من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
تعريب قول المتنبى
كفى ثعلا فخرا بأنك منهمودهر لأن أمسيت من أهله أهل
الكفاية: بلوغ الغاية فى الشىء، فقولهم: كفاك به رجلا، وهو كافيك من رجل: معناه قد بلغ الغاية فى خصال المدح، وفلان كاف: إذا قام بالأمر، وانتهى إلى الغاية فى التدبير، ويكفى ويجزئ ويغنى بمعنى واحد، فهذا يتعدّى إلى مفعول واحد، كقولك: يكفينى درهم، وكفانى قرص: أى أجزأنى وأغنانى عن كلّ قرص آخر، وعن بعض قرص [آخر] فأما كفى المتعدّى إلى مفعولين، فى نحو: كفيت
فلانا شرّ فلان، فمعناه منعته منه وحلت بينه وبينه، ومنه فى التنزيل:
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ فهما مختلفان معنى وعملا، فمن الضّرب الأول قوله:
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم
فثعلا مفعول به، وفخرا تمييز، والفاعل أنّ بصلتها، والباء مزيدة، كما زيدت فى ﴿كَفى بِاللهِ﴾ وفى زيادتها فى كفى بالله قولان: أحدهما قول الزجّاج، وهو أنه دخله معنى اكتفوا بالله، والقول الآخر «أنها دخلت لتأكيد الاتّصال، لأن الاسم فى قولك: كفى الله، يتصل بالفعل اتصال الفاعلية، فإذا قلت: كفى بالله، اتصل اتّصال الإضافة واتصال الفاعلية، وفعلوا ذلك إيذانا بأن الكفاية من الله سبحانه ليست كالكفاية من غيره، فى عظم المنزلة، فضوعف لفظها لتضاعف معناها» فإذا قلت: كفى بزيد عالما، حملته على معنى اكتف به.
وثعل: رهط الممدوح، بطن من طيئ، وثعالة: من أسماء الثعلب.
وأهل هاهنا: معناه مستأهل ومستحقّ، فلذلك علّق به «لأن أمسيت من أهله» لأنه بمنزلة اسم الفاعل المقوّى باللام، فى وصوله إلى المفعول، وإن كان فعله متعدّيا بنفسه، كقولك: ظلم فلان فلانا، وهو ظالم له، وكذلك استحقّ فلان هذا الصّنع، واستأهله، وهو مستحقّ له ومستأهل له، ولو قلت: مستحقّه ومستأهله، وهو/ظالمه، لم يكن إيصاله بنفسه فى الحسن كإيصاله باللام، فلذلك
جاء فى التنزيل: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وممّا جاء فيه أهل فى معنى مستأهل، قوله تعالى: ﴿وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها﴾ أى ومستأهليها.
وقد روى فى «دهر» الرفع والنصب، فالرفع رواية ابن جنّى والرّبعىّ، والنصب رواية الشاميّين، وعليها اعتمد المعرّى.
قال أبو الفتح: ارتفع «أهل» لأنه وصف لدهر، وارتفع «دهر» بفعل مضمر دلّ عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتّجه رفعه إلاّ على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، ولا وجه لرفعه بالابتداء، إلاّ على حذف الخبر، وليس فى قوّة إضمار الفعل هاهنا، انتهى كلامه.
والمعرّى أسقط حكم الرفع، وذلك أنه قال: وبعض الناس يرفع «دهرا» ولا ينبغى أن يلتفت إليه، وعطف «دهرا» على «ثعلا» ورفع «أهل» بتقدير: هو أهل، وحكاية اللفظ الذى قدّره للنصب: كفى ثعلا فخرا أنك منهم، وكفى دهرا هو أهل لأن أمسيت من أهله أنه أهل، لكونك من أهله. وهذا قول فيه إسهاب كما ترى، وتكلّف شاقّ، والرفع، وإن كان فيه تكلّف إضمار فعل، أقرب متناولا وأصحّ معنى، وأكثر فائدة.
وحمل الربعىّ نصب «دهر» على أنه معطوف على اسم إنّ، وأهل خبر عنه، أى كفى ثعلا فخرا أنك منهم، وأن دهرا أهل لأن أمسيت من أهله، وهذا القول بعيد من حصول فائدة، ثم قال: والرفع أجود، على: وليفخر دهر، وهو روايتى، والنصب رواية شاميّة، ذكرتها لتعرف.
فهذه جملة الأقوال فى رفع «دهر» ونصبه، وإن رفعته بالابتداء وأضمرت له خبرا مدلولا عليه بأوّل الكلام، فليس بضعيف وإن كان نكرة، لأنه متخصّص بالصّفة، والتقدير: ودهر أهل لأن أمسيت من أهله فاخر بك.
وأما قول/أبى الفتح إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، فقول من لم ينعم النّظر، وقنع بأوّل لمحة، فقد يجوز عطف «دهر» على فاعل كفى، وهو المصدر المقدّر، لأن «أنّ» مع خبرها هاهنا بمعنى الكون، لتعلّق «منهم» باسم الفاعل المقدّر الذى هو كائن، فالتقدير: كفى ثعلا فخرا كونك منهم، ودهر مستحقّ لأن أمسيت من أهله، أى وكفاهم فخرا دهر أنت فيه، فأراد أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام:
كأنّ أيّامهم من حسنها جمع
والعادة جارية فى الكلام والشّعر بمدح زمان الممدوح، وذمّ زمان المذموم.
وعطف «دهر» وهو اسم حدث على الكون المقدّر، وهو اسم حدث، ودهر موصوف بصفة فيها ضمير عائد على اسم إنّ، وهو التاء من «أمسيت» فهذا وجه فى الرفع، صحيح المعنى، ليس فيه تقدير محذوف، والأوجه المذكورة عمّن عزوتها إليهم ليس فيها وجه خال من حذف، إلا الوجه الذى ذهب إليه الرّبعىّ فى النّصب، وهو قول لا تصحبه فائدة، فأبو الفتح والرّبعىّ قدّرا فعلا لرفع «دهر» والمعرّى قدّر مبتدأ لرفع «أهل» وقدّر المعرّىّ أيضا لنصب دهر ما حكيت لك لفظه الشاقّ.
ويتّجه عندى فى إعراب البيت بعد هذا وجه لم يذهب إليه من تقدّم، كما لم يذهبوا إلى عطف «دهر» على فاعل «كفى»، وهو أنك ترفع الفخر بإسناد «كفى» إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة، فتجعلها معدّية متعلقة بالفخر، وتجرّ «الدهر» بالعطف على مجرور الباء، وترفع «الأهل» [بتقدير] المبتدأ الذى تقدّم ذكره، فيصير اللفظ: كفى ثعلا فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن أمسيت من أهله، والمعنى أنهم اكتفوا بفخرهم [به] وبزمانه عن الفخر بغيرهما.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع