من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
مسألة (٦)
إن قيل: كيف كرّر المعنى فى قوله:
والبين جار على ضعفى وما عدلا
لأنه أثبت للبين الجور، ونفى عنه العدل، والمعنى فيهما واحد؟
فالجواب: أن الجائر فى وقت قد يعدل فى وقت آخر، فيوصف بالجور إذا جار، وبالعدل إذا عدل، وشبيه بذلك فى التنزيل قوله تعالى، فى وصف الأوثان:
﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ فوصفها بأموات قد دلّ على أنها غير أحياء، والمعنى أنها أموات لا تحيى فى مستقبل الأزمان، كما يحيى الناس عند قيام الساعة.
ومنها:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدتلها المنايا إلى أرواحنا سبلا
هذا مأخوذ من قول أبى تمام:
لو حار مرتاد المنيّة لم يجدإلاّ الفراق على النّفوس دليلا
الأحباب: جمع حبّ، كعدل وأعدال، ومثله من الوصف: نقض وأنقاض، ولا ينبغى أن يكون جمع حبيب، كشريف وأشراف، ويتيم وأيتام، لأمرين، أحدهما: أنّ الأول أقيس وأكثر، والثانى: أن يتيما وشريفا من باب فعيل الذى بمعنى فاعل، وحبيبا: فعيل الذى بمعنى مفعول، فأصله محبوب، كما أن قتيلا/ أصله مقتول، فقد افترقا.
والمصدر الذى هو «مفارقة» مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة السّؤال فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ ولا يحسن أن تقدّر: لولا مفارقة المحبّين الأحباب، وإن كان ذلك جائزا من طريق الإعراب، لأن المحبّ لا يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنيّة إلى روحه، وإنما هو مفارق لا مفارق.
وقوله: «لها» من الحشو الذى لا فائدة فيه، لأن المعنى غير مفتقر إليه، فهو من الزيادات الموضوعة لإقامة الوزن، وقد حمل عدم الفائدة به بعض أدباء المغرب
على أن جعله جمع لهاة، على حدّ حصاة وحصى، وأضافه إلى «المنايا» ورفعه بإسناد «وجدت» إليه، فاستعار للمنايا لهوات، على معنى [أنها] كشىء يبتلع الناس، والمراد أفواه المنايا، ولكنه استعمل اللهاة فى موضع الأفواه، لمجاورة اللهاة للفم، وهذا قول محتمل لو كان مرادا للشاعر، وهو لعمر الله يشبه طريقته فى الاستعارات، وإذا لم يكن مرادا له، حملت «لها» على ما تزيده العرب مبالغة فى التبيين، وإن كان الكلام مستغنيا عنه، كقولك: ما وجدت لى إليك طريقا، فقولك «لى» زيادة، ومثله قول محمد بن يزيد الأموىّ:
فلا قدرت عليك يد اللّيالىولا وجدت إليك لها سبيلا
وقد جاء فى بيت للشّمّاخ ما هو أنفر من هذا، وذلك قوله:
وكنت إذا لاقيتها كان سرّنالنا بيننا مثل الشّواء الملهوج
والمعنى غير مفتقر إلى قوله: «لنا بيننا»، الملهوج من الشّواء: الذى فيه نيوءة.
فأما موضع قوله: «لها» فإنه وصف فى المعنى لسبلا، فالأصل: سبلا كائنة لها، فلما قدّمه صار حالا من سبل، ومثله قوله: «إلى أرواحنا» الأصل: سبلا مسلوكة إلى أرواحنا، فلما قدّم بطلت الوصفية فيه، وحكم بأنه حال.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع