من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الوزير الفقيه أبو عبيد البكري
ذكر أنه رأى هذا الفقيه في سن ابن محكم، وقد فاق كل متكلم، وهو غلام ما أبدر قمره، ولا أينع ثمره، ولا تفتق لعذاره زهره، وقرظه بأنه كان حلي الزمان العاطل، وصيت الدهر الخامل، وقطب مدار الأدب في أفلاكه، وواحد المغرب ومقرب أملاكه، وكانوا يتهادونه تهادي العيون للوسن، والأسماع للصوت الحسن، غير أن شربه المدام مدام، ولم يزل منه له من غير ندامة ندام، قد صار هجيره، لا يهجره أصيله وهجيره، وله في البيان مصنفات، بفرائد الحكم مشنفات، قال أبو نصر صاحب قلائد العقيان إنه رآه وقد جرى ذكر ابن مقلة وخطه فقال:
خط ابن مقلة من أرعاه مقلتهودت جوارحه لو أصبحت مقلا
فالدر يصفر لاستحسانه حسداوالورد يحمر من إبداعه خجلا
وله فصل من كتاب راجع به الفقيه أبا الحسن ابن دري:
وتالله إني لأتطعم جنى محاورتك فتقف في اللهاة، وأجد لتخيل مجالستك ما يجده الغريق من النجاة، وأعتقد في مجاورتك ما يعتقده الجبان في الحياة.
أما تخطئ الأيام في بأن ترىبغيضا تنائي أو حبيبا تقرب
ورأيت رغبتك في الكتاب الذي لم يتحرر ولم يتهذب، وكيف التفرغ لقضاء ارب، والنشاط قد ولي وذهب، فما أجد، إلا كما قال:
نزراً كما استنكهت عائر نفحةمن فارة المسك التي لم تفتق
وإن يعن الله على المراد، فيك والله يستفاد، وبرغبتك أخرجه إلى الوجود من العدم، وإليك يصل أدنى ظلم.
وله فصل يهني الوزير أبا بكر بن زيدون بالوزارة: أسعد الله بوزارة سيدي الدنيا والدين، وأجرى لها الطير الميامين، ووصل بها التأييد والتمكين، فالحمد لله على أمل بلغه، وجذل قد سوغه، وضمان حققه، ورجاء صدقه، وله المة في ظلام كان أعزه الله صبحه ومستبهم، غدا شرحه، وعطل نحر كان حليه، وضلال دهر صار هديه:
فقد عمر الله الوزارة باسمهورد إليها أهلها بعد إقصار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع