كما قال الآخر:
كفى الدهر لو وكّلته بى كافيا
ومن روى «وشرّك» نصبا، حمله على ليت، وليس المراد بالحمل على ليت أنه منصوب بالعطف على منصوب ليت المذكورة، لأن منصوبها غير ملفوظ به، ولأنك لو لفظت بضمير الشأن لم يجز العطف عليه، لأنه مجهول غير عائد على مذكور، فكيف وهو محذوف؟ ولكنك تحمله على ليت أخرى تقدّرها، وليس هذا إضمارا لليت، ولكنه حذف لها، على نية الاعتداد بها، حتى كأنّها فى اللفظ، وحسّن ذلك تقدّم ذكرها.
ومثله فى إعمال ليت وهى محذوفة، جرّ رؤبة بالباء المقدّرة، وقد قيل له: /كيف أصبحت؟ فقال: «خير عافاك الله»، فالتقدير: وليت شرّك مرتوى [عنّى، فمرتوى] فى هذا الوجه مرفوع، لأنه خبر ليت، فهذا الذى أراده أبو علىّ بقوله:
إن حملت العطف على كان، كان مرتوى، [فى موضع نصب، وإن حملته على
ليت، نصبت قوله: وشرّك. ومرتوى] مرفوع، و «عن» فى الوجهين متعلّقة بمرتوى، وجاز تعلّقها به، حملا على المعنى، لا بموجب اللفظ، لأن حقّ اللفظ أن يقول: ارتويت منه أو به، ولكنه محمول على معنى كافّ، لأن الشارب إذا روى كفّ عن الشّرب.
ومثله فى القرآن: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ وليس حقّ خالف أن يعدّى بعن، ولكنه محمول على معنى يعدلون عن أمره، ومثله تعدية الرّفث بإلى، فى قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ﴾ ولا يقال: رفثنا إلى النساء، إلا أن ذلك جاء حملا على الإفضاء فى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ وقد استقصيت هذا الفنّ فيما تقدم.
وارتوى بمعنى روى، جاء افتعل بمعنى فعل، كقولهم: رقى وارتقى، ومثله من الصّحيح خطف واختطف.
و «الماء» بمقتضى ما ذهب إليه أبو علىّ مرفوع، وفى رفعه تأويلان: أحدهما أن تقدّر مضافا، أى ما ارتوى شارب الماء، أو أهل الماء، وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فاكتسى إعرابه، كقول مهلهل:
واستبّ بعدك يا كليب المجلس
أى أهل المجلس، وفى التنزيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [أى حبّ العجل].
والتأويل الآخر: أن يراد: ما ارتوى الماء نفسه، وجاز أن يوصف الماء بالارتواء، على طريق المبالغة، كما جاء وصفه بالعطش للمبالغة فى قول المتنبي:
وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
وما هذه مصدريّة زمانيّة، فهى وصلتها فى تأويل ارتواء، وموضعها بصلتها نصب على الظرف، بتقدير مضاف، أى مدّة ما ارتوى الماء، أى مدّة ارتواء الماء، ومثله فى التنزيل: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ﴾ أى مدّة دوام السّماوات.
وقد تكلّف بعض المتأخرين نصب الماء فى القول الذى ذهب إليه أبو علىّ فى البيت، وذلك على إضمار فاعل ارتوى، قياسا على ما حكاه سيبويه، من قولهم:
«إذا كان غدا فأتنى»، أى إذا كان ما نحن فيه من الرّخاء أو البلاء غدا، فقدّر:
ما ارتوى الناس الماء، وأنشد على هذا قول الشاعر:
فإن كان لا يرضيك حتّى تردّنىإلى قطرىّ ما إخالك راضيا
أراد إن كان لا يرضيك شأنى، أوما أنا عليه، فأضمر ذلك للعلم به.
وأقول: إن الإضمار فيما حكاه سيبويه، وفى البيت الشاهد، حسن؛ لأنه معلوم، وتقدير إضمار الناس فى قوله: «ما ارتوى الماء» بعيد.
وغير أبى علىّ ومن اعتمد على قوله، رووا نصب «الماء» ولم يرووا فيه الرفع، فلزموا ظاهر اللفظ والمعنى، فذهبوا إلى أن فاعل ارتوى مرتوى، وأبو طالب العبدىّ منهم، وذلك أنه ذكر لفظ أبى علىّ فى تعريب البيت، ثم قال: وأنا مطالب بفاعل ارتوى، ثم مثّل قوله: «ما ارتوى الماء مرتوى» بقوله: ما شرب الماء شارب، أى أبدا، فدلّ كلامه على أنه لم يعرف المعنى الذى ذهب إليه أبو علىّ، من نصب مرتوى، على أنه خبر كان، أو رفعه على أنه خبر ليت.
والقول عندى فيه أن الالتزام بالظاهر على ما ذهب إليه العبدىّ أشبه بمذاهب العرب فيما يريدون به التأبيد، كقولهم: لا أفعل كذا ما طار طائر، ولا أكلّمك ما سمر سامر، وقد مرّ بى كلام لأبى علىّ، ذهب عنى مكانه، يتضمّن تجويز رفع مرتوى بارتوى، وأنا منذ زمان أجيل فكرى وطرفى فى تعرّف المكان الذى سنح لى فيه كلامه، فلا أقف عليه.
و «عن» فيما ذهب إليه العبدىّ متعلّقة بمعنى «كفافا» كأنه قال: فليتك كان خيرك وشرّك كافّا عنى ما ارتوى الماء مرتوى.
فأما نصب «الماء» فبتقدير حذف الجارّ، أى ما ارتوى من الماء، أو بالماء، وحذف الجارّ ثم إيصال الفعل إلى المجرور به مما كثر استعماله فى القرآن والشّعر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ أراد: من قومه، ومثله
قول الفرزدق:
ومنّا الذى اختير الرّجال سماحة
وقول رؤبة، وذكر النبىّ ﵌:
تحت التى اختار له الله الشّجر
أى تحت التى اختارها الله له من الشجر، يعنى الشجرة التى بويع رسول الله ﵌ تحتها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾ أى إلى درجات، وقوله: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ أى على عقدة النكاح، كما قال القائل:
عزمت على إقامة ذى صباحلأمر ما يسوّد من يسود
ومن حذف الباء قوله تعالى: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ أى يخوّفكم بأوليائه، فلذلك قال: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ ومن حذف اللام قوله:
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ [أراد: ويبغون لها عوجا] ومثله:
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ أى قدّرنا له منازل، وحذف حرف الظّرف كثير كقوله:
ويوم شهدناه سليما وعامرا
وقول الآخر:
فى ساعة يحبّها الطّعام
أى يحبّ فيها
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع