من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
شواهد ألى
وأنشد:
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّنيإلى النّاس مطليّ به القار أجرب
هذا من أبيات للنابغة الذبياني يخاطب بها النعمان بن المنذر، وأوّلها:
أتاني أبيت اللّعن أنّك لمتنيوتلك الّتي أهتمّ منها وأنصب
فبتّ كأنّ العائدات فرسننيهراسا به يعلى فراشي ويهشب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانةلمبلغك الواشي أغشّ وأكذب
ولكنّني كنت امرأ لي جانبمن الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهمأحكّم في أموالهم وأقرّب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهمفلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فلا تتركنّي بالوعيد كأنّنيإلى النّاس مطليّ به القار أجرب
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةترى كلّ ملك حولها يتذبذب
فإنّك شمس والملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث، أيّ الرّجال المهذّب؟
فإن أك مظلوما فعبد ظلمتهوإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب
هذا آخر القصيدة فيما رأيته في ديوانه، رواية الأصمعي. وأوردها صاحب منتهى الطلب بتقديم وتأخير وزيادة. فجعل البيت المصدر به آخر القصيدة بعد قوله:
(فمثلك يعتب)، وجعل قوله: (ولست بمستبق) قبل قوله (ألم تر أن الله)، وجعل مطلع القصيدة:
أرسما جديدا من سعاد تجنّبعفت روضة الأجداد منها فيثقب
عفا آية ريح الجنوب مع الصباوأسحم دان مزنه متصوّب
وبعد ثمانية أبيات. ثم قوله: (حلفت .. الخ) وأسقطت قوله: (فبت .. البيت) قوله: أبيت اللعن. هي تحية الملوك الجاهلية. وأنصب: أتعب. والعائدات:
الزائرات في المرض. وهراسا: شوكا. ويهشب: يجرّد. وقوله: (حلفت ...
الأبيات) استشهد بها أهل البديع على النوع المسمى عندهم بالمذهب الكلامي، وهو إيراد حجة للمطلوب على طريق أهل الكلام. وريبة: شك. ومذهب: طريق.
قال شارح ديوانه: أي لا يحلف بأعظم منه. والواشي: النمام. و. جانب: ناحية.
والمستراد: التصرف بالمجيء. والذهاب: من راد يرود. واصطنعتهم: أحسنت إليهم. وقوله:
فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
في زيارتك والوفادة إليك وترك بلادهم وملوكهم. والوعيد: التهديد. ومطلي:
مدهون. والقار: القطران ونحوه، مما يدهن به الأبل. وأجرب: ذو جرب، وهو داء معروف. والمعنى: كأنني في الناس جمل أجرب جعل عليه القار. وأورد التغلبي في تفسيره البيت شاهدا على وردد (الى) بمعنى (مع). وقال: أي مع الناس.
وقوله: (أعطاك سورة)، استشهد به أهل التفسير على أن السورة بلا همز، المنزلة
الرفيعة. واستشهدوا بعجزه على أن (الملك) بسكون اللام لغة في (الملك) بكسرها.
ويتذبذب: بمعجمتين، يضطرب. وقوله: (فانك شمس ... البيت) قال المبرد في الكامل: هذا من أعجب التشبيه. وقد سلكه البوصيري في البردة حيث قال في النبي ﷺ والنبيين:
فإنّه شمس فضل هم كواكبهايظهرن أنوارها للنّاس في الظّلم
والشعث: الفساد. ويقال اللهم ألمم شعثنا: أي أصلح أمرنا واجمعه. والمهذب:
المنقى من العيوب. وقوله: أي الرجال المهذب، اشتشهد به أهل المعاني على النوع المسمى عندهم بالتذييل، وهو تعقيب الكلام بجملة تؤكد معناه تجري مجرى المثل.
والعتبى: المراجعة. ويعتب: يراجع. ورسم جديد من جد الأثر: أي درس. ويثقب:
جبل أو مكان. وأسحم: سحاب أسود. ودان: قريب من الأرض.
وأنشد:
تقول وقد عاليت بالكور فوقها:أيسقى فلا يروى إليّ ابن أحمرا
(وأنشد:
أم لا سبيل إلى الشّباب وذكرهأشهى إليّ من الرّحيق السّلسل
هذا من قصيدة لأبي كبير بالموحدة وهو عامر بن الحليس، بمهملة مصغر، وقيل ابن جمرة، بالجيم والراء، هذلي جاهلي. وقبله، وهو مطلعها:
أزهير هل عن شيبة من معدلأم لا سبيل إلى الشّباب الأوّل
أم لا سبيل إلى الشّباب وذكرهأشهى إليّ من الرّحيق السّلسل
وبعده:
ذهب الشّباب وفات منّي ما مضىونضا زهير كريهتي وتبطّلي
وصحوت عن ذكر الغواني وانتهىعمري وأنكرت الغداة تقتّلي
أزهير إن يشب القذال فإنّهرب هيضل لجب لففت بهيضل
ولقد سريت على الظّلام بمغشمجلد من الفتيان غير مهبّل
ممّن حملن به وهنّ عواقدحبك الثّياب فشبّ غير مثقّل
حملت به في ليلة مزؤودةكرها وعقد نطاقها لم يحلل
فأتت به حوش الفؤاد مبطّناسهدا إذا ما نام ليل الهوجل
ومبرّأ من كلّ غبّر حيضةوفساد مرضعة وداء مغيل
فإذا نبذت له الحصاة رأيتهينزو لوقعتها طمور الأجدل
وإذا يهبّ من المنام رأيتهكرتوب كعب السّاق ليس بزمّل
ما إن يمسّ الأرض إلّا منكبمنه وحرف السّاق طيّ المحمل
وإذا رميت به الفجاج رأيتهيهوى مخارمها هويّ الأجدل
وإذا نظرت إلى أسرّة وجههبرقت كبرق العارض المتهلّل
زهير: بالفتح، منادى مرخم، يريد زهيرة ابنته. والرحيق: السهل. وقيل:
الخمر. والسلسل: سلس الدخول في الحلق، وقيل البارد اللين. وقيل العذب.
وقال أبو نصر: واليّ، بمعنى عندي. وعلى ذلك أورده المصنف، وتعقبه ابن الدمامينيّ بأن معنى أشهى إليّ: أحب إليّ. وقد عرّف أن إلى المتعلقة مما يفهم حبا أو بغضا، من فعل تعجب، أو اسم تفضيل. معناها البيتين، فعلى هذا يكون في البيت (على) بأنها مبنية أن عليه مجرورها وليست قسما آخر. ونضا: ذهب. وكريهتي: شجاعتي وشدتي. وتبطلي كذلك. وصحوت: كففت. والغواني: الشواب، ويقال اللواتي
قد غنين بأزواجهن، الواحدة غانية. والتقتل: التضرّع لهن. والقذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس، وهو أبطأ الرأس شيبا. ورب: بضم الراء وفتح الباء مخففة، لغة في رب. وقد استشهد الفارسي بالبيت على ذلك، وقال: القياس إنه إذا حذف المدغم فيه يبقى المدغم على السكون، إلا أنه لما لحقه الحذف والتأنيث أشبه الأسماء فحرّك آخره كما حرّك الآخر من ضرب. والهيضلة: الجماعة يغزى بهم، والجمع هيضل. وقال أبو عمر: والهيضل الشديد. واللجب: الشديد الصوت.
يقول: لففتهم بأعدائهم في القتال. وعلى الظلام: أي في الظلام. قال السكري: أقام حرفا عن حرف. قال التبريزي: وموضعه نصب على الظرف أو الحال، أي وأنا على الظلام الضخم. وضمير حملن: للنسوة ولم يجر لهنّ ذكر. وقد أورد المصنف هذين البيتين في الكتاب الثامن، مستدلا على تضمين (حمل) معنى على ذي، عدي بالباء، ولولا ذلك لعدى بنفسه، مثل: (حملته أمّه كرها) استشهد به ابن مالك على إعمال إسم الفاعل مجموعا جمع تكسير، لأن حبك منصوب بقواعد.
والمغشم، بكسر الميم وسكون الغين وفتح الشين المعجمتين: الذي لا يتجأجأ عن شيء. الجلد: الصلب القوي. والمهبل: الضخم، الكثير اللحم راكب له. والحبك:
الخيط الذي يشدّ به الثياب. قال الأصمعي: كان النساء ينتطقن بخيط أوتكة.
وقال غيره: الحبكة: الحجزة، يقول إنها حملت به وإزارها عليها لم تخلعه، أي أنها لم تكن من نفسها، وكان يقال: إذا حملت المرأة وهي مذعورة فأذكرت، جاءت به
ما لا يطاق. وقيل: إنه يأتي شبه أبيه. وغير مثقل: أي حسن القبول محبب إلى القلوب.
ومزؤدة: ذات فزع من الزؤد، وهو الذعر، وهو بالخبر صفة ليلة مجازا، وبالنصب حال من ضمير حملت، ككرها، وبالرفع صفة أقيمت مقام الموصوف. وحوش الفؤاد:
بضم المهملة وآخره معجمة، حديد الفؤاد، كأنه وحشيّ من الذكاء والشهومة.
ونصبه على الحال. وقد أورده المصنف في الكتاب الرابع شاهدا على أن اضافة الوصف لا تفيد التعريف. ومبطّنا: خميص البطن ضامرا، حال أيضا. وسهدا:
بضمتين، لا ينام. والهوجل: الثقيل الكسلان، وقيل: الأحمق. والاسناد في (نام ليل الهوجل) مجازي، أي نام الهوجل فيه. ومبرّأ: يروى بالجرّ عطفا على جلد. وبالنصب عطفا على غبّر. وغبّر: بقية. وحيضة، بكسر الحاء، للحالة التي لم تحمل به في بقية الحيض، ولا حملت عليه في الرضاع، فيفسد رضاعه.
والمغيل: بوزن مكرم بالكسر، من الغيل، بفتح المعجمة وسكون التحتية، وهو أن
ترضعه وهي حامل. وينزو: يثب من النشاط. والأخيل طائر. ورتوب الكعب، بضم الراء والمثناة الفوقية آخره موحدة، انتصابه وقيامه. والزمّل، بضم الزاي وتشديد الميم: الضعيف النؤم. قوله (طيّ المحمل) نصب على المصدر، على حدّ له صوت صوت حمار. قال سيبويه: صار ما إن يمس الارض بمنزلة له
طي. والمحمل: حمالة السيف. والفجاج: الطرق. والمخارم: بالخاء المعجمة، منقطع أنف الجبل. والهويّ: السقوط. والأجدل: الصقر. وأسرّة وجهه:
الطرق التي في الوجه. والمتهلل: الذي يتهلل بالبرق، أي يضيء.
قال التبريزي: سبب قول أبي كبير هذه الأبيات أنه تزوّج أمّ تأبط شرّا، وكان غلاما صغيرا، فلما رآه يكثر الدخول على أمه تنكر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع، فقال أبو كبير لأمه: قد رابني أمر هذا الغلام، ولا آمنه، فلا أقربك، قالت: فاحتل عليه حتى تقتله، فقال له ذات يوم: هل لك أن نغزو؟
قال: امض، فخرجا غازيين ولا زاد معهما، فسارا ليلتهما ويومهما من الغد، حتى ظن أبو كبير أن الغلام قد جاع، فقصد به أبو كبير قوما كانوا له أعداء، فلما رأى نارهم من بعيد قال له أبو كبير: ويحك!! قد جعنا، فلو ذهبت إلى تلك النار فالتمست منها لنا شيئا، قال: ويحك!! وأيّ وقت جوع هذا؟ قال: أنا قد جعت فاطلب لي، فمضى تأبط شرا فوجد على النار رجلين من ألصّ ما يكون من العرب، وإنما أرسله أبو كبير إليهما على معرفة، فلما رأياه قد غشى نارهما وثبا عليه، وكرّ ساعيا، واتبعاه فلما كان أحدهما أقرب إليه من الآخر عطف عليه فرماه فقتله، ورجع إلى الآخر فقتله، ثم جاء إلى نارهما وأخذ الخبز منها وجاء به إلى أبى كبير، فقال: كل لا أشبع الله بطنك. ولم يأكل هو، فقال: أخبرني كيف كانت قصتك قال: وما سؤالك عن هذا؟ كل ودع المسئلة. فدخلت أبا كبير منه خيفة، وأهمته نفسه، ثم سأله بالصحبة إلّا حدّثه كيف عمل، فأخبره فازداد له خوفا، ثم مضيا في غزاتهما، وأصابا إبلا ومكث به أبو كبير ثلاث ليال يقول له كل ليلة:
اختر أيّ نصف الليلة شئت تحرس فيه وأنام، وتنام النصف الآخر وأحرس، فقال:
ذلك إليك اختر أيهما شئت، فكان أبو كبير ينام إلى نصف الليل ويحرسه تأبط شرا، فإذا نام تأبط شرا ينام أبو كبير أيضا لا يحرس شيئا، حتى استوفى الثلاث، فلما كان
في الليلة الرابعة ظن أبو كبير أن النعاس قد غلب على الغلام، فنام أوّل الليل إلى نصفه وحرسه تأبط شرا، فلما نام
الغلام ظن أنه قد استثقل نوما فأخذ حصاة فرمى بها، فقام الغلام كأنه كعب، فقال: ما هذه الوجبة؟ قال: لا أدري والله صوت سمعته في عرض الأبل، فقام يعسّ فلم ير شيئا، فعاد فنام، ففعل أبو كبير مثل ذلك ثانيا وثالثا فقام إليه تأبط شرا وقال له: يا هذا، قد رابني أمرك، والله لئن عدت أسمع شيئا من هذا إلا قتلتك، فقال أبو كبير: فبتّ والله أحرسه خوفا أن يتحرّك شيء من الأبل فيقتلني، فلما رجعا إلى حيهما قال أبو كبير: إن أم هذا لامرأة لا أقربها أبدا، فقال الأبيات.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل، والخطيب، وابن عساكر: بسند حسن عن عائشة، قالت: كنت قاعدة أغزل والنبي ﷺ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورا، فبهت، فقال: مالك بهت؟ قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم انك أحق بشعره حيث يقول:
ومبرّأ من كلّ غبّر حيضةوفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرّة وجههبرقت بروق العارض المتهلّل
فائدة: مطلع هذه القصيدة أورده ناظمها في عدة قصائد مغيرا منه الرويّ فقط، فقال أول قصيدة رائية:
أزهير هل عن شيبة من مقصرأم لا سبيل إلى الشّباب المدبر
فقد الشّباب أبوك إلّا ذكرهفاعجب لذلك ذكر دهر واهكر
الهكر: أشد العجب.
وقال أول أخرى فائية:
أزهير هل عن شيبة من مصرفأم لا خلود لباذل متكلّف
وقال أخرى ميممة:
أزهير هل عن شيبة من معكمأم لا خلود لباذل متكرّم
معكم: مرجع. وهذا يسمى في علم البديع التفصيل، بصاد مهملة.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع