من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
أبو الطيب المتنبي
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي المتنبي الشاعر الحكيم، وخاتم ثلاثة الشعراء، وآخر من بلغ شعره غاية الارتقاء.
وهو من سلالة عربية من قبيلة جعفي بن سعد العشيرة إحدى قبائل اليمانية. ولد بالكوفة سنة هـ? في محلة كندة ونشأ بها وأولع بتعلم العربية من صباه وكان أبوه سقاء فخرج به إلى الشام ورأى أبو الطيب أن استتمام علمه باللغة والشعر لا يكون إلا بالمعيشة في البادية فخرج إلى بادية بني كلب فأقام بينهم مدة ينشدهم من شعره وبأخذ عنهم اللغة فعظم شأنه بينهم. وكانت الأعراب الضاربون بمشارف الشام شديدي الشغف على ولاتها فوشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الأخشيدية بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بني كلب وتبعه منهم خلق كثير ويخشى على ملك الشام منه. فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهم وقبض على المتنبي وسجنه طويلاً ثم استتابه وأطلقه.
فخرج من السجن وقد لصق به اسم المتنبي مع كراهته له. ثم تكسب بالشعر مدة انتهت بلحاقه بسيف الدولة بن حمدان فمدحه بما خلد اسمه أبد الدهر. وتعلم منه الفروسية وحضر معه وقائعه العظيمة مع الروم حتى عد من أبطال القتال رجاء أن يكون صاحب دولة.
ثم قصد كافوراً الأخشيدي أمير مصر ومدحه ووعده كافور أن يقلده أمارة أو ولاية، ولكنه لما رأى تغاليه في شعره وفخر بنفسه عدل أن يوليه. وعاتبه بعضهم في ذلك فقال: يل قوم، من ادعى النبوة بعد محمد (أما يدعي المملكة بعد كافور، فحسبكم فعاتبه أبو الطيب واستأذن في الخروج من مصر فأبى. فتغفله في ليلة عيد النحر وخرج منها يريد الكوفة ومنها قصد عضد الدولة بن بويه بفارس ماراً ببغداد فمدحه ومدح وزيره ابن العميد فأجزل صلته وعاد إلى بغداد. وخرج إلى الكوفة فخرج عليه إعراب بني ضبة وفيهم فاتك بن أبي جهل، وكان المتنبي قد هجاه هجاء مقذعاً فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل المتنبي وابنه وغلامه سنة هـ.
شعره: لا خلاف عند أهل الأدب في أنه لم ينبغ بعد المتنبي في الشعر من بلغ شأوه أو داناه. والمعري على بعد غوره وفرط ذكائه وتوقد خاطره وشدة تعمقه في المعاني والتصورات الفلسفية يعترف بأبي الطيب ويقدمه على نفسه وغيره. ومن قوله:
إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزةًفلا تظنَّنَّ أن الليثَ يبتسمُ
أعيذها نظراتٍ منك صادقةَأن تحسبَ الشحم فيمن شحمهُ ورم
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرةٍإذا استوت عنده الأنوار والظلم
يا من يعز علينا أن نفارقهموجداننا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ
إن كانَ سرَّكم ما قال حاسدنافما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ
وبيننا لو رعيتمْ ذاك معرفةأن المعارفَ في أهل النّهى ذممُ
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكمويكره الله ما تأتون والكرمُ
إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدرواألا تفارقهمْ فالراحلون همُ
ومن قوله:
ذو العقلِ يشقى في النّعيم بعقلهوأخو الجهالةِ في الشقّاوة ينعمُ
لا يخدعنكَ من عدوًّ دمعهُوارحمْ شبابك من عدوًّ ترحمُ
لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذىحتى يراقَ على جوانبه الدّمُ
والظلمُ من شيمِ النفوس فإن تجدْذا عفَّة فلعلَّة لا يظلم
ومن البليّة عذلُ من لا يرعويعن غيّة وخطابُ من لا يفهم
ومن العداوة ما ينالك نفعةومن الصّداقة ما يضرُّ ويؤلم
ومن قوله:
ما كنت أحسبُ قبل دفنك في الثَّرىأن الكواكبَ في التراب تموزُ
ما كنت آملُ قبل نعيك أن أرىرضوى على أيدي الرجال يسير
خرجوا به ولكلّ باكٍ حولهصعقاتُ موسى يومَ دكَّ الطُّور
حتى أتوا جدثاً كأن ضريحهفي كل قلب موجدٍ محفور
كفلَ الثناءُ له بردّ حياتهِلمَّا انطوى فكأنه منشور
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع