من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الشريف علي بن أسامة العلوي الحسيني الضرير
شاب ظريف، حسن الصوت.
كان ينادم الأكابر بإنشاد الأشعار المطربة الغزلة، كأشعار مهيار والرضي ومن يجري مجراهما، ثم ابتدأ يعمل شعراً، ويتكلف الصنعة فيه بالتجنيس والتطبيق. وكثر ذلك منه حتى غلب عليه النظم، ومهر فيه، وتمهر في نظمه، وحسنت ألفاظه وراقت.
فمما أنشدني من شعره، ما نظمه في عند ورودي واسط في عمل الوزير، سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
قدمتَ يا مَنْ رقاه في العلى قدمُوقدمة شادَها التّأييدُ والقِدَمُ
يا مَعدِنَ الحسنِ والإحسانِ، يا ملكاًيَعُمُّ منه الورى الإكرامُ والكرمُ
يا عاقرَ البُدْنِ والأبدانِ، دامَ لك الْإِنعام في الدَّهر، يا مَنْ قولُه نَعَمُ
محمّد أنت محمودُ السَّجِيَّةِ، إِذْنفت همومَ الورى عن عزمك الهِمَمُ
وأنت في عالَم الدُّنيا، بفضلك والعِلمِ الغَزيرِ وإدراكِ العلى، عَلَمُ
هذا العزيز الَّذي ذَلَّت لِعزَّته العِدا، وعزَّ المُوالي فَهْوَ محترمُ
يا مُعرِبَ اللفظِ، يا مَنْ في الورى شَهِدتبفضله وعُلاه العُرْب والعجمُ
ومَنْ يقلّم أظفارَ الزَّمانِ، إذاأبدت له منه حُسنَ السِّيرة الشِّيَمُ
كم خُلَّةٍ منه سَدَّت خَلَّةً بنَدىًومِنّةٍ من كُلوم طيَّها كَلِمُ
لا يملِكُ الذَّمُّ منه العِرضَ من أحديوماً، ويملِكُه الميثاقُ والذِّمَمُ
حرمانُ راجيهِ جُرمٌ عندَه، ولِمَنْيلجا إلى ظلّه من رَبْعه حَرَمُ
في الجود، سار أَمامَ النّاس عن أَمَمإلى مَدىً عجَزَت عن شَأْوه الأُمَمُ
قدِمتَ كالأمن بعدَ الخوفِ، أو كنُزولِ الغيثِ، من بعدِ ما ضَنَّتْ به الدِّيَمُ
لا زِلتَ تبقى قَريراً في بُلَهْنِيَةٍلخادم سَبقَت منه لك الخِدَمُ
ومما أنشدنيه أيضاً لنفسه، وقصدني ب الهمامية، في صفر سنة ستين وخمس مئة:
عَلامَ جَنَّبْتَ من السَّفْحِ العَلَمْوزُلْتَ بي سَلِمْتَ عن وادي سَلَمْ؟
وهذه الكُثبانُ من رمل الحِمىأَمامَ عينيك، تلوحُ عن أَمَمْ
أما ترى القلبَ، وقد قام لِقُرْبِ الدّارِ من غرامه على قَدَمْ؟
يا حادِيَ الأَظعانِ، رِفقاً، لا تُطِلْسيراً، أَقِلَّ الحَثَّ، واحبِسِ النَّعَمْ
ففي الخِيامِ مُدْنَفٌ، تحسَبُهٌمن النُّحول بعضَ أَطنابِ الخِيَمْ
هذا، أخذه من قول صردر:
وكم ناحلٍ بين تلك الخِيامِ، تحسَبُهُ بعضَ أطنابِها
أصبح بينَ مُغرِقٍ ومُحرِقٍ:دمعٍ، ونارٍ في الفؤاد تضطرمْ
كم جحَدَ السَّلْوَى فما أغنى، وكمكتَمها، والدَّمعُ يُبدي ما كتَمْ
فلم يُجِبْ قولي، كأنَّ قلبَهصُمُّ الصَّفا، أو حشوَ أُذنيه صَمَمْ
وراحَ يشدو، لا أُقِيلت عثرةٌلِعيسِه، ولا سُقِي صَوْبَ الدِّيَمْ
أقسمت بالجمع على جَمْع ومَنْأقامَ في ذاك المَقام واستلَمْ
ومَنْ صفا على الصَّفا وب مِنَىنالَ المُنَى، والمُحْرِمِينَ والحَرَمْ
إِنّيَ، مُذْ فارقت سُكّانَ الحِمى،فارقَ عينيَّ الكَرى ولم أَنَمْ
وإِنَّ قلبي، مُذْ نأى خُلاّنُهعن الحِمى، بينَ ضُلوعي لم يُقِمْ
يا قلبُ، دَعْ عنك الهوى، وارجِعْ إلىحُسن التُّقَى، والبَسْ حميداتِ الشِّيَمْ
فهذه الدُّنيا متى دانت نَبَتْ،وغيرُ فعلِ الخير يُورثُ النَّدَمْ
كم غادرت بغدوها شَبِيبةًأَنيقةً، فبدَّلَتْها بالهَرَمْ
وصرفت بصَرْفها عن ذي قُوَىصِحَّتَهُ، وعَوَّضتها بالسَّقَمْ
ومن مديحها:
واللهِ، ما نالَ العلى غيرُ امْرِئٍأضحى وأمسى بالعَلاء ملتهم
حَبْرٌ، فصيحٌ، لَسِنٌ، مُفَوَّهٌأَحكامُه تنطِقُ فينا بالحِكَمْ
سِيرتُه والوجهُ منه، كشَفاعن الورى الظُّلْمَ العَمِيمَ والظُّلَمْ
في وجهه بدرٌ، وفي بَنانهبحرٌ من الجود، وفي الأنف شَمَمْ
قد فاق قُسّاً في البيان، وشَأَىفي البأس عَمْراً، والنَّدَى بَذَّ هَرِمْ
يا صاحبَ الإِنعامِ، بل يا عاقرَ الْأَنعامِ، يا ساحبَ أَذيال النِّعَمْ
يا ابنَ العزيزِ، دُمت في العزِّ، فقدفاقت يداك بالنَّدَى صَوْبَ الدِّيَمْ
وسمعت، بعد سفري إلى الشام، أنه لحق بالخبير العلام، وضمت عليه أضلاع الرجام.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع