تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [حاتم الطائي]

حاتم الطائي هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عديّ الجواد المشهور شاعر جاهلي يكنى أبا سفانة بابنته، وابنه عديّ بن حاتم الصحابي المشهور.

أخرج أحمد عن عديّ ابن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا. فقال: إن أباك أراد أمرا فأدركه، يعني الذكر.

وأخرج ابن عديّ وابن عساكر عن ابن عمر قال: ذكر حاتم طي عند النبي ﷺ فقال: ذاك رجل أراد أمرا فأدركه.

وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن علي قال: لما جاء بسبايا طيّ وقعت جارية حمراء العشاء، دلفاء عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين، فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لأطلب إلى رسول الله ﷺ يجعلها في فيئي، فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت:

يا محمد، إن رأيت أن تخلي عنا ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيد قومي، وأن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضعيف، ويطعم الطعام، ويفشي السّلام، ولم يردّ طالب

حاجة قط، أنا ابنة حاتم طي. فقال النبي ﷺ: لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلوا عنها،

فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق.

وأخرج ابن عساكر عن عديّ بن حاتم قال: كان أبي يقول لنا في الجاهلية:

إذا كان الشيء يكفيكه تركه فاتركه.

وأخرج ابن الأنباري وابن عساكر عن ابن الأعرابي قال: كان حاتم الطائي أسيرا في عنزة، فقالت له امرأة يوما: قم، فافصد لنا هذه الناقة! وكان الفصد عندهم أن يقطع عرقا من عروق الناقة، ثم يجمع الدم فيشوى. فقام حاتم إلى الناقة فنحرها، فلطمته المرأة. فقال حاتم: (لو غيرت ذات سوار لطمتني). فذهب قوله مثلا. وقال له النسوة: إنما قلنا لك فصدها! فقال: هكذا فزدي. ان قوله (فزدي) فصدي، اشم الصاد زايا، وأدخل هاء السكت على أنا.

وأخرج ابن عساكر عن أبي عبيدة قال: لما بلغ حاتم طيّ قول المتلمس:

قليل المال يصلحه فيبقىولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال خير من فناءوعسف في البلاد بغير زاد

فقال: قطع الله لسانه، حمل الناس على البخل، فهلا قال:

فلا الجود يفني المال قبل ذهابهولا البخل في مال الشّحيح يزيد
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «فلا الجود يفني المال قبل فنائه»
فلا تلتمس مالا بعيش مقتّرلكلّ غد رزق يعود جديد

وأخرج ابن الأنباري وابن عساكر من طريق ملحان بن عركي بن عديّ بن حاتم

عن أبيه عن جدّه قال: شهدت حاتما وهو يكيد بنفسه، فقال لي: أي بني، إني أعهدك من نفسي ثلاث خلال: والله ما خاتلت جارة لي لريبة قط، ولا أؤتمنت على أمانة إلّا أدّيتها، ولا أتى أحد قطّ من قبلي بسوء.

وأنشد:

أما والّذي أبكى وأضحك والّذيأمات وأحيا والّذي أمره الأمر
للشاعر أبو صخر الهذلي، اقرأ القصيدة

تقدم شرحه في شواهد أما.

وأنشد:

ألا طعان ألا فرسان عاديةإلّا تجشّؤكم حول التّنانير
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «حار بن كعب ألا الأحلام تزجركم»

هذا من قصيدة لحسان بن ثابت ﵁ يهجو (بني) الحارث بن كعب المجاشي من بني عبد المدان. (وأول القصيدة):

حار بن كعب ألا أحلام تزجركمعنّا، وأنتم من الجوف الجماخير
لا بأس بالقوم من طول ومن عظمجسم البغال وأحلام العصافير
ألا طعان ألا فرسان عاديةإلّا تجشّؤكم حول التّنانير
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «حار بن كعب ألا الأحلام تزجركم»
دعوا التّخاجؤ وامشوا مشية سجحاإنّ الرّجال ذوو عصب وتذكير
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «حار بن كعب ألا الأحلام تزجركم»

حار: منادي الحارث، مرخم. والأحلام: العقول جمع حلم. وقوله: (عنا) أي: عن هجائنا، لأنه كان هجا بني النجار من الأنصار فشكوا ذلك الى حسان فقال هذه. ثم قال: ألقوها إلى صبيان المكاتب. ففعلوا، فبلغ ذلك بني عبد المدان فأوثقوا الحارث وأتوا به إلى حسان وحكّموه فيه، فأمر بالناس فحضروا، وجلس على سرير وأحضره موثقا، فنظر إليه مليا ثم قال لابنه عبد الرحمن: هات الدراهم التي بقيت من صلة معاوية، وائتني ببغلة. ففعل، ففك وثاقه وأعطاه الدراهم وأركبه البغلة، فشكره الناس. والجوف: جمع أجوف، وهو العظم الجوف.

والجماخير: بجيم وخاء، جمع جمخور، وهو العظيم الجسم القليل العقل والقوّة.

وجسم: يروى بالرفع والنصب.

قال المصنف: روي أن بني عبد المدان كانوا يفتخرون بعظم أجسامهم حتى قال فيهم حسان هذا الشعر فتركوا ذلك. ويروى (ولا فرسان) بدل (ألا فرسان).

وطعان: مصدر طاعن. وفرسان: جمع فارس. وعادية: يروى، بالعين المهملة، من العدو، أو العدوان. وبالمعجمة: من الغدو ضدّ الرواح. ويروى بالنصب: نعت أو حال، وخبر (لا) محذوف وبالرفع خبر (لا). وتجشؤكم: ويروى بالرفع والنصب، وبالجيم من الجشاء: تنفس المعدة بالحاء المهملة، من الاحتساء والاستثناء منقطع. والمعنى: ألا طعان عندكم ولا فرسان فيكم تعدو على أعدائهم، أي لستم بأهل حرب، وإنما أنتم أهل أكل وشرب، كما قال الآخر:

إنّي رأيت من المكارم حسبكمأن تلبسوا حرّ الثّياب وتشبعوا
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة

وقال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتهاواقعد، فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

والتنانير: جمع تنور. والتخاجؤ: بجيم وهمز، مشية فيها تبختر، ومشية سحجا: أي سهلة، حسنة، بسين مهملة ثم جيم ثم حاء مهملة. والعصب: شدّة الخلق، يقال: رجل معصوب، أي قوي شديد. هكذا ذكر جماعة من المتأخرين هذا البيت من الأبيات المذكورة لحسان. ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري البيتين الأوّلين لحسان. وقوله: (ألا طعان ... البيت) لخداش بن زهير يخاطب بها بني العرقة، من بني تيم بن غالب، من أجل مسابقة كانت بينهم وبين رهط خداش.

وأول القصيدة:

أبلغ أبا كنف إمّا عرضت لهوالأبجرين ووهبا وابن منظور
للشاعر خِداش العامِري، اقرأ القصيدة
ألا طعان ألا فرسان عاديةإلّا تجشّؤكم حول التّنانير
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «حار بن كعب ألا الأحلام تزجركم»
ثمّ احضرونا إذا ما احمرّ أعيننافي كلّ يوم يزيل الهمّ مذكور
للشاعر خِداش العامِري، اقرأ القصيدة
تلقوا فوارس لاميلا ولا عزلاولا هلابيج روّاغين في الدّور

في أبيات أخر.

وأنشد:

ألا ارعواء لمن ولّت شبيبتهوآذنت بمشيب بعده هرم

الارعواء: الانكفاف، مصدر ارعوى عن الشيء، أي الانكفاف عن القبيح.

و خبر. وولت: أدبرت وذهبت. وآذنت: عطف على ولت، أي أعلمت وأنذرت. وجملة (بعده هرم) صفة لمشيب. والشبيبة: الشباب. والمشيب:

الشيب. وقال الأصمعي: المشيب بالميم: دخول الرجل في حدّ الشيب من الرجال.

والشيب بدون ميم: بياض من الشعر. والهرم: كبر السن.

وأنشد:

ألا عمر ولّى مستطاع رجوعهفيرأب ما أثأت يد الغفلات

لم يسم قائله. (ألا) للتمني. وعمر: اسمها. وولى: صفته. ومستطاع رجوعه: جملة اسمية قدّم خبرها، وهي صفة أخرى، فمحلهما نصب. ويجوز عند المازني والمبرد أن يكون محلهما رفعا. وكون الأسمية خبرا، وكون مستطاع صفة على الموضع أو خبرا. ورجوعه: مرفوع به على الوجهين، لانهما يجريان (ألا) التي للتمني مجرى (ألا) التي للانكار والتوبيخ، ولا يجوز ذلك عند سيبويه، لأنه لا يجيز مراعاة المحل اسمها، أجرى الهاء مجرى ليت، وليس لها عنده خبر، لا لفظا ولا تقديرا، بل هي ومتلوها كلام تام مركب من اسم وحرف كما في (يا زيد) عند أبى علي. وسوّغ ذلك الحمل على المعنى، لأن معناه أتمنى كذا. وقوله: (فيرأب) منصوب في جواب التمني، أي يصلح. يقال: رأبت الاناء إذا شعبته وأصلحته، ومادته راء وهمزة وباء. قال المصنف: والمحفوظ بناؤه للفاعل، ويحسن بناؤه للمفعول وما موصولة. وأثأت: بمثلثة بعدها همزة، أفسدت، منقول بالهمزة من ثأى، بالكسر، يثأى، بالفتح، فسد. واستعار للغفلات التي هي جمع غفلة. يدا تشبيها بمن يكتسب أشياء بيده. ويد فاعل أثأت والعائد محذوف: أي أثأته.

وأنشد:

ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد

تقدّم شرحه في شواهد الهمزة.

وأنشد

ألا رجلا جزاه الله خيرايدلّ على محصّلة تبيت

هو من أبيات الكتاب، وبعده:

ترجّل لمّتي وتقمّ بيتيوأعطيها الإتاوة إن رضيت

وقال الأزهري: هما لأعرابي أراد أن يتزوّج امرأة بمتعة. قال المصنف:

قوله (ألا رجل) فيه ثلاث روايات: الرفع، وبه جزم الجوهري على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره يدل. أو مبتدأ تخصّص بالاستفهام، ويدل خبره. والجر على اضمار من، وفيه ضعف لاعمال الجار محذوفا، ويزيده ضعفا كونه زائدا. ونظيره في الضعف قوله:

ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله

على قول سيبويه أن التقدير ان أفعله، لأن أن وان كانت غير زائدة، لكن دخولها في خبر كاد قليل. والثالثة النصب وهي المشهورة، فقال الخليل وسيبويه (ألا) للعرض، والفعل مقدّر، أي ألا تروني رجلا. وقال يونس: (ألا) للتمنّي ورجلا اسمها، ونوّن للضرورة. وقال بعضهم: (ألا) للاستفتاح، ورجلا منصوب بمضمر يفسره جزى، ويدل على رواية النصب صفة رجلا. ومحصّلة، بكسر الصاد:

امرأة تحصل الذهب من تراب المعدن وتخلصه منه. وقوله: (تبيت) قال الأعلم.

أي تبيت تفعل ذلك أي الفاحشة. وقال السيرافي: انما الرواية تبيث بمثلثة آخره، من الاستباثة، وهي الاستخراج أي يستخرج الذهب من ترابه. قال المصنف:

وكلاهما كلام من لم يقف على ما بعد البيت، وهو (ترجل .. الخ) بالقافية تاء مثناة وترجل ... الخ خبر باب، والبيت متعلق بما قبله ففيه تضمنين وهو من عيوب الشعر. والبيتوتة للترجيل والقم كما ذكر لا لشيء آخر. وقال بعضهم: يبيت بضم أوله، أي يجعل لي بيتا أي امرأة بنكاح.

قلت: وهذا عندي أحسن ويندفع به التضمين. والترجيل: تسريح الشعر.

واللمّة، بكسر اللام وتشديد الميم: الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة. والأتاوة، بكسر الهمزة: الخراج. ثم رأيت في شرح أبيات الكتاب للزمخشري قال: البيت من قصيدة طويلة لعمرو بن قنعاس المرادي أوّلها:

ألا يا بيت بالعلياء بيتولولا حبّ أهلك ما أتيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «أعاذلتي ألا لا تعذليني»
ألا يا بيت أهلك أوعدونيكأنّي كلّ ذنبهم جنيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «أعاذلتي ألا لا تعذليني»
ألا بكر العواذل فاستميتوهل من راشد إمّا غويت
إذا ما فاتني لحم غريضضربت ذراع بكري فاشتويت
للشاعر السموأل، من قصيدة «أعاذلتي ألا لا تعذليني»
وكنت متى أرى رقا مريضايصاح على جنازته بكيت
أمشّي في سراة بني غطيفإذا ما ساءني ضيم أبيت
للشاعر عمرو بن قِعاس المرادي، اقرأ القصيدة
أرّجل لمّتي وأجرّ ذيليوتحمل بزّتي أفق كميت
للشاعر عمرو بن قِعاس المرادي، اقرأ القصيدة
وبيت ليس من شعر وصوفعلى ظهر المطيّة قد بنيت
للشاعر عمرو بن قِعاس المرادي، اقرأ القصيدة
ألا رجلا جزاه الله خيرايدلّ على محصّلة تبيت

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.