من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)
فالقسم الأول منها موضوع للتصور
وهو من، وما، وكم، وكيف، وأين، وأنى، ومتى، وأيان، ومعنى قولنا إنها دالة على التصور، هو أنها موضوعة للسؤال عن الماهية الحاصلة فى الذهن من غير أن يضاف إليها حكم من الأحكام، مما هو موضوع للتصور فى السؤال، كقولك ما الجسم وما العرض، وما الملك؟ ولهذا فإنه يحق على المجيب أن يجيب بذكر ماهية هذه الأمور، ليكون جوابه مطابقا لسؤال السائل، وقد يسأل بها عن اللفظ، فيقال ما العقار، وما الزرجون؟ فيقال الخمر، قال السكاكى: وقد يسأل بها عن الصفة، فيقال ما زيد، وجوابه الطويل، أو القصير.
وأما «من»، فهى دالة على التصور أيضا كقولك: من جبريل، أى من أى الحقائق هو، أبشر هو، أم جنىّ، أم ملك، وتقع سؤالا عن الشخص من أولى العلم، كقولك: من فى الدار، فتقول: زيد، قال الله تعالى فى السؤال: «بما» فى قصة البقرة قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
يعنى من أى حقيقة الألوان لونها، فأجاب: بأنها صفراء، ثم قال: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
وقال فى سؤال فرعون: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
فأجابه الله تعالى بذكر الصفة وحقيقتها، فهذا كله دال على أنها موضوعة للتصور فيما كانت سؤالا عنه، سواء كان ذاتا أو صفة، وقال الله تعالى فى السؤال «بمن» أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
وقال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
فهذا سؤال عن حقيقة الشىء وتصور ماهيته.
وأما «أى» فإنه سؤال عن تصور حقيقة البعضية كما قال تعالى: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً
والمعنى أنحن، أم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، وقال الله تعالى:
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
يعنى من هذه الذات المتصورة، أو هذه الصفات المتصورة.
وأما «كم» فإنها سؤال عن تصور حقيقة العدد، قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ
وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ
وقال تعالى:
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ
وأما كيف، فإنها سؤال عن حقيقة الحال وتصوره، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
وقال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
وأما «أين» فإنه سؤال عن تصور حقيقة المكان، قال الله تعالى: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ
وقال تعالى أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ
وأما «أيان»، فإنه سؤال عن تصور حقيقة الزمان المستقبل، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
[الأعراف:
] وقيل إنه مختص بالأمور الهائلة العظيمة.
وأما «متى»، فإنه مختص بتصور حقيقة الزمان، قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
وقال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ
فهذا كله حكم هذه الأسماء إذا كانت مستعملة فى الطلب.
النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع