من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو بكر بن أحمد بن محمد العيدي اليمني
وزير صاحب عدن، ذكره نجم الدين بن مصال وذكر أنه يعيش. وحكى أن شاباً من الاسكندرية يعرف بأحمد بن الأبي سافر إليه وانتفع من جانبه وأن أحمد ذكر عنه أنه عمل أبياتاً يهنىء بها الداعي بعدن بطهور أولاده من جملتها:
كذُبالَةِ المِصْباح يَقْضي قَطُّهاعند الخمُود لها بقُوّة نارِهِ
قال فقال لي يصلح أن يكون لهذا البيت توطئة قبله وعمل:
أَخْذٌ من العُضْو الشَريف قضَى له التَّأْثير فيه بمقُتضَى إِيثارهِ
وبعده:
كْذبالِة المِصباح يَقْضي قَطُّهاعند الخمُود لها بقوّة نارهِ
وأنشدني له ابن الريحاني المكي، وذكر أنه ضرير وهو كاتب السلطان علي:
تَحَدَّثَ ساري الرَّكْب عنكم بأَوْبَةٍتَنَسَّم أَنفاسَ السُّرورِ بها الْقلْبُ
فيا مِنَّةً لِلْعيس إِذ أَدْنَتِ النَّوىويا حَبَّذا ما عَنكمُ حَدَّث الرَّكبُ
ولما استولى شمس الدولة تورانشاه بن أيوب على عدن وجده بها حياً، وذكر لي أنه نهب له مال كثير ودفاتر، وعدد وذخائر. وسألت عنه أصحاب الملك المعظم شمس الدولة عند عوده إلى دمشق في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين، فذكروا أنه شيخ كبير، وهو ضرير، وله فضل غزير، ومحل عزيز، وجاه حريز.
ثم طالعت مجموع عمارة الشاعر اليمني في ذكر شعراء اليمن فوجدته قد أثنى على أبي بكر العيدي من عدن وقال: ومنهم من جعلت ذكره فارس الأعقاب، وجمال ما مضى وما يأتي من الأحقاب، وزير الدولة الزريعية وصاحب ديوان الإنشاء بها ووصفه بصدق اللهجة، وحسن البهجة، والدين الحصين، والعقل الرصين، والؤدد العريض، والكرم المستفيض، والتواضع الذي لا يضع من رتبته العالية، ولا يرخص من قيمته الغالية، وأما البلاغة فهو إمامها، وبيده زمامها، ولخاطره هداية النجم الساري، وسلاسة العذب الجاري، وأما عبارته فلا يشوبها لبس، ولا يعوقها حبس، فسيح في الإطالة مجاله، موف علي الروية ارتجاله، يكاد نظمه أن يبتسم ثغره، ونثره أن ينتظم دره. وقال إن له بلاغة تشهد عذوبة مطبوعها، بكرم ينبوعها، وألفاظاً تدل معانيها، على فضل معانيها.
وأما مولده فمن أهل أبين وهو أبين عدن، قال ولما ترعرع عني بنفسه، وكان ينزل إلى عدن وهي من وطنه على ليلة فيجتمع بالعلماء الواصلين من الآفاق إلى موسم عدنن ولازم الطلب، حتى تفقه وتأدب، ونظم ونثر، وكتب وحسب، ولم يزل في عدن وجمر فضله مستور بالرماد، وغمر معينه مغمور بالثماد، إلى أن مات محمد بن غزي كاتب الشيخ بلال بن جرير صاحب عدن، فتنبه بلال عليه، وأرشده رائد السعادة إليه، فجعله كاتبه، بل صاحبه.
وذكر أنه حكي له أنه كان محمد بن غزى إذا أراد أن يكتب عن بلال كتاباً أو يرد جواباً لم يستقل بنفسه دون الحضور بين يديه حتى يملي عليه مقاصد الكتاب ثم لا يختمه حتى يلحق بلال بين سطوره بخطه ما وقع الإخلال به في اللفظ والمعنى، فلما كتب له الشيخ الأديب اعتقد بلال أن الأديب مثل ابن غزى في جمود طبعه، وخور نبعه، وثمد معينه، وعدم معينه ونبوة كلامه، وكبوة أقلامه، وقصر رشائه، وفقره من فقر إنشائه، وشتان بين عزة فارس القلم، وذلة راجل الجلم، فألقى بلال إلى الأديب كتباً وردت عليه، وقال قف عليها وتصفحها حتى نخلو من مجلس السلام فأملي عليك مقاصدها، فكتبها الشيخ الأديب في ذلك المجلس في لحظة ودفعها إليه وقد كتب عنوان كل كتاب منها، فلما وقف عليها بلال قال: لم تزد والله على ما في نفسي من الجواب شيئاً ولم تنقص عنه، ففوض إليه واعتمد عليه.
وذكر أنه استأذنه يوماً على ما يجيب به عن كتب وصلت إليه، ويثيب به آخرين وفدوا عليه، فقال له يا مولاي الأديب، الدولة دولتك، والمال مالك، فأجب، وأثب، كيف شئت، وبما شئت.
وذكر أن الأديب أبا بكر كان من سؤدده أنه إذا سمع بقدوم قافلة إلى البلد خرج إلى الباب واستخبر عمن فيها من الأدباء والفقهاء، فإذا ظفر منهم بأحد بالغ في إكرامه واستخلاص بضاعته إن كان تاجراً، وإن كان باعه في الأدب قصيراً عمل له الشعر على لسانه واستنجز له الصلة، ثم أنزله مدة مقامه وزوده عند رحيله.
قال عمارة في مجموعه وهذه القصة جرت له معي، فإني قدمت عدن وأنا حينئذ لا أحسن الشعر، فعمل قصيدة على لساني، حتى فزت عند صاحب عدن بالأماني، فلما عزمت على السفر قال إنك قد اتسمت عند القوم بسمة شاعر، فانظر لنفسك وطالع كتب الأدب ولا تجمد على الفقه وحده، فإن فضيلة اللسان حلية الإنسان، ثم قدمت في العام الثاني وقد علمت شعراً أصلح من الأول ومعي إنسان جمال، فقال لي الأديب ما رأيك أن تنفع هذا الإنسان بشيء لا يضرنا، قلت: وما هو؟ قال نعمل قصيدة على لسانه، ففعل واستنجز له صلة من الداعي محمد بن سبأ. فلما انفض الجمع دعاني الداعي وقال إذا سألتك عن شيء تنصحني؟ قلت: نعم، قال أظن أن هذا الإنسان الذي أخذ له الأديب الدنانير جمالاً، قلت: هو والله جمال وإنما فضل طباع الأديب ومعونتكم له على فعل الخير صيرت هذا ومن يجري مجراه شاعراً، فضحك الداعي وأعاد الجمال فزاده ذهباً.
قال ومن أَخباره أَنّ إِنساناً يقال له أَبو طالب بن الطّرائفي مدح الدّاعي محمد بن سبأ في سنة ستّ وثلاثين بقصيدة أَبي الصلت أُميّة التي مدح بها الأَفضل وأَوّلها:
نَسخَتْ غرائبُ مَدْحِك التَّشبيباوكفى به غَزلاً لنا ونسيبا
ومنها:
وأَنا الغريب مكانُه وبيانُهفاجُعل نوالك في الغريب غَريبا
ثم أَهدى الرَّشيدُ ابن الزُّبيرَ ديوانَ أَبي الصلت إِلى الدّاعي محمّد بن سبأ فوجد القصيدة فيه، فكتب إِلى الأَديب أَبي بكر بعَدَن كتاباً يأْمره فيه بتسيير القصيدة إِليه إلى الجبال فنسخها الأَديب بخطّه وزاد في آخرها اعتذاراً عن ابن الطّرائقي، وكان قد مات، قوله:
هذي صفاتُك يا مَكين وإِن غدافيمَنْ سِواك مَديحُها مغصوبا
فاغفِر لمُهديها إِليك فإِنّهقد زادَها بِشَريفِ ذِكرك طِيبا
وذكر أَنّه حدّثه الفقيه أَبو العبّاس أَحمد بن محمد بن الأُبِّيّ قال: أَذكر ليلةً أَنا أَمشي مع الأَديب على ساحل عَدَن وقد تشاغلتُ عن الحديث معه فسأَلني في أي شيء أنت مفكر؟ فأَنشدته:
وأَنظرُ البدرَ مرتاحاً لِرؤيتهلعلَّ طرف الذي أَهواه بنظرهُ
فقال لمن هذا البيت؟ قلت: لي، فأَنشدَ مُرْتجِلاً:
يا راقِدَ الليلِ بالإِسكندريَّة ليمَنْ يسهرُ الليلَ وَجْداً بي وأَسهُرهُ
أُلاحظ النَّجْمَ تَذْكاراً لرُؤّيَتهوإِنْ مَرى دمعَ أَجفاني تَذَكُّرهُ
وأَنظرُ البدرَ مُرتاحاً لرؤيتهلعلَّ طَرْف الذي أَهواه ينظُرهْ
قال: ثم سمعت أنَّ بصَره قد كُفّ، فعلمِتُ أَنّ الأيّام طَمَست بذلك مِنْهاج جَمالها، وأَطفأَت سِراج كَمالها، فأَجناه الله ثمر الخير الذي كان يغرِسُه، وحَرَسه ناظِرُ الإِحسان الذي كان يرعاه ويحُسِره، فتزايدتْ وَجاهته، وتضاعفت رفعتُه ونباهته، وأَراد الزمانُ أن يَخفِضَه فرَفعَه، وأَن يَضُرَّه فنفَعَه.
وذكر أَنّ الدّاعي عمران بن محمد بن سبأ بن أبي السعود بن زُرَيْع ليامي لمّا وقف الأَديبُ يُنشده قصيدةً عملها فيه، بعد انعكاس نور البصر من ناظره، إِلى بَصيرَة خاطره، حمل إِليه أَلفَ دينار واعتذر ولَطَف له في القول لُطفاً يسلّي الحزين، ويستخفّ الرَّزين، ثم لم يَرْضَ بذلك حتى أَمر مُنادياً فنادى في النّاس من دخلَ دارَ الشيخ الأديب فهو آمن. قال: والشعرُ الجيّد الرائق الفائق أَقلُّ خِصاله، وأَكَلُّ نِصاله. وأَورد من شعره قولَه يمدح الداعي عِمران بن محمد بن سبأ:
عادَ الهوى في فُؤادي مثلَ ما بدأَلمّا تَعرَّفْتُ مِن أَهل الحِمى نَبأَ
أَمْلى على القلب ساري البرقِ مُبتسماًعنهم أَحاديثَ شوقٍ تُطرِب الملأَ
فبِتُّ أُروي رُبي خَدَّيّ من دِيَمٍتَزْداد غُلَّةُ أَحشائي بها ظَمَأَ
رُقى العواذِل مُهْراق النَّجيع بهالمّا ترقرق مُنْهَلاً فما رقَأَ
لَعَلَّ لامِعَ ذاك البرقِ كان لهمطليعةً طالعَ الأَسرار فارتَبَأَ
لَئِنْ براني هوى أَهلِ الحِمى فَلَكَمْداوَيْتُ من حُبِّهمْ دائي فما بَرأَ
يُدْنيهمُ الشوقُ منّي والحنينُ وإِنشَطَّ المَزار بهم عن ناظِري ونأَى
وما تقتَّصني منهم سوى رَشَإٍأَفدي بمُهجة نفسي ذلك الرشأَ
أغَنَّ يَغْنى عن البدر المُنير بهمَنْ جالس الشَّمسَ مِن أَزراره ورأَى
مِلءُ النَّواظرُ حُسناً حين تلحظُهُوأَمْلَكُ الحُسن للأَلحاظ ما مَلأَ
ما اهتَزَّ غُصنُ الصِّبا مِن عِطْف قامتهإِلاّ وأَزْرى بِغُصن البانِ أَو هَزَأَ
نَشْوان تحسَبُ صَرْفَ الرّاح رَنَّحهُأَو مدحَ داعي الهُدى عاطاه فانتشأَ
عِمران أَكرمُ مَنْ جاءَ الزّمان بهفَرْداً وأَشرفُ من في حِجْره نَشَأَ
كأَنّ قحطانَ قِدْماً كان أَوْدَع فيضَمائر الفضل سِرّاً منه أَو خَبَأَ
مَنْ أَوْطأَتْهُ على كِيوانَ هِمَّتُهُلو كان يَرْضى على كيوانَ أَنْ يَطأَ
وأزداد فخراً عَلَى ما شاد والدهُمحمد، وَسَبا في مجده سَبَأَ
تناول الغَرضَ الأَقصى فأَدركهُواختاز غاياتِ أَملاكِ الورى وشأَي
أغَرُّ أَبْلَجُ لو يَسْري بِغُرَّتهِفي فحمةِ اللَّيل بدرُ التِّمِّ ما انطفأَ
يُزْهى به الدَّسْتُ يومَ السّلم مُبتسِماًوفي الوغا سابحٌ سامي التَّليل وأَي
كاللَّيْث ليس بمُختارٍ فرائسَهُسِيّانِ ظَبْيُ كِناسٍ عنده ولأَي
لو لم يُعِرْ عَزمَه العَضْبَ المُهَنَّد ماجَرى الرَّدى في غِرارَيْه ولا اجْتَرأَ
رَوّى عِطاشَ الأَماني وهي صاديةٌمَكارِماً وجَلا عن بِيضها الصَّدَأَ
ما زال مَلْجَأَ من سُدَّت مَذاهِبُهُفي حينَ لا يَجِدُ الملهوف مُلْتَجأَ
يَلْقى بسامي ذَراه الرّائدون بهوالواردون إِليه الماءَ والكَلأ
ويَفْجَأُ الخَطْبَ منه عند رؤْيتهِعَزْمٌ يُكَشِّف منه كلَّ ما فَجَأَ
فكُلَّما رَزَأَ الخطبُ الورى كَفِلَتْبيضُ الصَّوارِم منه جَبْرَ ما رَزَأَ
وكم حادثٍ غال فاغتالَتْه منه ظُبّيتَعَوَّدتْ كشف مَكْروهٍ وَرَأْبَ ثَأَى
وكم أَلمَّتْ مُلِمّاتُ روائعهايَظَلُّ يَدْرَأُ عنها صَدْرَ مَنْ دَرَأ
سمَا لها دونَ أَملاك الورى فكفىمِنْ هَمِّ نازِلها ما هَمَّ وانْكَفأَ
يَبيتُ يَحْظَأُ نارَ الْجُود مُوقِدُهالِوَفده وبِعُودِ الهندِ ما حَظَأَ
خَطَّتْ يدُ المجد في وجه الزّمان بهمآثراً يَقْتَربها كلُّ مَنْ قَرَأَ
مآثِراً كُلُّها في الفضل مُخْتَرَعٌما اقْتَصَّ من أَثَرٍ فيها ولا افتَقَأَ
قد بَرَّأَ اللهُ في التَّكوين خِلْقَتَهُوخُلْقَهُ من ذَميم الفعل إِذْ برَأَ
وذَرَّ في كفِّه الأَرزاق يَقْسِمُهامِنْ راحتيه لِمَنْ في عصره ذَرَأَ
لِلْجود في ماله يومَ النَّوالِ خُطاًتُفْنيه عَمْداً إِذا جاد أمْرُؤٌ خَطَأ
يسْطو على المال إِنعاماً كأَنَّ بهغَيْظاً على المال يومَ الجُود أَو شَنَأَ
يخضَرُّ نَبْتُ أَياديه وأَنْعُمِهُللمُعْتَفين إذا نَبْتُ الرِّياض ذأَى
فَلْيَهْنِ أَعوامَه إِقبالُ دَوْلَتهِفإِنَّه خَيْرُ والٍ للوَرى كَلأَ
وبُلِّغَ السُّؤْلَ في شِبْلي عَرينَتِهوالمُبْتَدين من العَلْياءِ ما ابتدأَ
حتى ترى الكُلَّ أَبّاءً أَخا شرفٍسمَا الزمان بسامي فَخْره وبأَي
ولْيَنْسإِ اللهُ للدنيا وساكِنهافي عَمُره ضِعْفَ ما في عُمْرِها نَسَأَ
وقوله في مدح الأَميرين ولدي الداعي ويخاطب في آخر القصيدة ياسراً الذي قتله شمس الدولة:
مَلأَ النَّواظِرَ بَهْجة وبَهاءَأُفُقٌ جَلا في دَسْتِه الأمَراءً
ومَقامُ إِعظامٍ قضتْ لسُعوده الْأَفْلاكُ أن يستخْدِمَ العُظماءَ
طَلَعا طُلوع النَّيِّرَيْن وجاوَزافي المَجْدِ مطِلَعها سَناً وسَناءَ
ملكان في السَّبْعِ السِّنين وقد عَلامَرْماهما الشِّيبَ الكُهولَ عَلاءَ
يَتبارَيان مَناقِباً وضرائباًبلغا بها مِنْ مَفْخَرٍ ما شاءَا
فمحمَّدٌ كمحمّدٍ في جُودِهوأَبو السعود أَبو السُّعود سخاءَ
وكِلاهِما يَحْكي المكرَّم سُودَداًومَكارِماً أَنسى بها الكُرماءَ
ومآثِراً ومَفاخِراً وشَمائلاًوفَواضِلاً وفضائلاً وإِباءَ
والمجدُ أَرفعهُ بناءً ما غدا الْأَبْناءُ فيه تقتفي الآباءَ
ولقد سَعْىَ سَعْيَ المُكَرَّم في العُلىنَجْلاه تَشْييداً لها وبناءَ
وتَقَيَّلا الآثارَ منه كأَنماأَمْلاهما آياتِها إِملاءَ
وتجارَيا طَلَق الرِّهان وبَرَّزاسَبْقاً وجاءَا في الرِّهان سَواءَ
كَرَماً ثَنى زُمَر الوفود إِليهماوسرى بأَنفاس الرِّياض ثَناءَ
ومواهِباً موصولةً بمواهبٍأنوارُها تستغرقُ الأَنواءَ
إِن ضَنْ هامي المُزْن جادا أَو دَجاليلُ الحوادثِ والخطوب أَضاءا
مِن يَعْرُبَ العَرْباءِ في الأَصل الذيجازَتْ ذَوائبُ فَرْعِه الجَوْزاءَ
وسَراةُ أَبناءِ الزُّرَيْعِ أَجلُّ مَنرَفعتْ به أَيدي الخميس لوِاءَ
ومُلوكُ هَمْدان الذين تبوّؤوارُتَبَ الممالك عَنْوَةً وعَناءَ
سَلَكوا إِليها المَسْلكَ الصَّعْب الذييُنْسي الحياةَ سُلُوكُه الأَحياءَ
وتحملَّوا أَعباءَها إِذْ لم يطقمَن رامها أَن يَحمل الأَعباءَ
وتَجَشَّموا فيها الصَّلاح وجَرَّعواكأْسَ المَنِيَّة دونَها الأَعداءَ
حتى رَعَوْا دون المُلوك رياضَهاوتَفَيَّئوا مِن ظِلِّها الأفياءَ
واستخدموا فيها الأَسنَّة والظُّبيوالبأْس يُزْجي الغارةَ الشَّعْواءَ
واستوطنَتْ ما بينهمْ إِذ أَنشأَتْعَزماتُهم أَرواحَها إِنشاءَ
ومضَوْا وأَبقَوْا للممالك بعدَهُممَن فاق بِيضَ المُرْهَفاتِ مَضاءَ
الأَكْرمَ المُحبي الظَّهيرَ وصِنْوَه السّامي الأَثير المُشْرِقَيْن ذَكاءَ
والأَشْرَفَيْن خَلائقاً والأَكْرَمَيْن طرائقاً والغامِرَين عَطاءَ
فتَشرّفتْ رُتَبُ المَعالي منهمابأَعزِّ مَن بَهَر الزَّمان ضياءَ
واستنجدا تِرْبَ الرِّياسة ياسِراًفكَفاهما الإِغضاءَ والإِرضاءَ
وغَدا السَّعيدُ بنُ السَّعيد مُقَسِّماًبيديهْما السرّاء والضَّرّاءَ
ومُدَبِّراً أَمرَ البرِّية عنهمافيما دنا من أَرضهم وتناءَى
أَصفاهما منه الوَلاء فأَصْفيافيه الوِداد وأَضْفيا الآلاءَ
فلْيَبْقَيا في ظِلِّ ملْكٍ دائم الْإِقبال ما دام الزَّمانُ بقَاءَ
وهَناهُما شَهرُ الصيام ومُلِّيافيه التَّهاني ما استَجَدَّ، هَناءَ
وقولُه في مدح عمران بن محمد بن سبأ:
ذِكْرُ العُذَيْبِ وما ثِلاثِ قِبابِهوَقَفَ الفُؤادَ على أَليم عَذابِه
وَمَهَبُّ أَنفاس الصَّبا مِن جَوِّهفيه شِفاءُ الصَّبِّ من أَوْصابِه
فَدَعِ النَّسيمَ يَبُثُّ من أَنبائهخبراً على الزَّفرات رَجْعُ جوابِه
أَسْرى عليه من العُذَيب دَلائلٌنَمَّت على مَسْراه عن أَسرابهِ
لَدْن المَعاطِف باعتناق غُصونهعَذْب المَراشف لاغتباق شَرابهِ
أَتَرَشّفُ الأَنداءَ منه كأَنَّ مَنأضهواه أَوْدَعها شَهِيَّ رُضابهِ
ويَشُوقُني أَنَّ المُحبَّ يَشوقُهلُقُيا القَريب العهدِ من أحبابِه
فَمُخَيَّمُ الأَشواق حولَ خِيامهوتَشَعُّبُ الأَهواء بين شِعابِه
لله أَيامُ العُذَيْب وإِنْ يَبِتقلبُ المُعَنُّي المُستهامِ لِما بِه
وسقى نَدى كفِّ المُكرَّم مُلتقىعَقِدات أَجْرَعِه وشُمِّ هِضابه
ملِكٌ لو استسقى الزَّمانُ بجُودِهأَغناه عن سُقيا، مُلِثِّ سَحابِه
ملِكٌ أَفاض على الزّمان بَهاءَهُفأَعادَه في عُنفوان شَبابِه
ملكٌ يَشِفُّ عليهِ نُور كَمالهِفيكادُ يُلْحَظ مِنْ وراءِ حجابِه
داني مَنالِ الجْودِ مِنْ زُوّارِهنائي مَحَلّ المَجدِ عن طُلاّبهِ
صَعْبُ المَقاصد ليس يرضى هَمُّهأَنْ يَرتقي في المجدِ غير صِعابهِ
ما عنده أَنّ المآثرَ غيرُ مايسمو إِليه بحَرْبه وحِرابِه
عِزٌّ طِوالُ السُّمْر مُعربةٌ بهإِن كان يُضْمُر في صَهيل عِرابهِ
كَلِفٌ بِكُلِّ أَقَبَّ يُوهِمُ أَنّهُفي الجَرْي يمْرُق من رَقيق إِهابهِ
مَرِحٌ كأَنّ الرّاحَ فيه تحكَّمتْوتضرّمت باللَّوْن في جِلبابِه
يرقى ذُرى الطَّوْد ارتقاءَ وعُلوهصُعَداً وينقَضُّ أنقضاض عُقابِه
ما يَمْتطيه إِلى تَناوُل غايةٍإِلاّ وكان النصرُ تحتَ رِكابِه
إِنَّ المُكرَّمَ معدِنُ الكَرَم الذيفي بابه يُحوى الغِنى من بابِه
جعل الطَّريقَ إِليه فجّاً مَهْيعَاًجُودٌ بِحارُ الأَرضِ مَدُّ عُبابهِ
ومواهبٌ للمال من سَطَواتهاما للأَعادي من أَليم عِقابهِ
في كلِّ أَرضٍ من غرائب ذِكْرهسفرٌ يُقَلْقِل ناجِياتِ ركابهِ
فإِذا تضايقتِ الشّدائدُ رَحَّبَتْبوُفود أنْعُمِه فِساحُ رِحابهِ
تتزاحم الأَوصاف عند مَديحهكتَزاحم الآمال في أَبوابهِ
نَجْني المَكارمَ من نَداه ونَجْتليأَدَبَ العُلى والعطرَ من آدابِه
وكأَنّ مُجتَمع الفضائل والغِنىما بين نائله وبين خِطابِه
شِيَمٌ سناها برق كلّ فضيلةمن مُزْنها قبل انسكاب ربَابه
وخلائقٌ خُلقِت من الكَرَم الذيعُدِقَتْ بَمْنصِبه عُرى أَسبابِه
يَبدو عليها نُور سُؤْدُدِه الذيضَوْءُ الغَزالة دونَ ضُوء شِهابِه
ما زالَ يُعرِب يَعْرُبٌ عن فضلهويراه رَبَّ التّاج من أَعقابهِ
حتّى تجاوز غايةَ الشّرف الذيأَوْفى على تأْميله وحِسابهِ
فكفى بقحطانَ بنِ هُودٍ مَفْخَراًأَن أَصبحتْ تُغْزى إِلى أَنسابهِ
أَعْلى مآثِرَها وشَيَّدَ فَخْرَهادونَ الملوكِ بطَعْنه وضِرابهِ
وبنى لها بيتاً قواضِبُ بِيضِهعَمَدٌ له والسُّمْرُ من أَطنابِه
يزدادُ حُسْنُ المدح فيه وإِنّمايبدو جَمالُ الشيءِ في أَربابِه
ويفوزُ بالشّرف المُؤَثَّل ماثِلٌبفِنائه أَو لاثِمٌ لُترابِه
زانَ الزَّمانَ وزاد في تَشريفهبأَعزِّ نَسْلٍ من شريفِ تصابِه
وكأَنّ عِمرانَ المكرَّمَ مُلتقىلُبِّ العُلى وابناه لبُّ لُبابِه
شَمْسا مطالِعه، حُساما مُلكِهبَدْرا مَواكِبه، هِزَبْرا غابِه
فمحمَّدٌ جارى فِرِنْدَ حُسامِهوأَبو السْعود به مَضاءُ ذُبابهِ
نطقتْ شهاداتُ المَخايل عنهماأَنْ يَلْبَسا في الفضل فضلَ ثيابهِ
يتبارَيان إِلى المَكارم نُزَّعاًفي قَوْسها بالسُّودَدِ المُتشابهِ
واللهُ بَعْضُد مُلْكَه بهما كماعَضَد المَكينَ ومُلكه سامى بهِ
ولْيَبْقَ محروساً جوانِبُ مُلْكِهبالعِزِّ مأْنوساً شَريفُ جَنابهِ
فنِهايةُ المُثْنى عليه وإِنْ غَلافي وصفه التقصيرُ معْ إِطنابهِ
وقوله:
يا مُحَيّا نورِ الصَّباحِ الباديونَسيمَ الرِّياض غِبَّ الغَوادي
حَيِّ أَحبابنا بمكَّةَ ما بَيْن نَواحي الصَّفا وبين جِيادِ
وقوله:
أَأَحبابنا بين الصَّفا وجِيادِوأَشرفِ أَرضٍ قُدِّسَتْ وبِلادِ
لَئِنْ زاد طُولُ البُعدِ منكم تَمادِياًفقد زادتِ الأَشواقُ طول تمادي
تَلَذُّ لكم طَعْمَ الصَّبابة مُهجتيويَنْعَمُ فيكم بالغَرام فُؤادي
فهل للَّيالي عَطْفَةٌ تَشْتفي بهاحُشاشةُ مُلتاحٍ وَغُلَّةُ صادِ
وهل تسمحُ الأَيام بالقُرب إِنّهنِهايةُ سُؤْلي عندها ومُرادي
وقوله في مدح ياسر بن بلال:
سَفَر الزّمانُ بِواضحٍ من بِشْرِهوافترّ باسِمُ ثَغْره عن ثَغْرهِ
وأَضاءَ حتى خِلْتُ فَحمةَ لَيْلهِطارتْ شَراراً في تَوَقُّد فَجْره
وتمايَلَتْ أُعطافُه وكأَنَّماعاطاه ساقي الرّاحِ ريقَةَ خَمْرِه
وتفاوحَت أَنفاسه فكأَنَّمافَضَّ اللَّطائمَ فيه جالِبُ عِطره
وازداد باهرُ حُسنه فكأَنَّمانَثَر الربيع عليه مُونِق زَهْره
واختال في حُلَل الجَمال تطاوُلاًبجَمال أَيام السَّعيد وعَصره
بالياسر المُغني بأَيسرِ جُودهوالمُقْتني عِزَّ الزَّمان بأَسْره
مَنْ طالَتِ اليَمَنُ العِراقَ بفضلِهوسمَتْ على أَرض الشآم ومِصْره
فأَضاءَ بَدْراً في سَماءِ فَخِارهوصِفاتُه الحُسنى ثواقِبُ زُهره
أَوَ ما ترى الأَيّام كيف تَبَلَّجتْمِن سَعْيه وتَعَطّرت من ذِكره
سَبَق الكِرام بها وأَبدى عَجْزَ مَنلم يَحْوها وأَبان واضِحَ عُذره
فكأَنَّما اختُصِرَت له طُرُقُ العُلىمنها وضلّ عُداته في إِثرهِ
أَحيا معارف كلّ مَعروفٍ بهاومَحا معالِمَ مُنكرِيه ونُكره
وأَفاض منها في البَرِيَّة أَنْعُماًنَطَق الزَّمان بشُكْرها وبِشُكره
فالمدحُ مَوْقوفٌ على إِحسانهما بينَ بارعِ نَظمهِ أَو نثرهِ
والعيشُ رَطْبٌ تحت وارِف ظِلِّهوالوِرْد عَذْبٌ من مناهِلِ بِرّهِ
والسَّعْد مُنقادٌ له مُتَصرِّفٌما بين عالي نَهْيه أَو أَمرهٍ
والملك مبتَسِمُ الثّغور مُوَرَّد الوَجَنات نَشوان يَميل بسُكرهِ
لمّا غدا تاجاً لَمْفِرَقِ عِزّه السّامي وعِقْداً في تَرائبِ نَحره
مُتَفرّداً دونَ الأَنام بِصَوْنهمُتَكفِّلاً دون الملوك بَنْصره
وهو الذي شَهِدت بباهِر فضِلهشِيَمٌ سَمَتْ قَدْراً بسامي قدرهِ
ثَبْتُ المَواقف في لقاءِ عُداتهماضي العزائم في مَجاوِل فِكرهِ
مُتَصِّرفٌ عن طاعة المَلِكين فيما رامَهُ من نَفْعِه أَو ضَرّهِ
مُتناهِياً في النُّصْح مجبولاً عَلىإِخلاصه في سِرّه أَو جَهْرهِ
حَفِظَ الإِلهُ به النِّظامَ لِدَسْتِهِوقضَى لسِرِّ بلادِه في سَتْرهِ
فكأَنّه اللَّيثُ الهَصورُ مُعَفِّراًلِجَبين مَن مُدَّتْ يَداه لِهَصْرهِ
لِمَ لا يَذُبّ الذُّعْرَ عنه وقد نَشافي حِجْره وغذاه فائضُ دَرّهِ
مُتَقَحِّماً فيه العَجاجَ مُضَرِّماًنارَ الهِياجِ بِبيضه وبِسُمْرهِ
يَسْتَنْبط المعَنْى الخَفِيَّ بلُطفهويرَى المُغَيَّب من مِراءَةِ فكرهِ
ما كانتِ الدُّنيا تضيقُ بطالِبٍلو أَنَّ واسِعَ صَدْرها من صدرهِ
وكأَنَّ راحَةَ كفِّه لعفُاتِهبحرٌ تَدَفَّق من تَدَفُّق بحرهِ
وكأَنَّما برقُ السّحائب لائحٌمن بِشْرِه وقِطارها من قَطْرهِ
للهِ إنعامُ السَّعيدِ فإِنّهأَغْنَى العَديمَ وسدَّ فاقةَ فقرهِ
فالوفدُ ينَعُمُ في رِياض نَعيمهوعَدُوُّه يَشْقى بِشِدَّة أَسْرِهِ
والرَّكْبُ يَطْوي البْيدَ نحو فِنائه السّامي وينشُر فائحاً من نَشْرِهِ
عمَّ البريَّةَ فالمُقِلُّ كأَنّهفيهِ أَخو المال الكثيرِ لِكُثْرهِ
وغدا بوَصْل الجُود فيها مُغْرَماًلَهِجاً إِذا لَهِج البخيلُ بهَجْرهِ
يا مَنْ يُحاوِل حصر أَيْسَرِ وَصْفِهأَين البلاغة منْ تعاطي حَصْرِه
إِنّ السّعيدَ ابنَ السّعيد أَجلُّ أَنْيُحْصي مأَثِرَه البليغُ بشعرهِ
ومَدائحُ المُدَّاح فيه نتائجٌمِن سَعْيه وقَلائدٌ من دُرّهِ
فلْيَبْقَ مَعْمورَ الفِناء مُخَلَّدَ النّعماء مَمْدوداً له في عُمْرهِ
ولْيَهْنِ عِيدَ الفِطرِ غُرَّتُه التيإِشراقُها إِشراقُ غُرَّةِ فِطرهِ
ما عاد شَوّالٌ ببهَجةِ عِيدهوسَما الصّيامُ بفَضْل ليلة قدرهِ
وقوله في مدح عمران بن محمد بن سبأ:
فَلَكٌ مَقامُك، والنُّجومُ كُؤوسُبِسعودِه التَّثْليث والتَّسْديسُ
والبدرُ وجْهُك طالِعاً في دَسْتِهلا البدرُ أَجْلى وَجْهَه الحِنْديس
فَأَدِرْ بها زُهْرَ الدَّراري ليس فيما دار مِن كاساتها مَحبُوس
ورْدِيّةٌ في كل خَدٍّ وَرْدُهاعن رَشْف رِيقِ رُضايها مَغْروس
حمراءُ مَعْقولٌ بلُطْفِ الفِكر مَعْناها عَلَى التّحقيق لامَحْسوسُ
في مَوْقِفٍ وقَفَ الفَخار مُعرِّساًفيه بحيثُ أَحَلَّكَ التَّعْريسُ
يا داعيَ الدّين الذي أَنِسَ العُلَىفي حيثُ مَغْنى الجودِ منه أَنيس
يا واحدَ العُربِ الذي يسمو بهايومَ التَّفاخر مجدُه القُدْموس
يا مَنْ تَطابق فِعلُهُ ومَقالُهُفَسَما به التَّطبيق والتَّجْنيس
حَقُّ الكواكب أَنْ تكونَ مَدائحاًلك والبُروجُ صحائفٌ وطُروس
يا مَن على أَيّامِه ومُقامِهطِيبُ الثّناء مُوقف مَحْبوسُ
يا مَنْ سَمتْ من صِيدِ كَهْلانٍ بهِهِمَمٌ وطالَتْ في العَلاء رُؤوسُ
الفضلُ عِندَكَ مُشْرِقٌ أَنوارهوبناءُ مجدك شامِخٌ مأْسوسُ
أَنتَ المُكَرْم في المُلوك مآثِراًجَدُّ المُجِدّ لِنَيْلها متعوسُ
بحرٌ ولكنّ النُضارَ عُبابُهُلَيْثٌ ولكنّ الذَّوابلَ خِيسُ
صَرَّفتَ صَرفَ الحادِثات عن الورَىمَنْعاً وَرُضْت الخَطْبَ وهو شَموس
وأَقمتَ للأَشعار أَسْعاراً وكمعَمَرَتْ وسِعْر بديعها مَوْكوس
بجوائزٍ تُفْني الزّمان وذِكرُهابلقٍ عَلَى مَرِّ الزمان حَبيسِ
ما نالها من جُودِ مَحْمودٍ ولانَصْرِ ابنُ حَيُّوسٍ ولا حَيُّوسُ
وإِذا لَجا يَوْماً إِليك بحاجةذو حالةٍ فالرَّحْب والتأْنيسُ
يغدو جليسُك في العُلى وكأَنَّهللبدرِ في أُفُق السَّماءِ جَليسُ
وتَخُصُّه بمكارِمٍ، أَنواؤهاكَفّاك، والغيثُ المُلِثّ الكِيسُ
اللهُ خَصَّك بالثَّناءِ فثَوْبُهلك مَلْبَسٌ لا المُعْلَم المَلْبوسُ
واختصَّ خالصةَ الإِمام برُتبةٍلجلالها التعظيمُ والتقديسُ
مولاتُنا ووَلِيَّةُ الزَّمن التيطالتْ كما طالتْ عُلاً بَلقيسُ
هي جملةٌ، لله في تفصيلهاسِرٌّ بِعزِّ جلالها مَحْروس
إِسمٌ شريفٌ ليس يجري ذِكرهُإِلاّ أَفاض سُعودَه يِرْجيسُ
قد كاد لولا صَوْنُه في حُجْبهقِدْماً يُبَرْهن عنه بَطْلَيْموسُ
يَرتاحُ داعي الدّين عند سَماعهويَجُرّ ذيْلَ سُروره ويَميسُ
ويَفيضُ نائلُه عليه كأَنّماهو في اجتذاب نَداه مَغْناطيسُ
في حيثُ يَسْجُد ذو الفِخَار لِعِزّهاويُقَبِّل الأَرضَ المُلوكُ الشُّوسُ
يزداد إِعظاماً به ومَهابةًوكذا النّفيس مَدى الزّمان نَفيسُ
والنَّيِّران المُشرِقان مُحَمَّدٌوأَبو السعود وصِنْوهُ المحروس
أَبناؤك الغُرُّ الذين لِعِزِّهميَعْنو رئيسُ القوم والمَرْؤوسُ
تَبْدو عليهم للكمال دَلائلٌلم يَلْتَبِس بوُضوحها تَلْبيسُ
سَفَروا فأَسفر مُلْكك السّامي بهموأَضاءَ وجْهٌ للزَّمان عَبوسُ
وكذا بدورُ الأُفْق ليس شبيههاإِلاّ بدورٌ طُلَّعٌ وشموسُ
طلَعوا عليك وللمواكب مُلْتقىًمِن حولهِمْ للحرب فيه وطيسُ
قد حَفَّهم من صِيدِ كهلانٍ وداعي حِمْيَرَ الكُردُوس والكُردوسُ
هذا خميسٌ أَنتَ تحمي دُونَهبَأْساً وهذا يَقْتفيه خَميسُ
يَسْعَوْن تحت لِواءِ نصرك، كلُّهمفي الفضل مغبوطٌ به مَنْفوسُ
والحظُّ يومَ الجُودِ مِنك مُوَفَّرللكلِّ لا نَزْرٌ ولا مَبْخوسٌ
فافْخَر فمالك في الملُوك مُماثِلٌمَنْ ذا يُقاس ومَنْ عساه يَقيس
وقوله يمدحه:
ما البرقُ من ظُلَلِ الغَمائِم أَوْمضالكنَّها قُضُب العَزائم تُنْتَضى
أَمْضَى صوارِمها المُكَرَّمُ ضارباًإِن المُهندَّ كيف ما اسْتُمْضي مَضَى
مُتقاضِياً إِنجاد سعدٍ لم يزليُجْري مُساعدةَ القَضاء بما قَضى
ومُسامِياً زُهْرَ الكواكب إِنّهبِسِوَى مُجاوَرةِ الكواكب ما ارتضى
بَيْنا تراهُ في القِباب مُخيِّماًحتَّى تَراهُ في القِيام مُقَوِّضا
مُتَعَوِّضاً بالدَّسْت صهوةَ سابحٍلولا العُلى ما اخْتار أن يَتَعوَّضا
سَبَقَ الفَعَالُ القولَ منه فيا لَهُسَهْماً أَصاب لنازعٍ ما أَنْبَضا
ما كان في إِبرام عُقْدةِ رأَيهِبالرُّشد مُنتظِراً إِلى أَن تُنْقضا
لم يَسْتَشِرْ في السَّيْر إلا طِرْفَهوالأَسمَر الماضي الشّبا والأَبيضا
نَهضتْ به العَزَمات عِلْماً أَنهلا يَفْرِس الضِّرْغامُ حتّى يَنْهضا
وأَضاءَ في الآفاقِ نورُ جَبينهكضِياء بدرٍ لاح أَو صُبحٍ أَضا
مَلأَ النواظِر والخواطر قاطِباًوالبيدَ لمّا سار فيها والقضَا
عَرَضَتْ منيرات السُّعود تحفُّهبمواكب التأَييد لمَّا عَرَّضا
أَبَداً يُحَرِّض في المعالي نفسَهُحَسْبُ العُلَى بالرأي منه مُحَرِّضا
وكأَنّما أَعدى السُّيوف بَبأسهفتَعلَّمتْ منه التَّوَقُّد والمَضا
فلْيَسْلُ غايَته المُجاري، لَمْ يَدَعْرَكْضُ السّوابق للَّواحق مَرْكَضا
ما كلُّ مَنْ طلب الكواكب طامِعاًفي قبضها مُتَمكَّنٌ أَن يَقْبضِا
لم تَرْضَ إِلا سَعْيَه رُتَبُ العلَىإِنّ الشريف من المَساعي يُرتَضى
ثَبتَتْ به قدمُ السعادة وانجلتْحُجَجٌ أَبتْ آياتُها أَنْ تُدْحضا
رَفَعَ الإِلهُ على المُلوك مَحَلَّهُوقَضَى لحاسِد عِزِّه أَن يُخْفَضا
واختَّصه بسَوابغٍ من لُطفهوأَفاضَ أَنْعُمَه عليه وقَوَّضا
ولَئِنْ عَرا خَطْبٌ فأَمْرَضَ أَرْضَهُفعَلى ظُباه شِفاءُ ما قدْ أَمرضا
أَو ناب عارضُ عِلَّةٍ فقدِ انجلىمُتَكَشِّفاً ما ناب منه وانقضى
أَو كان أَعْرَض مُسْتَجِمّاً رأْيَهُفيها فوجْهُ قيامِه ما أَعْرَضا
وعلى عزائمه الشَّريفة أَنَّهاتَجْزي بِضِعْفي قَرْضِه ما أَقْرضا
فالدَّيْنُ ليس بمانعٍ إِرجاؤهمن أَنْ يُكذِّبه الغَريمُ ويُقْتَضي
فلْيَحْفُ طِيبَ الغُمْض جَفنٌ بات فيأَسْهاره مُتَيَقِّظاً ما غَمَّضا
وَلْيَرِميَنَّ الناكثين بجِحْفلٍلَجِبٍ يُصَرِّفُ فيهمُ صَرْفَ القَضا
كالعارِض المُسْوَدِّ إِلاّ أَنَّهُباللاّمعات يَشِفُّ عن ماءِ الأَضا
يمتَدُّ عِثْيَرُهُ دُخاناً كلَّمابَدَتِ الصَّوارمُ فيه ناراً تُحْتَضى
ولتَشْفيَنْ قلبَ المُحِبَّ وقائِعٌمنه يبُيدُ بها العدُوَّ المُبْغِضا
وَلْيَرْجِعَنَّ به الجَموحُ شَكيمةًسَلِسَ المَقادةِ في السّياسة رَيِّضا
فالإِمَ يا هَمْدان إِغْماضُ الظُّبيصَوْناً وذا سيفُ الإِمامة مُنْتَضى
شُنْوا بها الغاراتِ رَكْضاً إِنَّماعِزُّ السَّوابق أَنْ تُشَنَّ وتُرْكَضا
واسْتخدِموا بِيضَ الصِّفاح وعَرِّضواسُمْرَ الرِّماح لمَنْ بَغى وتَعَرَّضا
وتَيَقَّنوا أَنَّ الضَّراغم عِزُّهاإِنْ تُمْسِ في الأَجَماتُ تُمسي رُيَّضا
والْبِيضُ أَشرفُ ما تَكونُ قَواطِعاًلا أَنْ تُذَهَّبَ حِلْيَةً وتُفَضَّضا
واستمْسِكوا بعُرى المُكَرَّم وارفُضواما أَوجبتْ آراؤه أَنْ يُرْفَضا
فهو العِماد ومجدُ قحطانٍ بهيَسْمو افتخاراً مَنْ يَجيء ومَنْ مضى
إِن طال أَو عَرُض الثنَّاءُ بوَصْفهفبما أَطال الجودُ منه وأَعرضا
يزدادُ طِيباً في الإِعادة مَدْحُهُوالمِسْكُ أَعبَقُه إِذا ما خوّضا
لله عِمرانُ المُكَرَّمُ إِنَّهُأَغضى وقد أَصْلى العِدى جَمْرَ الغَضا
قَسَمَ العِنايةَ لِلْبلاد مُرَقْرِقاًمِنْ ماءِ رَوْنَق حُسنِها ما غُيِّضا
وسقى العِطاشَ بِزاخرٍ من جُودِهأَغْنى به الوُرّادَ أَنْ تَتَبَّرضا
فكأَنَّه ساري السَّحائِبِ ما انتحىأَرْضاً بوَفْد حَياهُ إِلاّ رَوَّضا
طُبِعَتْ على الشِّيَم الشَّريفَةِ نفسُهفكَفَتْ طهارة ثَدْيها أَنْ يُرْحَضا
وصَفَتْ خلائقُه التي لو مازجَتْصَفْوَ الزُّلال بطَبْعها ما عَرْمَضا
مُتَصَوِّرٌ ما في الخواطِر عالِمٌفَحْوى المُخاطِب مُفْحِصاً ومُعَرِّضا
فاقَ المُلوكَ مَكارِماً وعَزائِماًوَسِعَتْ وَلِيّاً في الأَنام ومُبْغضِا
فكأَنَّما النَّعْماءِ والبَأْساءُ لاتَنْفكُّ بَيْن السُّخْطِ منه والرِّضا
فَلْيَبْق بَمْحَضُه الزَّمانُ وَلاءَهطَوْعاً فَحُقَّ لِمِثْله أَن يُمْحَضا
وقوله يمدحه:
العِزُّ في صَهَواتِ خَيْل الدّاعيمُتَمَطِّراتٍ يومَ يدعو الدّاعي
لُحُقُ الأَياطل، بالقساطل قَنَّعَتْوجهَ النَّهارِ من الدُّجى بِقِناع
تَرْنو فتَحْوي ما رأَتْهُ كأَنَّماخُلَِقْت لَواحِظُها من الأَبْواعِ
من كُلِّ مُبْيَضِّ الأَديم كأَنَّهمن ماءِ دُرٍّ في الصَّفاءِ مُماعِ
أَو كُلِّ وَرْدٍ وَرْدُ رَوْضةِ جسمِهمُتَفَتِّحٌ في مائس الأَقماعِ
أَو أَصْفرٍ أَبْقى على سِرْبالِهِطَفَلُ العَشايا منهُ فَضْلَ شُعاعِ
أَو أَدْهَمٍ كاللَّيل إِلاّ أَربعخاضَتْ صَباحَ جَبينه اللَّماعِ
تلك التي يقَضْي لِعَقْد لِوائهابالنَّصْر صِدْقُ حَفائِظٍ ومِصاعِ
ويَقُودها شُعْثَ النَّواصي شُرَّباًماضي العزائم صادِقُ الإِزماعِ
مَلِكُ المُلوك عظيمُها عِمْرانُهاوالدّاعي ابن الدّاعي ابِن الدّاعي
نَسَبٌ كإِشراق الصَّباح يُمِدُّهإِشْراقُ بِيضِ فضائلٍ ومَساعِ
مَلِكٌ زُرَيْعيّ النِّجار مُؤَيَّد الأَنْصار رَحْبُ البابِ رحبُ الباعِ
مَشْبوبةٌ فوق الكواكب نارُهُلا في ذُرى عَلَم، وَقُورِ بِقاعِ
مَلِك غَرِائبُ مَدْحِه وحَديثِهنُزَه العْقول ونُجْعَةُ الأسماعِ
مَلأَ الزَّمان جَلالةً ومَهابةًمِلء النَّواظر مِلء سَمْعِ الْواعي
ما أَجمعَتْ إِلاّ على تفضيلهبينَ البريَّةِ أَلسنُ الإِجماعِ
يَجْلو فضائَله الْعِيانُ وإِنَّماحُكْمُ العِيان يُزيلُ كُلَّ سَماعِ
مَلكٌ ولاياتُ البلاد وعزلُهاما بين قَطْعٍ منه أَو إِقطاعِ
متكفِّلٌ دفعَ الخُطوبِ عن الورىفي حين أَعْيا الخطبُ كلَّ دِفاعِ
يَسَعُ النَّوازِلَ ضاقتِ الدُّنيا بهابرحيبِ صدْرٍ، لا يَضيقُ، وَساعِ
فكأَنَّما هي في فَضاءِ ضَميرهسِرٌّ من الأَسرار غيرُ مُذاعِ
يحمي بِهيبته الجْيوشَ إِذا هَفَتْأَبطالُها بالْمَعرَك الجَعْجاعِ
ويلوذُ يومَ الرَّوْع من سَطَواتهبالأَمْن قلبُ الخائف المُرتاعِ
لا تَحْجُب اللاّماتُ عن أَلِفاتِهفي الطعن ما في الحُجْب والأَضلاعِ
هذه صنعة طريفة، ونكتة لطيفة.
في حيثُ عِقبان الحِمام حَوائمٌفي النَّقْعِ واقعةٌ بلا إِيقاعِ
والخيلُ تَعْثر بالرؤوس من العِدىوتَخُوض في عَلَقٍ بِهِنَّ مُساعِ
يتقدَّمُ الإِنذارُ وَعْدَ مَغارِهلا عن تَرَقُّبِ غِرَّةٍ وخِداعِ
ومواكبٍ سالتْ بها عَزَماتهكعُبابِ مَوْجٍ أَو سُيول تِلاعِ
خَفَقتْ بها أَعلامُه فكأَنَّهافي الرَّوْع خافقةً قلوبُ رَعاعِ
وأَزارها أَرضَ الأَعادي صائِلاًلا كائلاً صاعَ الطِّعان بِصاعِ
ما بينَ أُسرته الأُولى ما منهمُإلاّ مُدَبِّرُ دولة أَو راعِ
آل الزُّرَيْعِ الزّارعين من العُلىوالمجدِ ما يسمو عن الزُّراعِ
والنّازِعين بِحُرّ أَشْطانِ القَنامُهَجَ العِدى نَزْعاً بغير نِزاعِ
أَسَدٌ يسير من القَنا في غابةٍويجرُّها للطَّعن سودَ أَفاعِ
كم عَفَّروا يومَ المَعافِر من فتىًومُقَنَّعٍ أَرْدَوا بِقيعةِ قاعِ
لمّا تبادَرَ غُلْبُ هَمْدانٍ وقدهَمَّ العُداةُ هُناك باسترجاعِ
واستبْطَنوا الأوجاع فَرْطَ مَخافةٍفأَتى الرَّدى منهم على الأَوْجاعِ
وتَصدَّع الشَّمْلُ المُؤَلَّفُ منهمُبِظُبيً تُزيل مَحلَّ كلِّ صُداعِ
والنَّصلُ في نَصْرِ المُكَرَّم رائعفي أَنفُسٍ ممن عصاه شَعاعِ
وبَنُو زُرَيْعٍ منه قد لَجأوا إلىسامٍ بِعزِّ لوِائهم مَنّاعِ
ما إِن تَخُطُّ يدُ العُلى أَوصافَهإِلاّ بسُمْر الخَطّ لا بِيَراعِ
لو أَنّ تُبَّع كان أَدركَ عَصرَهأَضحى له من جُملةِ الأَتباعِ
خَضعَت له غُلْبُ الملوك وإنّماخضعتْ لضرّارٍ لها نَقّاعِ
وعَنَتْ لعالي القَدْر منه مُؤَيِّدٍماضي الأَوامر في الزَّمان مُطاعِ
مُتجاوزٍ غاياتِ كلِّ فضيلةٍلم يَختلج بخَواطِر الأَطماعِ
ما زال يُتْرِعُ في المواهب إِنَّماإِتراع طيب الذكر في الإِتراعِ
مُتَدَفِّق كرماً وبأْساً ما لَهُعن ذا ولا عن ذاك مِنْ إِقلاعِ
إِن صال أَوجَبَتِ النِّصال تباين الْأَوْصالِ بعدَ تآلُفِ الأَوْضاعِ
أَوْ جادَ آذَنَ مالُه خُزّانَهلا عن قِلىً، بتَشَتُّتٍ ووَداعِ
والمالُ مُقْتَسَمٌ مُشاعٌ عندَهبيدَ النَّدى، والمجدُ غيرُ مُشاعِ
فكأَنَّما هو للعُفاةِ وَدائعٌفي كفِّه مضمونةُ الإِيداعِ
يَحْظى مُجالِسُه بأَشرفِ رُتَبةٍما بين عِزِّ عُلى وخِصْب مَراعِ
فكأَنَّ مَنْ يُمسي جليساً عندهيُمسي جليسَ البدر لا قَعْقاعِ
لا يَرْتضي سَمْعُ الفضائل منه أَنيُصْغي لِساعٍ في الورى لَسّاعِ
ويَسُرُّه السّاعي إِلى أَبوابهمُستمْطِراً سُحُبَ النَّدى لا السّاعي
وله من الأُمراءِ أَقمارٌ حَكَوْامنه شَريفَ خَلائق وطباعِ
وُلِدوا على دين العُلى واسْتُرْضِعوادَرَّ المَكارم عنه خيرَ رِضاعِ
فمحمَّد للحمد تبعثُه على الْإِطْناب فيه بَواعثٌ ودَواعِ
وأَبو السُّعودُ له حليفٌ مُسْعِدٌفي الفضل يخفظُ فَضْله ويُراعي
وشواهِدُ المَنصورِ تَشْهد أَنَّهما الظَّنُّ في عَليائه بمُضاعِ
أُمراءُ مُلْك رَتّبوه وأُوطِئوامنه أَعَزَّ مَواطنٍ وبِقاعِ
فبقيتَ يا داعي الدُّعاة مُمَتَّعاًبالكلِّ منهم أَفضلَ الإِمتاعِ
أَبدعْتَ في كرم الفَعال مبرِّزاًفارشِفْ ثُغورَ مَراشِف الإِبداعِ
مِدَحٌ بها غَنُّى الرُّواةُ ورَجَّعتْأَصواتَ وُرِْق الأَيْكِ بالأَسْجاعِ
وقوله في قصيدة ابتدأ فيها بوصف مكة والبيت الحرام ومواقفها العظام ويثرب مدينة النبي ﵇ ويتشوق أهلها، ويذكر كرمها وفضلها:
لي بالحجاز غَرامٌ لست أَدفَعُهُينقاد قلبي له طَوْعاً ويَتْبَعُه
يَهُزُّني البرقُ مَكِّيّاً تَبسُّمُهإِذا تراءَى حِجازِياً تَطَلُّعه
ويَزْدَهيني لقاءُ الوَفْدِ أَلحظهمن جَوّه وحديثُ الرَّكْبِ أَسُمَعُه
وفائحُ الرِّيحِ مِسْكِيّاً تأَرُّجُهمن طيب رَيّاه نَدِّياً تَضَوُّعه
وهاتِفُ الوُرْقَ في فَرْعِ الأَراك بهيُرَدِّدُ اللَّحْن شَجْواً أَو يُرَجعِّه
كلٌّ إِلىَّ حَبيبٌ من أَماكنهمُمَكَّنُ الفضل في صَدْري مُمَنَّعه
جِيادُه والصَّفا منه وَمَرْوَتُهومُتّكاه وما يَحوي مُرَبَّعُه
وأَخْشَباه وودايه وأَبْطَحهجَديبُه، لا رأَى جَدْباً، وَمَرْبَعُه
ومَوْقِفُ الحَجِّ في سامي مُعَرَّفهوما تَحُدُّ مِنيً منه وتَجْمعه
والبيتُ، والبيتُ أَعلى أَنْ أُجِدَّلهوصْفاً، وتعظيمُه عن ذاك يرفعه
في حيثُ حُجّاجه تعلو وقُصَّدُهعِزّاً، وسُجَّدُه تسمو ورُكَّعه
ومنهجُ الفَوْز بادي القصد واضحُهومَنْهَل الجود طامي الوردِ مُتْرَعه
وفي رُبى يَثْرِبٍ غاياتُ كلِّ هوىًيَجِلُّ عن مَوْقِع الأَشواق موقعه
أُفْقُ الشَّريعة والإِسلام طالعةًشُموسُه، مُسْتجاش النَّصْر مُتْبَعُه
حيث النُبُوَّةُ مضروبٌ سُرادِقُهاوالفضلُ شامِخُ طَوْدِ الفَخْر أَفْرُعُه
وحيث كان طريقُ الْوحي مُتَّضِحاًبين السماءِ وبين الأَرضِ مَهْيَعة
وخاتمُ الأَنبياءِ المصطفى شَرَفاًمحمدٌ باهِرُ الإِشراق مَضْجَعُة
صلّى الإِله عليه ما تكرّر بالصّلاة فرضُ مُصَل أَو تَطَوُّعُه
والمسجدُ الأَشرف السّامي بموضعهمَعقودُ تاج العلى منه مُرَصَّعه
وللشَّفاعة أَبوابٌ مُفتَّحَةمُشَفَّعٌ مَنْ بمعناها تَشَفُّعه
مَحَلُّ قُدْسٍ وتشريفٍ يُجَرُّ بهذيْلُ الجَمال على ذي المال يدفعه
يَشُبُّ نيرانَ أَشواقي غليلُ هوىًإِليه ليس سِوى مَرْآه يَنْقَعُه
ويستمِدُّ حَنيني كلُّ مُنْحَنَأٍمنه وعامِره الزّاكي وبَلْقعه
عَقيقُه وقبُاه والْبقيعُ ومايَحُدُّ أُحْدٌ لِمَن في الله مَصْرَعه
تلك المواقف، لا بَغْدادُ موقِفُهوالكَرْخ مُصْطافُه منها ومرْبعه
وَهْي الهْوَى لا رُبى نجدٍ ورامتُهولا العُذَيْبُ وواديه وأَجْرَعه
مُسْتَنْزَلُ الفوْزِ والغفُران مَهْبِطهومُلْتَقى كلِّ رِضوان ومَجْمَعُه
أُحبِّه وأُحبّ النّازلين بهوما تَضُمُّ نَواحيه وأَرْبُعه
طَبْعاً جُبِلْت عليه في الغرام بهوأَينَ مِنْ طَبْعِ مَنْ يَهْوى تَطَبُّعُه
كسانِيَ الحُبُّ ثوبَ الإِفتتانِ بهولست حتّى بِخَلْعِ الرُّوحِ أَخَلعُه
أَستودِعُ الله فيه كلَّ مُنفرِدٍبالفضل يُودعِ شَجْواً مَنْ يُوَدِّعه
يَكاد يَجْري مجاري النَّفْس جملتُهلُطفاً ويُذْهِلُ مَرآه ومَسْمَعُه
وجيرةٍ في جِوار الله يَنْزِع بيشَوْقٌ إِلى قُربهمْ في الله مَنْزِعه
مِنْ كلّ مَنْ بَغَّض الدُّنْيا تَوَرُّعُهعنها وبَغَّض ما يَحوي تَبَرُّعُه
كأَنّما الروض يَجْلو ما يُفَوِّفُهمن خُلْقه ويُوَشِّي ما يُوَشِّعُه
فيا سَنا البارق المكّيِّ يَشْهَرُ منإِيماضِه الأُفقُ عَضْباً أَو يُشَعْشعه
قُلْ للأحبّة عني قول من حُنِيَتْعلى الوفا لهمُ والشوْقِ أَضْلُعه
هل حافظٌ عَهْدُ ودّي من حَفِظْتُ لهعلى النَّوى عَهْدَ ودٍّ لا أُضْيِّعه
أم هل تُجَرِّعُه مما تُجَرِّعُنيفي البعد كأسُ الأَسى أَم لا تُجَرِّعه
أَم هل يَهُزُّ ادّكاري عِطْفَه طَرَباًوتَسْتَهِلُّ كدمعي فيه أَدْمُعه
وإِن يكن طال مَرْمى الْبَيْن أَو قَطَعَتْيداه ما ليس أَيْدي الْوَصلِ نَقطعه
فما تغيَّرْتُ عن مَحْضِ الصّفاءِ لهمولا تكدَّر وِرْدٌ طاب مَشْرَعه
مَحَلُّ كلِّ لحبيبٍ حيث يعلمهمنّي وموضعُه في القلب موضعه
هيهْاتَ ما شَغفي مما تُقَسِّمهسوانِحُ الرَّأْي أَو مما تُوَزِّعه
فلا عَدِمْتُ هوىً منهمْ يُحاولنيفيه النَّوى بسُلُوٍّ عَزَّ مَطْعَمُهُ
وحَبَّذا الرَّكْبُ يُبْدي من حديثهمما يَجْبُر القَلْبَ تَعْليلاً ويَصْدَعه
وحبَّذا طيبُ أَنفاسِ النَّسيم سرىعنهم كما فاحَ مِسْكٌ فُضَّ مُودَعه
فهل أَخو دَعْوَةٍ في الله تنَهضُ بيعنايةُ الذِّكر منه أَو تَضَرُّعُه
وجاد تلك الرُّبا هامٍ تَبَجُّسُهيَجُول من مائه فيها تَمَيُّعُه
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع