من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
المهذب أبو الحسين أحمد بن منير الطرابلسي
كان شاعراً مجيداً مكثراً هجاء معارضاً للقيسراني في زمانه، وهما كفرسي رها، وجوادي ميدان. وكان القيسراني سنياً متورعاً، وابن منير مغالياً متشيعاً، وتوفي بعد سنة خمسين.
سمعت الأمير مؤيد الدين أسامة بن منقذ في دمشق سنة إحدى وسبعين، وهو يذكره، وجرى حديث شعر ابن مكنسة المصري وقوله:
لا تخدعنَّك وَجْنَةٌ مُحمرّةرَقّتْ، ففي الياقوت طَبْعُ الجَلْمَدِ
فقال من هذا أخذ ابن منير، حيث يقول من قصيدة له:
خِدْعُ الخدود يلوح تحت صفائهافحَذارِها إن موّهت بحيائها
تلك الحبائلُ للنفوس، وإنماقطع الصّوارم تحت رَوْنق مائها
فقلت له: هذا شعر جيد، وأنت لأهل الفضل سيد. فاحكم لنا كيف كان في الشعر، وهل كان قادراً على المعنى البكر. فقال: كان مغواراً على القصائد يأخذها، ويعول في الذب عنها على ذمة للناقد أو للجاحد.
وسمعت زين الدين الواعظ ابن نجا الدمشقي يذكره ويفضله، ويقرظه ويبجله ويقول: ما كان أسمح بديهته، وأوضح طريقته، وأبدع بلاغته، وأبلغ براعته. ورأيته يستجيد نثره، ويستطيب ذكره، ويحفظ منه رسائل مطبوعة، ويتبع له في الإحسان طرائق متبوعة، ويقول: كانت الجمهرة على حفظه، وجمة المعاني تتوارد من لفظه. ويصف ترفعه على ابن القيسراني واستنكافه من الوقوع في معارضته، والرتوع في مرعى مناقضته.
ولقد كان قيماً بدمشق، إلى أن أحفظ أكابرها، وكدر بهجوه مواردها ومصادرها، فآوى إلى شيزر وأقام بها، وروسل مراراً بالعود إلى دمشق فضرب الرد وجه طلبها، وكتب رسائل في ذم أهلها، وبين عذره في تنكب سبلها.
واتصل في آخر عمره بخدمة نور الدين محمود بن زنكي ﵀، ووافى إلى جلق رسولاً من جانبه قبل استيلائه عليها وتملكه لها، وارتدى عنده من الوجاهة والكرامة حللها.
ومحاسن أبي الحسين بن منير منيرة، وفضائله كثيرة، وقد أوردت منها ما قلب في قالب الظرف وظرفه، وانصرف قلب الارتياح إلى مزج صرفه، ولم ينحرف مزاج الاعتدال باعتلال حرفه. ولم يتفق لي ديوانه لأختار مختاره، وأمتار مشتاره، وأجني من روض حسنه ورده وبهاره، ورنده وعراره، وإنما التقطت أعلاقه من أفواه المنشدين، واستفتحت أغلاقه من أيدي الموردين. وسأثبت إن ظفرت بديوان شعره، كل ما يصدع به فجر فخره، ويطلع منه بدر قدره، ويدل على سمو مناره، ونمو أنواره، وعلو ناره، ورقة نسيم أسحاره، ودقة سر سحره في معاني أشعاره، وأخفر الخريدة من سخيفها، وأوفر لها الحظ من وافر رائقها ولطيفها، وأجلو لناظرها طرف طريفها، وأغني عن ثقيلها بذكر خفيفها.
وذكره مجد العرب العامري بأصفهان، لما سألته عن شعراء الشام، فقال: ابن منير، ذو خاطر منير، وله شعر جيد لطيف، لولا أنه يمزجه بالهجو السخيف. قال: وأنشدني يوماً قصيدة له فما عقدت خنصري منها إلا على هذا البيت:
أنا حزبٌ، والدهرُ والناسُ حزبٌفمتى أغلِب الفريقَيْن وحدي
شعره ككنيته حسن، ونظمه كلقبه مهذب، أرق من الماء الزلال، وأدق من السحر الحلال، وأطيب من نيل الأمنية، وأعذب من الأمان من المنية. وقع القيسراني في مباراته ومعارضته، ومجاراته في مضمار القريض ومناقضته، فكأنهما جرير العصر وفرزدقه، وهما مطلع النظم ومشرقه، وشى بالشام عرفهما، ونشا عرقهما، وكثر رياشهما، وتوفر معاشهما، وعاشا في غبطة، ورفعة وبسطة. وكنت أنا بالعراق أسمع أخبارهما، ثم اتفق انحداري إلى واسط سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، فانحدر بعض الوعاظ الشاميين إليها، منتجعاً جدوى أعيانها، راغباً في إحسانها، فسألته عنهما فأخبر بغروب النجمين، وأفول الفرقدين، في أقرب مدة من سنتين. وكانت وفاة القيسراني قبله سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
أنشدني الفقيه عبد الوهاب الدمشقي الحنفي ببغداد في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قال: أنشدني الشيخ المهذب أبو الحسين بن منير لنفسه من قصيدة:
لا وحُبَّيْكَ لا عبدتُك سِرّاليلُ صُدغَيْك صيّر اللّيل ظُهرا
وَضَح الأَمر واستوى الناس فيهوافتضحنا فالحمد لله شكرا
أَيّها الصاحيان من كأْس عَيْنٍغازلْتني حتى تطفّحتُ سُكرا
أعُذراً إِن أَردتما أَو فَلُومافي بديعٍ، حسبي عِذاراه عُذْرا
واطلبا للجُحود غيري فإِنيلست ممن يحبّ في الحبّ سَتْرا
أَنا مِنْ أَجل خدّه دِنتُ للنار، وفي خاله عبدت الشِّعْرى
فَضَلالي بَعْدَ الهدى في هواههو عندي خيرٌ وأَعظم أَجرا
وحكى الفقيه عبد الوهاب، أنه كان مولعاً يعرف بابن العفريت وفي خده خال، وأكثر أشعاره في الخال، وقد ردد المعنى فيها، فأحسن ما أنشدني له في هذا المعنى:
أَنكرت مقلتُه سَفْكَ دميوعلا وَجْنَتَه فاعترفتْ
لا تخالوا خالَه في خدّهِنقطةً من صبغ جفن نطفتْ
تلك من نار فؤادي جذوةٌفيه ساخت وانطفتْ ثم طفَتْ
وأَبدع المعنى في هذه الأبيات وأغرب:
عَطفوه فتمادى ولَهاعَنْ حشاً أَسْعر الوَلَها
رَقَدَتْ مُقلتُه عن مقلةٍأَمَر الدمعُ عليها ونها
قمرٌ ما طلَعت طلعتُهقطُّ إِلاّ سجد البدرُ لها
لهبيّ السُّخْط، مائيّ الرِّضىفهو المعشوق كيف اتّجها
نقش الحُسْن على وجنتهشامةً، أَمتَ حُسّادي بها
كان قد أَعوزها بستانهثم لما أَشرقت فيه انتهى
وأنشدني له من مقطوع مطبوع، بالرقة مشفوع، أطيب نظم في عصرنا مسموع، وأثبت شعر أثبت في مجموع، وهو:
يا بأَبي من وَصَلاوملّ ممّا مطَلا
زار وقد خاط الدُّجىعلى حُلاه حُلَلا
فكدتُ، إِجلالاً لهأُدمي يديْه قُبَلا
فقلتُ: مولايَ أَلاَغير اليدين؟ قال: لا
ودار ماءُ الحسن فوْق وَجْنتيْه خَجَلا
حتى إِذا سرّى سرىوحين أَحيا قتلا
كما حلا طيف الخيال نفساً ثم انجلا
يا حبَّذا ذاك الغزالُ لو شفاني غَزَلا
فديتُ من أَبيت منه وعليه وَجِلا
بدرٌ إِذا البدر سرىفيه المحاق كَمُلا
شمسٌ إِذا الشمس خبتتحت الكسوف اشتعلا
إذا تلطفتُ قساوإن سأَلتُ بخِلا
ليت اعتدال قدّهعَطفَهُ فعدَلا
بل ليت صَحْن خدّهمن ذلك الخال خلا
فهو الذي قلّب قلبي في قَواليب البلا
يا سائلي عن الهوىوطعمِه سَلْ من سلا
أَسكرني الحب فماأَدري أَمرّ أَم حلا
ومن قطعة رقيقة، غريبة المعنى دقيقة، بالثناء عليها حقيقة، لا مجازاً بل عن حقيقة، وهي:
أَترى يَثْنيه عن قسوتهخدُّه الذائب من رقّتِه
أَفأَستنجده وهو الذيلوّن الدّمعَ على صبغتِه
أَوَ ما حاجبُهُ حاجبَهُإِن تجافى عن مدى جفوتهِ
فلهذا قَوْسُه موتَرةٌتستمدّ النَّبلَ من مقلته
قمرٌ، لا فخر للبدر سوىأَنّه صيغ على صورتِه
صُدْغه كرْمةُ خمرٍ قسّمتبين خدّيه إِلى نكهتِه
فتَّرتْ جفنيْه منها نشوةٌتُوقِظ العاذل من سَكرتِه
أَتخال الخال يعلو خدَّهنقطَ مِسكٍ ذاب من طُرّتِه
ذاك قلبي سُلبتْ حبّتهواستوتْ خالاً على وجنتِه
ومن أخرى في هذا المعنى، أرق من الشكوى، وآنق من زخارف الدنيا، وأحسن من الحسنى:
عاتبته فاستطالاوصدّ عنّي دَلالا
وهكذا مَنْ تعالىفي حسنه يتغالى
مولايَ قد ذُبتُ صبراًوكم تذيب مِطالا
ما كان عهدك إِلاّمثل السلوّ محالا
بل كان زُور خضابٍنما، وفي الحال حالا
سلبتَ حبة قلبيوصُغتها لك خالا
فقد كستني نُحولاًكما كستكَ جمالا
يا كاملاً وجهه علّم البدور الكمالا
يا أَحسنَ الناسِ وَجهاًصِلْ أَسوَأَ الناسِ حالا
حاشا جمالك من أَنْيستقبح الإِجْمالا
لم أَحظ منك بسُؤلٍوقد فنيت سُؤالا
أَما تعلّمتَ شيئاًمن الكلام سوى لا
ومن أبيات في وصف العذار، أخلع من خلع العذار، وأزهر من الأزهار، وأنور من النوار، وأعقر للألباب من العقار، وأنضر في النواظر من النضار، بيتان هما:
سقاني العَسجَدِيَّةَ ذو عِذارٍيُنمنمُ عَنبراً في صَحْن عَسجَدْ
وحيذا باللآلئ في صِدافٍمن الياقوت طُرّز بالزَّبَرْجَدْ
قد وصف الشارب والشفة والمبسم في هذا البيت المفرد، وأحسن نظمه والجمع بين اللؤلؤ والياقوت والزبرجد.
وقد ألم بوصف الخط، في أبيات كاللآلئ في السمط، يصف فيها الخط والخد والوجنة، والصدغ والمقبل والنكهة، سماعها يذكر إليك الجنة، ويحدث لك إلى حورها الصبوة، ويحل لديك من هواك السلوة، وهي:
روحي الفِداءُ لمن إِذا آلمتُهُعتْباً تفضّض خدُّه وتذهّبا
وتوقَّدَتْ في الروض من وَجَناتهنارُ الحياء يَشُبّها ماء الصِّبا
خطّت سَوالِفُه عليها رُقْيَةًلمّا تَثَعْبن صُدغه وتعقربا
عَذْبُ المُقَبَّل، إِن تحدث أَسكرتْأَلفاظهُ وإِذا تنفّس أَطربا
متغضِّبٌ دَلاًّ، فلستُ بمدركٍمنه الرّضا إِلاّ بأَن أَتغضّبا
ومن أبيات خفيفة، على القلب لطيفة، طريفة في المعنى ظريفة:
أَين مني الصبر عن وجهك أَيْنْبين قلبي وسلوّي عنك بَيْنْ
واهن العزم إِذا استنجدتهفتَّرته فتراتُ المقلتينْ
صار من أَعوان عينيك، كذاكلُّ قلب في الهوى عوناً لِعَيْن
أَيُّها الراقد عندي سهرٌيُكْمِد الواشي ويُبكي العاذليْن
متُّ سُكراً، أَفمِن كأْسِ طِلاراق لي ريقك أضم من شفتين
أَنا لا أَصبر عمّن وجهُهُفَلَقٌ مُبتسمٌ في غَسَقيْن
تَطْلُعُ الشمس لنا من شَفَقٍوهو يبدو طالعاً من شفَقيْن
قلت للكاهن حين اختلستعينه عيني فجرّ الحين حَيْن
قمرَ العقرب خوّفتَ، فمَنمنقذي من قمر في عقربيْن
وأنشدني الفقيه له، وجماعة من الشاميين أيضاً، ثلاثة أبيات كمثلثة الند في الطيب، في إعراض الحبيب:
ويلي من المُعْرِض الغضبان إِذ نقل الواشي إِليه حديثاً كلُّه زورُ
مقصّر الصُّدغِ، مسبول ذؤابتهلي منه وَجدان: ممدود ومقصورُ
سلّمتُ فازورّ يَزْوي قوس حاجبهكأَنني كأْسُ خمر وهو مخمورُ
وله فيمن مل المطال في وعوده، وعطف إلى الوصال بعد صدوده:
بأَبي مَنْ صدّ عنّي وصدَفْثمّ لمّا ملّ من هجري عطَفْ
قلت: مولايَ أَحقٌّ ما أَرىبعد ما حكَّمت في روحي التَّلَفْ
قال: مِنْ أَحْمَدِ شيءٍ في الهوىعُقَبُ الصبر وتأَميل الخلفْ
نحن نُحيي مَنْ أَمتْنا، كرماًوعفا الله لنا عمّا سَلَفْ
وله في المعنى من أول قصيدة مهذبة، أبيات منتخبة، غزلة طيبة، وهي:
أَلِف الصدودَ وحين أَسرف أَسعفافازْورّ عَتْباً ثم زار تَعَطفا
لبِس الدُّجى في ليلةٍ هو بدرهاوالبدر أَشهر ما يكون إِذا اختفى
طلَع الهلال وقد بدا مُتَلثّماًحتى إِذا حسر اللثام تنصّفا
يا طرفه، مالي أَراك خلقت ليداءً فهلاّ كنتَ لي منه شفا
واهي مَناط الخصر، سُنّةُ عينِهتُقْتَصُّ في قتل النفوس وتُقْتَفى
يبدو فتقرأُ في صحيفة خدّهِمن مشق أَقلام الملاحة أَحرفا
ذو وَجْنةٍ نُقشت بنقطة خالهونبات عارضه فخِيلَتْ مُصْحفا
وله، أنشدنيها زين الدين الواعظ:
قِفْ قليلاً لأَسْأَلَكْمَنْ مِنَ الأُفْقِ أَنزلَكْ
صِرتَ في الأَرض ماشياًبعد ما كنت في الفلَكْ
أَيُّها البدر، بالذيلمُحاقي قد أكمَلَكْ
أَيُّ شرع أَباح طرفك إِتلاف ما ملَكْ
وله:
فَنائي فيك أَعذبُ من بقائِيودائي منك أَنفعُ من دوائِي
وذُلّي في هوان هواك عِزٌوإِنْ طاحت عهودك في الهواءِ
بنفسي من يحلّل عَقْد صبريإذا ما ماس في عُقَد القَباءِ
ومَن يوهي قِواي بعطف صُدغكما انعطف الظلام على الضياءِ
أَقول وقد بدا ينهالُ ليناًكما ارتجَّ اللِّوى تحت اللواءِ
أَتمثالٌ من الكافور طابتمَراشِفُ فيه، أَم تمثال ماءِ
فقال بل الهلال، فقلت حقَّاًولكن لِمْ نَزَلت من السَّماءِ
وأنشدني له في اسم معمى وهو سر خاب:
لي سيّدٌ بعض اسمه جَنّةٌوبعضُه نارُ مُحبِيهِ
مَنْ زاره كان كنصف اسمهِأَو صدَّه كان كباقيهِ
تقلّص العقرب من صُدغهعن خدّه خوفَ تلظّيهِ
وكم له في كبدي لسعةٌبَرودها الدرياق من فيهِ
وأنشدني مجد العرب العامري بأصفهان في سلخ شعبان سنة ست وأربعين، قال أنشدني ابن منير لنفسه من قصيدة:
سَعَوْا بنا، لا سعت بهم قدَمُفلا لنا أَصلحوا ولا لَهُمُ
ومنها:
وقال للماء قِفْ بوَجنتهفمازج النّار وهي تضطرمُ
ولمحت في كتاب لمح الملح لأبي المعالي الكتبي في التجنيس، هذا البيت النادر النفيس:
أَقول وقد بدا ينهال ليناكما ارتجّ اللّوى تحت اللواءِ
وأنشدت له:
لامُ عِذارٍ بداعرّض بي للرَّدى
أَسودَ كالكفر فيأَبيضَ مثل الهدى
يا فرقد اللّيل لِمْأَرعيتني الفرقدا
اليومَ تجفو فهلتجفو التَّجافي غدا
حميلةٌ سيفها قدسُقيَ المُرْقِدا
فالحَيفُ والحَتْف إِنأُغمد أَو جُرّدا
وأنشدني المهذب علي بن هداب العلثي ببغداد، قال: أنشدني أبو الحسين أحمد بن منير الطرابلسي:
أَخلى فصدَّ عن الحميم وما اختلىورَأَى الحِمام يغصُّه فتوسَّلا
ما كان واديه بأَوَّل مرتعٍذعَرَتْ طَلاوتُه طَلاهُ فأَجفَلا
وإِذا الكريم رأَى الخمول نزيلهفي بلدة، فالحزم أَن يترحّلا
ساهمتَ عيسَك مُرَّ عيشك قاعداًأَفلا فَلَيْتَ بهنّ ناصية الفَلا
لا ترض من دنياك ما أَدناكَ منطمعٍ وكن طيفاً حلا ثم انجلا
فارِق تَرُق، كالسّيف سُلَّ فبان فيمَتنيْهِ ما أَخفى القِراب وأَخملا
وَصِلِ الهجيرَ بهجر قوم كلّماأَمطرتهم عسلاً جَنَوْا لك حنظلا
وأنشدني بمصر الشيخ الإمام زين الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجا الواعظ الدمشقي سنة اثنتين وسبعين، قال: أنشدني أبو الحسن بن منير لنفسه:
عذِّبوني بهجركم عذبونيواطرُدوا طارق الكرى عن جفوني
أَو هَبوني دمعاً لعلّ مَعين الدّمع يوماً على هواكم مُعيني
لم يَدَعْ مِنّي الضّنا غير شيءستر الشكُّ فيه وجهَ اليقينِ
كان وجدي بكم قضاءً قديماًأَفأَمحو ما خُطَّ فوق جبيني
وله من قصيدة كتبت أولاً منها بيتين وهي:
أَحلى الهوى ما تحلّه التهمُباح به العاشقون أَو كتموا
أَغرى المحبين بالمحبة بالعَذْلُ كِلام أَسماؤها كَلِمُ
سَعَوْا بنا، لا سعت بهم قدمُفلا لنا أَصلحوا ولا لهمُ
ضرُّوا بِهجراننا وما انتفعواوصدّعوا شملنا وما التأَموا
بالله يا هاجري بلا سببٍإِلا لقال الوشاةُ أَو زعموا
بحقِّ مَنْ زان بالدّجى فلق الصّبح على الرمح إِنه قسمُ
وقال للماءِ قِفْ بوجنتهفمازَج النار وهي تضطرمُ
هل قلتَ للطيف لا يعاودنيبعدك، أَم قد وفى لك الحلمُ؟
فيك معانٍ لو أَنها جُمعتفي الشمس لم يغش نورَها الظُّلَمُ
تمشي فتُردي القضيب من أَسفٍوتكسِف البدر حين تبتسمُ
وتُخجِل الراحَ منك أَربعةٌخدٌّ وثغرٌ ومُقلةٌ وفمُ
يا ربّ خُذْ لي من الوشاة إِذاقاموا وقمنا لديك نحتكمُ
واتفق انتزاح ابن منير من دمشق بسبب خوفه من رئيسها ابن الصوفي، ومقامه بشيزر عند بني منقذ. ووصل زين الدين ابن حليم إلى شيزر، فلقيه بها ورغبه في العود وخدمة معين الدين آتر الذي كان في الجود والحلم هامي الجود، سامي الطود. فلما فارقه كتب إلى ابن منير كتاباً يستنهضه إلى الرجوع ويستدعيه، ويذكر له مصلحته فيه، ويقول له لعلي أكون في إحضارك كآصف في إحضار عرش بلقيس، ويعدد له في الأوبة أسباب التأنيس، فكتب إليه ابن منير في جوابه كتاباً أملاه علي زين الدين ابن نجا الواعظ الدمشقي بمصر من حفظه وهو:
وَرَدَ الكتاب، فداه أَسود ناظرٍعكفت ذخائِره عليه تبدّدُ
ليل من الأَلفاظ يشرق تحتهفلق المعاني، فهو أَبيض أَسودُ
يفترّ عن دُرَرٍ تكاد عقودهامن لين أَعطاف تحلّ وتعقدُ
سلام عرقوب عليك يا أشعب، وأن أعيا جوابك وأتعب، وحياك الله أيها المعصب، أنضيتنا جداً وأنت إلى السبق تلعب، أقسم بمفاتح الغيب، إنك مكبر شعيب، بلا ريب، أبن يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول، غالت دون ما تدعونا إليه غول، أنا والله أيها الصدر إلى ما تدعوني إليه من خدمة هذا المولى أحرص، وإلى اقتناء تلك اليتيمة أميل وعليها أغوص، وإن عز لقاؤها وأعوص، وما بعد العهد بعد مما كنت ألقيت إليك من أطراف الأعذار للتقلص عن خدمته، والتقمص للعزلة عن ناحيته، وإن جراحي إلى الآن لم تذق حلاوة الاندمال، وقروحها تزداد قرحاً مع الحل والترحال، وبين الجوانح من الأين، لما لقيت بدمشق من العين، ما لا يحله إلا عقد الكفن، ولا يرفعه حدثه إلا التيمم بصعيد المدفن. وسوى ذلك تصعد بسعادتك وتعاين، ما كان من أمر وما هو كائن، ويلقاك فلان وفقيهه ومهنان وتيهه، وزيزان ونبيهه، من كل ذي خلق ذميم، وخلق دميم، وأصل لئيم، وفرع زنيم، ووجه لطيم، وقفا كليم، وهلم جرا من عذاب أليم، وصراط في الود غير مستقيم، ومكاشر مجرمز للوثبة، ومعاشر متوقع للنكبة، ومضافر لكن للدهر عليك، ومدان لكن للشر إليك، وها وها والخطب أفدح، والسهب أفسح:
قُلتُ لقوم كووا بنارهمُمثلي وصاروا طرائقاً قِددا
طيروا معي تسْعَدوا ولا تقعواقوموا فإِنّ الشقيّ من قَعَدا
قالوا عَجِزنا عن أَن نفارقهمقلتُ فلن تفلحوا إِذاً أبدا
فحياتي يا حياتي إذا عاينت فخبرت، وباطنت فسبرت، وعرفت تأويل هذه الرؤيا، وجنيت زهرة هذه الريا، تصلي على الواصف الذي اقتصر ولم يجنف، وتترحم على من حرمه أولئك الأوغاد، ورود ذلك المراد، الذي هو أقصى المراد، وغاية المرتاد:
فإِنّ عظيمات الأُمور مَنوطةٌبمُستودَعات في بُطون الأَساودِ
ومن جملة ما أحكيه، لتحفظه عني وترويه، أن عطا عط الله فاه، كما عط بالدرة قفاه، وعن قليل يعيش فتراه، أفرط في ذمي، بعد أن ولغ أمس في دمي، وأخذ يفاضل بيني وبين كلب لو عقرني لأنفت أن أزجره، ولو عبدني لتعاليت أن أذكره، ولم يرض المأبون أن نتساوى عنده في المنزلة، حتى علي فضله، ولا شك أنه كشف عن شاقوله فشقله، ونسفه بعد ذلك وكربله، ثم إذا شاء أدخله، وبلغني فعل هذا المولى، وقطعه لسان من هو بما قال في أولى، وكنت على نية قصده إما للزيارة والإلمام، وإما للإتيان والمقام، فأذكرني أشياء كنت نسيتها، من هذا الفن بل تناسيتها، ورأيت مقامي حيث رأيت أني خالي البال، من ملامة هؤلاء الأنذال، محروس الجانب، من كل عات عاتب، ومعيب عائب، مقيماً بين أشكال.
لا أزيدك شيئاً عما وقع عليه العيان، فأنت تدعوني إلى شوك، وأنا اليوم في سمك بلا شوك، كلا وحاشا لا ألبس هذا الحوك، إلا أن أكون ذلك الجاهل المائق، المستحق للمثل السابق، الفائز باللعنتين، الملسوع من جحر مرتين، فلعن الله أبا الحسين، إن عاد إلى لبس خفي حنين، بيد أن يجري القدر بإذهاب الجفا، وتقذيذ ما في العين من قذا، فهنالك ترى الثقيل من الرجال خفيفاً، والكثير من العوائق طفيفاً، وتغص دار الهجرة بما تقدم وتلا، ويغسل ما مر من العيش بما طاب وحلا، وأما على هذه الحال فلا.
وبعد هذا، أستدعى لماذا، أنا في العر أسلح، وللكتابة لا أصلح، وبالدعابة لا أعذب، ولا أملح. وهبني كنت في زمن الشبيبة، لا أحرم أجر الغيبة، وأنفق على الحبيب والحبيبة، وأقنع بالطيبة، أنا اليوم شيخ خرف، وعود قرف، وعود أنف، وعبد كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير، ليس إلا الالتحاف بالجدار، والرضا بالإقتار، والتشبه بالأخيار، والوطء لأقدام الأبرار. أليس الزرع قد ناهز الستين، وحسبك به قاطعاً للوتين؟ إلام ألعب والشيب يجد، وعلام أخلق والدهر يجد، أما أنظر المصارع في سواي، والمقصود به شواي.
وأعجب من هذه المواعظ، مخرقتي بها على واعظ. إنما أوجب هذه الفنون، وفتح عيون هذه الألفاظ العون، ما جرى من ذكر أشعب في كتابه الكريم، والسجدة بعد لربك العظيم.
وبعد فأنا يقطينة، إن قلت إنك شيرازي الطينة، أو بغدادي المدينة، بل عفريت سليمان، ألقادر على إحضار الإيوان، وعبدك غرس إبليس، لا عرش بلقيس، ودق شبراً ودمسيس، لا دق تنيس. فإن ضمنت لي السلامة من اغتيال عدو دون خدمة المولى، شمرت إلى خدمته وذيلت، وحططت رحالي بفنائه وقيلت. فما غيري بلبس قميص الدعة مني أحرى. والسلام.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع