من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الفضل جعفر ابن شرف
هو ولدأبي عبد الله محمد مصنّف أبكار الأفكار، توفّي في حدود سنة ثلاثين وخمسمائة، قال في وصف فرس من قصيدة:
لبست أعكافه ثوب الدجىوتجلّى خدّه بالفلق
وانبرى تحسبه أجفْل عنلسعة أو حية أو دلق
وقال:
أوجست في الحرب من وخز القنافتوارت حَلقاً في حلَقِ
وقال مرة أخرى:
وعصرك مثل الزمان الربيع لا يهجر الشمس فيها الحمل
تسامت عُلاك سموّ النجوموسارت أياديك سير المثل
ومن أخرى:
قدمت لنصف شهر الصوم برءاًلما يشكو لبعدك من سقام
ولما أن طلعت لنا هلالاًحسبنا الفطر في نصف الصيام
وصرت البدر لاح فما عجبنالنصف الشهر من بدر تمام
فإن تمكث فطود في ثباتوإن ترحل فسهم في اعتزام
وقال من أبيات:
ألمي لفقد الدمع بعد فراقكمألم الجراحة بالدم المحصور
وقال وتروى لأبيه:
صنم من الكافور بات معانقيفي حُلّتين تعفف وتكرم
فكرت ليلة وصله في صدّهفجرت بقايا أدمعي كالعندم
فطفِقت أمسح مقلتيّ بجسمهإذ عادة الكافور إمساك الدم
وسنورد شعر أبي عبد الله محمد ابن شرف وكلامه. وكان معاصراً لابن رشيق عند ذكره إن شاء الله تعالى. أنشدني أبو علي الحسن بن علي بن صالح الأندلسي وقد قدم العراق سنة سبع وخمسين وخمسمائة. قالأنشدني غير واحد لابن شرف أنه قال عند وفاته:
رحلت وكنت ما أعددت زاداًوما قصّرت عن زاد المُقيم
فها أنا قد رحلت بغير شيءولكنّي نزلت على كريم
فما أدري أنشدنيهما لهذا ابن شرف أو لأبي عبد الله ابن شرف. وذكر لي الفقيه اليسع بن عيسى اليسع الغافقي الأندلس أن أبا الفضل جعفر بن محمد ابن شرف شيخه وهو يروي عنه. وقال أدركته سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقد بلغ خمساً وتسعين سنة وتوفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة وقد أناف على المائة وكان يروي العمدة لابن رشيق عنه بالإجازة، وأجاز لي روايتها عنه بالإجازة عن ابن شرف عن ابن رشيق، وأنشدني لابن شرف هذا:
مطل الليل بوعد الفلقوتشكّى النجم طول الأرق
ووصفه الفتح صاحب قلائد العقيان وقال: الأستاذ الأديب، الحكيم الناظم الناثر، الكبير المعالي والمآثر، وذكر أنه زاخر العباب، فاخر الآداب، وله يد في علم الأوائل بها خبرة الألباب، وله تصانيف منها كتابه المسمى سر البر ورجزه الملقب بنجح النصح. ومن حكمه قوله:
العالم مع العلم كالناظر في البحر يستعظم منه ما يرى والغائب عنه أكثر. لولا التسويف لكثر العلم. الفاضل في الزمان السوء كالمصباح في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح. لتكن بالحال المتزائدة أغبط منك بالحال المتناهية. والقمر آخر إبداره أول إدباره. لتكن بقليلك أغبط منك
بكثير غيرك. فإن الحي برجليه وهما ثنتان، أقوى من الميت على أقدام الحَمَلة وهي ثمان. المتلبّس بمال السلطان كالسفينة في البحر إن أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه. التعليم فلاحة الأبدان وليست كل أرض منبتة. الحازم من أيقن فبادر وشك وروى. قول الحق من كرم العنصر كالمرآة كلما كرم حَديدُها أدّت حقائق الصفات. رب سامح بالعطاء على باخل بالقبول. ليس المحروم من سأل فلم يعط، وإنما المحروم من أعْطِيَ فلم يأخُذْ. ابن آدم تذمّ أهل زمانك وأنت منهم كأنّك وحدك البريء وكلهم الجريء، كلا بل جنيت، وجني عليك فذكرت ما لديهم ونسيت ما لديك. اعلم أن الفاضل الذكي لا يرفع أمره أو يظهر قدره، كالسّراج لا تظهر أنواره أو يرفع مناره. الناقص الذي لا يبلغ الى نقصه إلا بوضعه، كهوجل السفينة لا ينتفع بضبطه إلا بعد الغاية من حطّه.
وله من رسالة:
توسُّلُ الهمم، أعزّك الله، كتوسل الذمم. ورب راق بوسيلة ذي اشتياق فاستباق الى فضيلة رصد فقصد واحتشد فتحرى الرشد. ولمّا طلع بك المجد من معالمه وأينع لك الحمد في كمائمه فلاح محيّاك قمراً زاهراً، وفاحت سجاياك زهراً عاطراً، وأنار بأفقك منار الأنوار، ودار على قطبك مدار الفخار، وخفّ إليك بالقلوب ارتياحها وطار إليك بالنفوس
جناحها، فجوامع الجوامع لديك حضور، ونواظر الخواطر إليك صور. وقد تخيلتك نظرات العيون وتيممتك خطرات القلوب فحنت إليك حنين اليفَن الى صِباه، واهتزت اهتزاز الغصن الى صَباه. ولا غرو أن رمت إليك القلوب بأرواحها وتلقتك العيون بالتماحها فقد يرقب الصباح ويلمح القمر اللّيَاح وليس على عاشق الفضل من جناح.
وكتب الى وزير:
أطال الله بقاء الوزير وأعلى مرتقاه في رفعة العز ومنعة الحرز، الوزير الأجل كالمطر الجَوْد يملأ الحياض، وينبت الرياض، بل كالقمر يقذف بالنور، ويذهب بالديْجور، وقد ألحفني من سناه، وسقاني من سقياه، بما أنار فأضوى، وجاد فأروى. فلله أياديه ما أنزلها بكل فناء، وأسمعها لكل نداء، حين رعى قصدي وهو مجفيّ، ووعى صوتي وهو خفيّ. فالآن أضرب بحسام اعتناؤك جرّده، وآوي الى ذمام عَلاؤك أكّده، والله بفضله يديم نعماءه، ويعلي ارتقاءه، حتى أظهر بسمائه واشتهر بأرفع أسمائه.
ومن شعره قوله:
قامت تجر ذيول العَصْب والحَبَرضعيفة الخطو والميثاق والنظر
تخطو فتولي الحَصا من حَليها نُبَذاًوتخلط العنبر الوردي بالعَفَر
غيري يخلي بما تبديه من قلقفي الوُشْح أو غَصَص تخفيه في الأُزُرِ
لم أدر هل حنق الخلخال من غضبعليه أم لعب الزنار من أشر
تلفّتت عن طَلَى وسنان وابتسمتعن واضح مثل نَوْر الروضة العطر
إن نلت ريّاه لم أطمع بمطمعهلأن روض الصِّبا نَوْر بلا ثمر
ما لذّ للعين نوم بعدما ذكرتليلاً سمرناه بين الضال والسَّمُر
تساقط الطل من فوق النحور بهتساقط الدرّ في اللبات والثُّغَرِ
ومفرَق الليل قد شابت ذوائبهفبِتّ أدعو له بالطول والعمر
والليل يعجب والظلماء داجيةمن ساهر يتشكّى الليل بالقصر
فبتُّ أجزع من ليل بواضحةتبدو وأبخل من روض على سحر
يا من جفا فجفاني الطيف هجرك ليبأي عذر فعذر الطيف في السهر
ذكرت بالسفح شملاً غير منصدعبالنائبات ونظماً غير منتثر
ومنها في وصف السيف:
إن قلت نارٌ أتندى النار مُلْهَبَةأو قلت ماء أيرمي الماء بالشرر
ومنها في وصف الدرع:
من كل ماذيّة أنثى فلا عجبكيف استهانت بوقع الصارم الذكر
وله من أخرى أوّلها:
ما الرسم من حاجة المَهْريّةِ الرُّسُمِولا مرام المطايا عند ذي أرم
رُدّي شَبا اللحظ تدين الركاب فمابالبِيد للرّكب من هادٍ ولا علَمِ
حثّي المطي وشدّي في دوائرهاهذا أوان انقضاء الشدّ من زِيَمِ
ريعت لنَبْأةِ سامي السّوط فالتفتتصُعْر الخدود الى سوّاقة حُطُم
ثَبْتٌ على صهَوات الناجيات وقدأخفت سروج المطايا صولة اللُّجُم
منوطة بغواشي البِيض راحتهكأنّما اختلطت بالصارم الخَذِم
بتنا نكالئ طرف العين عن سِنَةفالطيف يستأذن الأجفان في الحُلُم
معرِّسين بأغفال البطال لناتحت الوشيج مبيت الأُسد في الأجُمِ
قامت تغبّطني بالحرص سالكةبين السبيلين لم تقعد ولم تقم
ظنّت بي العجز وارتابت فخاصمهاجور الزمان فلم تعذر ولم تلم
إني وإن عزّني نيل المنى لأرىحرص الفتى خِلّة زيدت الى العدم
فما عكفت بآمالي على وثَنولا سجدت بأشعاري الى صنم
أهل المناظر والألباب خاليةلا يعدمون من الدنيا سوى الفهم
نالوا الحظوظ فحازوها موفّقةكما تقاسمت الأيسار بالزّلَم
لمّا رأيت الليالي قد طُبعن علىجدْب الأسود وخِصْب الشاء والنعم
رجعت أضحك والإعوال أجدر بيمن ميْسِر كان فيه الفوز للبَرم
تقلدتني الليالي وهي مدبرةكأنّني صارم في كف منهزم
ذهبت بالنفس لا ألْوي على نفسوإن دعيت به ابن المجد والكرم
وللمصاع وأطراف اليراع يدبنت لي المجد بين السيف والقلم
ومن مدائحها:
وإنّ أحمد في الدنيا وإن عظمتلواحد مُفْرَد في عالم أمَم
تهدى الملوك به من بعد ما نكصتكما تراجع فلّ الجيش بالعلم
رحب الذّراع طويل الباع متضحكأنّ غرّته نار على عَلَمِ
من الملوك الألى اعتادت أوائلهمسحب البرود ومَسْحَ المسك باللِّمَم
زادت مرور الليالي بيتهم شرفاًكالسّيف يزداد إرهافاً على القدم
تسنّموا نكبات الدهر واختلطوامع الخطوب اختلاط البرء بالسقم
وله من أخرى أولها:
سروا ما امتطوا إلا الظلام ركائباولا اتخذوا إلا النجوم صواحبا
وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجىفبات بأطراف الأسنة شائبا
وليل كطيّ المِسْح جُبْنا سوادهكأنّا امتطينا من دجاه النوائبا
خبطنا به الظلماء حتّى كأنّماضربنا بأيدي العيس إبْلاً غرائبا
وركب كأنّ البِيض أمست ضرائباًلهم وهم أمسَوا لهنّ ضرائبا
إذا أوّبوا ساروا شموساً منيرةوإن أدلجوا أمسوا نجوماً ثواقبا
طوال طوال الباع والخيل تحتهمتخالهم فوق الجياد أهاضبا
فما يحملون السُّمر إلا عوالياًولا يركبون الخيل إلا سلاهِبا
إذا اعتقلوا للطعن سُمْراً عوالياأو اتّشحوا للضرب بيضاً قواضبا
وله من أخرى أولها:
أرِحْ خُطاكَ فحَلْيُ النّجم قد نُهباوقد قضى الشرق من وصل الدجى طربا
إنّا ركبنا من الظلماء جانحةكأننا من دجاه نمتطي نُوَبا
سلِ النّجوم هل ارتابت بصحبتنالما أثرن إليهنّ القنا السُّلُبَا
إذا استمرّت لمجرى النجم سالكةخلنا المجرّة من آثارها ندبا
تهفو الركاب فتهدينا أسنّتناكأنّما عارضت أطرافها الشُّهُبا
وباتت الخيل يقدحن الحصا حنقاًحتى تضرّم ذيل الليل والتهبا
تلك الفوارس لا تثنى أعنّتهاعن وِجهة أو ينالَ السيف ما طلبا
باتوا على نشوة ما هاجها طربوقد أداروا لطاسات السرى نَخَبا
إذا أثاروا القنا عن جُنْح مُظْلِمَةٍشالوا النجوم على أطرافها عذَبا
وله:
خيال زارني عند الصباحوثغر الشرق يبسم عن أقاح
وقد حشر الصباح له ونادىفأصغى النجم منه الى الصباح
وفاض على الكواكب وهو طاموطار النسر مبلول الجناح
وزائرة طردت لها مناميوقد عقد الكرى راحاً براح
وأدناها الهوى حتى أذلّتْوباتت بين ريحان وراح
تهزّ الغصن في حِقْف مَهيلوتفري الليل عن قمر لياح
وأضناني الهوى فنَعتْ نُحوليوهل يُنْعى النحول على الصِّفاح
وقد حمّلتُ ثِقل الحبّ ضعفيكحمل الخِصر للكفل الرَّداح
أحنّ الى رضاك وفيه برئيكما حن العليل الى الصباح
وقد أحللت حبك في فؤاديمَحَلَّ المال من أيدي الشِّحاح
سأفزع في هواك لحسن صبريكما فزَع الجبان الى السلاح
وأقتدح الرغيبة من ركاببَراهُنّ السُّرى برْيَ القِداح
تعنِّفُ أنْ رأت شأْوي بعيداًومن يثني الجواد من الجِماح
سُرًى جُبْنا به الظلماء حتىسبقنا البائتين الى الصباح
إذا وَنَت الكواكب عن مداهاحفزناها بأطراف الرماح
ومن كان الوزير له ظهيراًيَسُمْ راعيه في حيّ لِقاح
بحيث الرعي في أحوى أحمّوحيث الوِرد في شم قَراح
من القوم العزيزيّين أهل العلى والطَّول النسب الصُّراح
أقاموا المجد في سَمْك عَليّومدّوا العزّ في أرض فَياح
فيأوي كل عاف من ذراهمالى بيض النهى خضر البطاح
وقد قام العُلى فيهم خطيباًوصاح الجود حيّ على الفلاح
بأبنية وأعمدة طوالوراحات وساحات فِساح
أبا بكرٍ كتمت عُلاك حِلْماًفنَمّ على الرُّبا طيب الفواح
فكم تحيي المواليَ بامتنانوكم تُرْدي المعاديَ باجتياح
يمينٌ ملّكت رقّ المساعيوكفّ أُعْذِبَتْ ماء السماح
وفضل لا يُنيب الى نصيحوجود لا يُصيخ لقول لاح
وحكم أوسع الدنيا وقاراوقد خفقت له خَفْقَ الجناح
ومنها:
دعوت المتقين لخير مأوىوأحللت الطريد أعزّ ساح
فما للفضل منها من زوالوما للمجد عنها من بَراح
لقد أنسى زمانك كل عيدبعزّ ثابت وأسى مُزاحِ
وذي الأيام أعياد الأياديفكيف تضيفهن الى الأضاحي
وله:
يا منجدي والدهر يبعث حربهشعثاء قد لبست رداء عَجاجها
لله درّك إذ بسطت الى الرضىنفساً تمادى الدهر في إحراجها
وأرقت ماء الورد في نار الأسىكالراح يُكْسَر حدّها بمزاجها
فيأتني تلك الغمام فبرّدتمن غُلّة كالنّار في إنضاجها
فأويت تحت ظلالها ووجدت برْد نسيمها وكرعت في ثجّاجها
حاولت منّي أن أطارد حاجةمرضت فأعيا الناسَ بابُ علاجها
قل كيف تُنْعَشُ بعد طول عِثارهاأم كيف تُفْتَحُ بعد سدّ رِتاجها
وله وقد استدعي الى حضرة المتوكل فنزل الغيث عليه في طريقه إليه:
صاحبنا الغيث الى الغيثلكنّه غيث بلا عيث
سحابة تهمي حياها سرىلا تخلط الإعجال بالريث
يا ليث غاب حسنه باهروالحسن لا يعرف لليث
أحَلّني قربك في موضعيجلّ عن أينٍ وعن حيثِ
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع