من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
نصر الهيتي الدمشقي
هو نصر بن الحسن، من ضيعة يقال لها الهيت من أعمال حوران من ناحية اللوى. لقيته بدمشق، وتوفي بعد وصولي إليها بسنيات، بعد سنة خمس وستين وخمسمائة.
أِنشدني له وحيش، وذكر أن شعره كان سالماً نقياً ما عليه غبار:
كيف يُرْجى معروف قومٍ من اللؤمِ غَدَوْا يَدْخُلون في كلِّ فنِّ
لا يروْن العُلا ولا المجد إِلاّبِرَّ عِلْقٍ وقَحْبَةٍ ومُغَنِّ
يتمنَّوْن أضن تَحُلَّ المسامير بأَسماعهم ولا الصوت مني
وأنشدني له بعض أصدقائي بدمشق:
ما لي أَرى قوماً يروضُون العُلاوبها عليهم نفرةٌ وإِباءُ
لن يشْرَكونا في القريض، وكلُّهمفي بعض ما نأتي به شركاء
زعموا بأَنّ المَيْن في أَقوالناونَسُوا بأَنّا في المقال سَواء
إِن كان خُلْف القول في أِشعارنانقصاً فنحن وهم به أَكفاء
لا نحن نفعلُ ما نقول ولا همُفإذا نظرتَ فكلّنا شعراء
لكنْ لنا ولهم على أَقوالنابين الأَنام مدائحٌ وهجاء
فإِذا كَذَبنا، قيل عنا: أَحْسَنواوإِذا همُ كذَبوا يقال: أَساءوا
هذا وإِنّ لنا عيوناً مِلْؤهامن كلِّ ما نُسِبوا إِليه حياء
والله ما نسجوا على مِنْوالنايوماً وإِنّا منهم بُرَآء
ومن العجائب أَن يَرَوْنا دونهموهمُ لنا أَرضٌ ونحن سماء
وأنشدني أيضاً:
لقد تعجَّبَتِ النُّظَام من مِدَحٍأَزُفّها بين منظومٍ ومنثورِ
أَبكار فكرٍ جلاها منطقي فأَتَتْتختال ما بين تهذيب وتحبير
ولا أَنال بها رِفْداً إِذا نُشِرتإِلاّ سوادَ خُطوطٍ في مناشير
واخَيْبةَ الشِّعرِ أُهديه إِلى نفرٍعليه يَجْزُون مَسْطوراً بمسطور
رفاعُهم تملأُ الدنيا بما رحُبَتمَلأً من المَيْنِ والبُهْتان والزُّور
تُطْوى وتُنْشَر والأَدْناس تشمِلهافي كَفِّ كلِّ سَخين العَيْن مَعْرور
كأَنها، وعطاياهم مُسَطَّرةٌفيها، لفائِفُ مَيْتٍ غير منشور
أَو ما يُقَلّعه البَيْطار مِن خِرَقٍعن كلِّ أَعجفَ غثِّ اللحم مَعْقورِ
فما لها مُشْبِهٌ في كلِّ مُخْزِيةٍإِلاّ مناديلُ رَبّات المواخير
لا تَطَّرِحْها إِذا جاءت فإِنَّ لهانفعاً ولكن لترقيع الطنابير
ثم وقعت بيدي مسودات من شعر الهيتي بخطه عند وصولي إلى مصر، مما قاله بها وبالشام، فنقلت منها ما تحسد دررها الدراري، ويعشق إنشآءها المشحون فلك معانيه منشآت الجواري، فمن ذلك قوله من قصيدة في ابن رزيك:
لم تدر ما طعم الكَلال ولا الوَجالولا تدَرُّعُها الظلامَ إِذا سجا
والسير تحت هواجر الشِّعْرى التييلقى الوجوهَ أُوارُها متوهّجا
بكواكب القَيْظِ التي قالت بهاجُونُ الجَنادِب تستظِلُّ العَرْفَجا
ذرْها وحاديَها وأَجوازَ الفلاوتحمّل الأَثقال فيها والنَّجا
عوّامةٌ في الآل تحسب أَنهبحرٌ، وتحسبها السَّفينَ مُلَجّجا
ومنها في الغزل:
تجلو بِعيدان الأَراك مُعَلَّلاًبالراح مثلَ الأُقحوان مُفَلَّجا
مُضْنىً يُريك مُوَشَّحاً ومُمَنْطَقاًعَبْلاً يريك مُخَلْخَلاً ومُدَمْلَجا
وكأَنما ظبيُ الصّريم أَعارهاجِيداً ومُلْتَفَتاً وطَرْفاً أَدْعجا
عُلِّقْتُها تختال في بُرْدِ الصِّبامَرَحاً، وبُرْد شبيبتي ما أَنْهَجا
حتى تنفَّس من غياهب لِمَّتيفَلَقُ المشيب بمَفْرقي وتبلّجا
وكففتُ عن غزلي بها وتهذَّبتْمني القرائح للمدائح والهجا
وحَلَبْتُ هذا الدهرَ أَشطُره فلمأَرَ فيه ذا خطرٍ يُخاف ويُرْتجى
إِلاّ بني رُزِّيك أَرباب النَّدىوالبأس والمجدِ المُؤَثَّل والحِجا
وقوله من قصيدة:
لئن أَمسكتْ عني سحائب جُودهِفما أَنا للبِرّ القديم جَحودُ
أَلم تر أَنَّ المُزْن يهطِل تارةًويُمْسِك بعد الهَطْل ثم يجود
وقوله من قصيدة أولها:
تيمَّمِ النار تجلو عاكِفَ الظُّلَمِيا مُدْلِجاً بطِلاح العيس لم ينمِ
حُلَّ النسوع بمَغْنىً لم يزلْ أَبداًيُهَزّ بالمدح فيه نَبْعة الكرم
واحطُط رِحال المطايا عن غواربهابرحْب هذا الحِمى الممنوع والحَرَم
جناب أَرْوَعَ ما استسقيت راحتَهتُفني العِدى واللُّهى بالسيف والقلم
فعزمُه أَبداً بالنُّجْح مقترنٌوالرَّأْيُ بالرُّشْد، والأَلفاظُ بالحِكم
مَنْ لم يزل يرعف الخَطيُّ في يدهوالمشرفيُّ دمَ الأَكباد والقِمَم
ما قارعتْ يده إِلاّ بمُنْحَطِمِكلاّ ولا جالدت إِلاّ بمُنْثَلِم
ومنها:
كأَنّهم والرَّدَيْنِيّاتُ تكنُفُهمْيومَ الهياج غضابُ الأُسْد في الأَجَم
ومنها:
يا ابن الذين إِذا عُدَّتْ مناقبهمبين الورى ضاق عنها واسعُ الكَلِم
وقوله من قصيدة في صاحب بُصرى أولها:
خَلِّ الصَّريمَ لواصفي آرامِهِوغَزالَه لِمُتَيَّمٍ ببُغامِه
وَدَع الأَراك وما سما من دَوْحِهتدعو على الأَغصان حَمامِه
ومنها في المدح:
أَسدٌ ولكن من براثن كفّهبيضُ الظُّبا، والسُّمْرُ من آجامه
لو لم يكن أَحدَ الضراغم لم يكنكسر الكُماةِ الشوس من إِلهامه
سائلْ به يوم الظَّليلِ فإِنهيومٌ تجلّى عنه من أَيّامِه
إِذا جاءه جيشُ الفرنج مُنَظَّماًفسما إِليه فحَلَّ عَقد نظامه
وغدا يُحَدِّث في الجامع كفرُهُمْبالبأس والسَّطَواتِ عن إِسلامه
وله بأَرض القُدْس فيهم وقعةٌسلبت مليكَهم لذيذَ منامِه
كم جَحْفلٍ للشّرْك همَّ بحَرْبهفأَحَلَّ صدر الرُّمْح صدر هُمامِه
فبنور شمس الدّين قد كُشِفت من الكُفْرِ المُرَوّع عاكفاتُ ظلامه
فالّليْث في سِرْباله والغيث بين بنانه والبدر تحت لِثامه
ماء المنايا والمُنى في كفِّهجارٍ، وفوق الطِّرْس من أَقلامه
حازَ المفاخر والنُّهى في مَهدهوسما إِلى العَلْياء قبل فِطامه
لِلأريحيَّة والنَّدى في عِطفهفِعْلٌ يقصِّر عنه فعلُ مُدامه
تهزُّ عِطفيْه المدائحُ هزةًكعواسل المُرّان يوم زحامه
يُغنيك في العام الجديب بجُودهعن فيض أَبحره وجَوْد غمامه
كَرَمٌ، غدا هذا الزمان لكل ذيأَملٍ يروض به نفوسَ كرامه
وقوله من قصيدة:
رداءَ اتِّباع الغيِّ هل أَنت نازِعُوهل لك مما لاح بالفَوْدِ وازعُ
فَحتّامَ تُصْبيكَ البُروق كأَنهالقلبك لا قلب الظَّلام صوادع
فحلأَّ جفنَ العين عن مَنْهَل الكرىوقد شرَعتْ فيه العيون الهواجع
أَوَجْدَك أَمْ إِلْفاً بنُعْمان في الدُّجىعلى أَيْكِهِ هاجَ الحمامُ السَّواجع
أَمِ الطيف لما زار، وهْناً، مُسَلِّماًنبت بك لما سار عنك المَضاجع
فبتّ سميراً للنجوم كأَنّماتضمَّنَ من تهواه منها المطالع
فيا لابِساً ثَوبَيْ مَشِيبٍ وصَبْوةٍصُنِ السّرَّ إِلاّ أَن تَنُمَّ المَدامِع
فما لك في خَلْع العِذاريْنِ عاذرٌولُبْسِ قِناع اللَّهْوِ، والفَوْدُ ناصع
ومُضطربِ الأَحشاء من أَلم الجوىنَبَتْ عن سماع العذل منه المسامع
أَقام الهوى منه الفؤادَ رَمِيّةًلِما فوّقت يوم الوَداع البَراقع
فلا الماء إِلاّ ما تَسُحُّ جُفونُهولا النّارُ إِلاّ ما تَجُنُّ الأَضالع
يَحِنُّ إِلى أَرض الشآم صَبابَةًكما حَنَّ مفقود القرينة نازعُ
ديارٌ كساها القَطْرُ سِرْبال بَهْجَةٍمصايفُها تُزْهى به والمَرابِع
جَلَتْها الرياضُ الخُضْرُ في حُسْنِ حُلَّةٍمن النَّوْر حاكتْها الغُيوثُ الهوامِع
سَقَتْها على تصفيق برقٍ تراقَصتْبأَسيافها فيه البروق اللَّوامع
وأَلبسها زهْرُ الربيع مَطارِفاًمِن الوَشي لاثتها الرُّبى والأَجارع
تُرَجِّعُ فيه الطيرُ لحناً كأَنمايَجُسُّ به منها المثانيَ صانع
تخال مناقير الهَزار بدَوْحِهامزاميرَ، لكن أَعوزتْها الأصابع
بلادٌ لأُسْد الغاب في عَرَصاتِهابأَلحاظ أَحْداق الظباء، مَصارع
فيا طِيبها لولا زَلازِلُها التييروعُك منها هَزُّها المتتابع
تَمُورُ كما مار السَّفيه بلُجَّةٍتَلاطمَ فيها مَوْجُها المتدافع
بأَقْطارها لا تطمئنُّ كأَنّماتوعَّدهُنّ اللّوذعِيُّ طلائع
ومنها:
إِذا ملأَ الصدرَ النِّجادُ وصافحتْمتونُ القنا الخَطّارِ فيه الأَشاجع
يقول: أَلا أَيْن المجالِدُ، عضبُهوذابله العسّال، أَين المُقارِع
منازِلُه والمالُ والصَّدْرُ والجَدىعلى الخلْق، كُلٌّ في الإِضافة واسع
وأَفعالهُ في المَكْرُمات كعزْمِهمواضٍ، فما فيهن فعلٌ مُضارعُ
فما روْضَةٌ يُسْقى بماءيْنِ تُرْبُهاوكلُّ نميرٍ في المَنابت ناجِع
يمُجّ إِليها النيل من صاعِد النَّدىويَشْفَعُه من نازل القطر شافع
مُدَبَّجَةُ الأَرْجاء تُمْسي كأَنهاعقيلة خِدْر سِرُّ ريّاهُ ذائع
تَقابَلَ في المخضرّ أَبيضُ ناصِعٌوأَحمرُ قانٍ منه أَصفر فاقع
بأَحسنَ منْ يوم التهاني يَزُفُّهالمجدك نظّامٌ بليغ وساجع
وله في كبير مرض:
مَنْ مِثْلُه حين عاد مشتكياًوالمجدُ والمَكْرُمات عُوَّدُهُ
مدّ إليه الشفاءُ كلَّ يدٍوعنه غُلَّتْ من الرَّدى يدُه
وقوله في مرثية الصالح بن رزيك:
جَلَّ ما أَحدثتْ صُروفُ اللياليعند مُسْتَعْظَم العُلى والجلالِ
مَلِكٌ بعد قَبْضِه بَسَطَ الخَطْبُ يديْه إِلى بني الآمال
جادتِ العينُ بعد بُخْلٍ عليهبيواقيتِ دمعها واللآلي
وغدا كلُّ ناطقٍ بلسانمُوجَعاً فيه، قائلاً: ما احتيالي
ذهب الصّالح الذي أَلبس الأَيّامَ مِنْ بعدِه ثيابَ الليالي
والذي كَفَّ كفُّه أَيديَ الفقْر بما بثَّ من جَزيل النَّوال
حَلَّ في التُّرْبِ منه من كان يرجوهـ ويخشاه كلُّ حيّ حِلال
طوْدُ حِلْمٍ ما خَفّ إِلاّ إِذا قيل: أَلا أَين حامِلُ الأَثْقال
مَنْ لِشَنِّ الغاراتِ بعد أَبيهاولِصَدْمِ الأَبطال بالأَبطال
ولِنَظْمِ الصُّدور، تعتلجُ الأَحْقاد فيهنّ، في صُدورِ العوالي
ولِفَصْلِ الخطاب في كلِّ أَمرٍشيبَ منه الإِبهامُ بالإِشْكال
ومنها:
خَلِّ دَمْعي فإِنَّهُ غير راقٍوفؤادي فإِنه غيرُ سالِ
ليس يُطفي ناراً تَلَظَّى بقلبيسُحْبُ جفني بمائها الهطّال
حُرِمتْ لَذَّةَ الكرى كلُّ عَيْنٍلم تَجُدْ بعدَه بدمْعٍ مُذال
وإِذا بان ساكنُ الرَّبْعِ عنهما يَرُدُّ البكاءُ في الأَطْلال
وقوله:
طاف، وسِتْرُ الظَّلام مُنْسَدِلُخيالُ مَنْ زان طرفَهُ الكَحَلُ
يَعْجَبُ مِنْ طارق الرُّقاد وقد نازَلَ جفني من بعد ما ارتحلوا
ثُمَّت وليّ وَهْناً فأَتْبَعَهُطيبَ كراه المُتيَّمُ الغَزِلُ
ولو تَخَطَّى إِليه باعثُهلم تُخْفِه دُجْنَةٌ ولا طَفَلُ
وكيف يُخْفي الظلامُ شمسَ ضُحىًغصَّتْ بأَنوارِ وجْهها السُّبُلُ
الليلُ والصبحُ مِنْ مُرَجَّلِهاعلى نَواصي جبينها خَجل
وقدُّها عَلَّم الغصونَ ضُحىًتميلُ في البانِ ثم تعتدل
جَيْداءُ قد نظّمت قلائدهادُرّاً يحاكيه ثَغْرُها الرَتَل
لم أَدْرِ من قبل أَنْ تلاحظنيأَنّ جفونَ الصّوارم المُقَل
ولا علمتُ الظّباء كانِسَةًفوق المطايا وكُنسُها الكِلَل
ومنها:
منازلَ الحيِّ بالمُرَيج سقىثَرى مَغانيكِ عارِضٌ هَطِلُ
لولا ظِباء الطُّلول منك لماشجا فؤادي ظبيٌ ولا طَلل
ولم يَرُضْني هوى الحسانِ كمايروضني للمدائح الأَمل
من كلِّ سيّارةٍ مُحَبَّرةٍدُرِّيّةِ اللفظ ما بها خَلَل
عذراء، روضيَّة النسيم، علىأَوصاف سيف الإِسلام تشتمل
غدا لأَمر الإِِله مُمْتَثِلاًفأَمره في العباد مُمْتَثَل
ملك تُقِرّ الملوك أَنهمله، إِذا ما تفاخروا، خَوَل
تُهْدى إِلى التُّرْب في مجالسهمِنْ قبلِ تقبيل كَفِّه، القُبَل
قائد جيشٍ إِلى العِدى لجبٍصَرْفُ الرَّدى منه خائفٌ وَجِل
قومٌ كأُسْدِ الشرى براثنها البيض المواضي وغابُها الأَسَل
فَلِلْمَها ما تَقَلّدوه، وللأَحْداق يوم الهياج ما اعتقلوا
مِن مَعشرٍ ما لذا الزمان يدٌيفعل في الناس مثل ما فعلوا
إِن سُئِلوا المجدَ والعُلى مَنَعواأَو سُئلوا العُرْفَ والنَّدى بذلوا
ومنها:
يسأَله الوَفْدُ رِفْدَه فمتىتَرَحَّلوا عن جنابه سُئِلوا
تفعل في عِطْفه المدائح مايَعْجَزُ عنه الثقيل والرَّمَل
ذِكْرُ النَّدى والعُلى يُرَنِّحُهكأَنه منه شارِبٌ ثَمِل
فالْعلمُ والحِلمُ والشجاعة والعفّةُ فيه والقول والعمل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع