تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [الأعشى]

الأعشى: اسمه ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، يكنى أبا بصير.

امتدح النبيّ ﷺ بقصيدة وقدم ليسلم، فرآه كفار مكة، كما سيأتي ذكر قصته في حرف اللام عند شرح القصيدة المذكورة. قال الآمدي في شرح ديوان الأعشى: كان الأعشى جاهليا كبير السن، وعاش حتى أدرك الاسلام في آخر عمره، ورحل الى النبيّ ﷺ من اليمامة ليسلم، فقيل له: إنه يحرّم الخمر والزنا، فقال: أتمتع منهما سنة ثم أسلم، فمات قبل ذلك بقرية من قرى اليمامة. وقيل إن خروجه الى النبي ﷺ كان في عام الحديبية، فمرّ بأبي سفيان بن حرب فسأله عن وجهه الذي قدم منه فعرّفه، ثم سأله: أين يقصد؟

فقال: أريد محمدا. فقال: انه يحرّم عليك الزنا والخمر والقمار. فقال له: أمّا الزنا فقد تركني ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منه وطرا، وأما القمار فلعلي أن أصيب منه خلفا. قال: فهل لك الى خير؟ قال: وما هو؟ قال: بيننا وبينه هدنة فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظهر أتيته، وإن ظهرنا كنت قد أصبت عوضا من رحلتك. قال: لا أبالي. فانطلق به أبو سفيان الى منزله وجمع له أصحابه وقال: يا معشر قريش، هذا أعشى بني قيس بن ثعلبة، وقد عرفتم شعره، ولئن وصل الى محمد ليضربن عليكم العرب بشعره، فجمعوا له مائة ناقة وانصرف، فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فوقصه فمات.

وكان الأعشى يلقب صناجة العرب لأنه أول من ذكر الصنج في شعره. وكان

الأعشى يفد على ملوك العرب وملوك فارس، فلذلك كثرت الفارسية في شعره.

قال: وكان أبو كلبة هجا الأعشى وهجا الأصم بن معبد فقال فيهما:

فتحتما شاعري حيّ ذوي حسبوحزّ أنفاكما حزّا بمنشار
أعني الأصمّ وأعشانا إذا ابتدراإلّا استعانا على سمع وإبصار

فامسك عنه الأعشى فلم يجبه بشيء، وقال للأصم: أنت من بيت مشهور، وأبو كلبة رجل مرذول فلا تجبه فترفع عن قدره.

قالوا: والأعشى ممن أقرّ بالملكين الكاتبين في شعره، فقال في قصيدة يمتدح بها النعمان:

فلا تحسبنّي كافرا لك نعمةعليّ شاهدي يا شاهد الله فاشهد
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أترحل من ليلى ولما تزود»

وقد كانت العرب ممن أقام على دين إسمعيل، إذا حلفت تقول: وحق الملكين.

فكان الأعشى ممن أقام على دين إسمعيل والقول بالأنبياء. قالوا: والأعشى ممن اعتزل وقال بالعدل في الجاهلية، من ذلك قوله:

استأثر الله بالوفاءالبيت

وسلك الأعشى في شعره كل مسلك، وقال في أكثر أعاريض العرب، وليس ممن تقدم من فحول الشعراء أحد أكثر شعرا منه.

قالوا: وكانت العرب لا تعدّ الشاعر فحلا، حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره فلم يعدّوا امرأ القيس فحلا حتى قال:

والله أنجح ما طلبت بهوالبرّ خير حقيبة الرّجل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»

وكانوا لا يعدّون النابغة فحلا حتى قال:

نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدنيولا قرار على زأر من الأسد

وكانوا لا يعدّون زهيرا فحلا حتى قال:

ومهما تكن عند امرئ من خليقةولو خالها تخفى على النّاس تعلم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

وكانوا لا يعدّون الأعشى فحلا حتى قال:

قلّدتك الشّعر يا سلامة ذافايش، والشّيء حيث ما جعلا

وقال أبو عبيد: الأعشى هو رابع الشعراء المتقدمين، امرئ القيس والنابغة وزهير. قال: وكان الاعشى يقدم على طرفة لأنه أكثر عدد طوال جياد، وأوصف للخمر والحمر، وأمدح وأهجى، وأكثر أعاريض. وطرفة يوضع مع أصحابه، وهم أصحاب الوحدات، فمنهم: الحارث بن حلّزة، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وسويد بن أبي كاهل اليشكري، قال: وإنما فضل الأعشى على هؤلاء لأنه سلك أساليب لم

يسلكوها، فجعله الناس رابعا للأوائل بآخرة. واتفقوا على أن أشعر الشعراء واحدة في الجاهلية: طرفة والحارث بن حلّزة، وعمر بن كلثوم. ثم اختلفوا فيهم، ونظيرهم في الاسلام سويد بن أبي كاهل اليشكري. واتفقوا على أن أشعر شعراء الاسلام الفرزدق وجرير والأخطل، ثم اختلفوا فيهم. واتفقوا على أنّ الشعر في الاسلام في تميم وتغلب. وأن أشعر أهل المدر: أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف. وأشعر هؤلاء المدريين: حسان بن ثابت.

قال أبو عبيدة: وتقدم عبد الملك بن مروان الى الهيثم بن صالح مؤدّب ولده فقال: علمهم شعر الأعشى، فإني شبهته بالبازي يصيد ما بين الكركي الى العندليب.

قال الآمدي: ولشعر الأعشى طلاوة ليست لغيره من الشعر القديم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يفخم منه ويعظم محله ويقول: شاعر مجيد كثير الأعاريض والافتنان، وإذا سئل عنه وعن لبيد قال: لبيد رجل صالح، والأعشى رجل شاعر.

وأخرج البزار وأبو يعلى في مسنديهما عن أبي هريرة: رخص لنا رسول الله ﷺ في شعر جاهلي، إلا قصيدتين للأعشى زعم انه أشرك فيهما احداهما في أهل بدر، والأخرى في عامر وعلقمة.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.