تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [عبد الله بن رواحة]

عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، أبو محمد،

ويقال أبو رواحة، ويقال أبو عمرو شهد بدرا والعقبة. وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة مؤتة، واستشهد به سنة سبع. قاله ابن عساكر، وله رواية، روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار، ولم يدركه أحد منهم، فهو أحد من أسند من الصحابة الذين ماتوا في حياة النبيّ ﷺ.

أخرج ابن عساكر من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن رواحة قال:

نهي النبيّ ﷺ، أن يطرق الرجل أهله ليلا.

وأخرج من طريق عكرمة عن عبد الله بن رواحة قال: نهانا رسول الله ﷺ، أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب.

قال ابن سعد: عبد الله بن رواحة في الطبقة الأولى من أهل بدر، وليس له عقب، وهو خال النعمان بن بشير، وكان يكتب في الجاهلية، وكانت الكتابة في العرب قليلة، وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وعمرة القضاء، واستخلفه القضاء رسول الله ﷺ على المدينة حين خرج إلى بدر الصغرى، وبعثه سرية في ثلاثين راكبا الى أسير زارم اليهودي بخيبر فقتله. وبعثه الى خيبر خارصا فلم يزل يخرص عليهم الى أن قتل

بمؤتة. وقال أبو نعيم: روى عنه ابن عباس وأنس وأسامة.

وقال قتيبة: كان ابن رواحة أخا أبى الدرداء لأمه.

ومن مناقبه ما أخرجه ابن عساكر عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: نعم عبد الله بن رواحة.

وأخرج عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: رحم الله ابن رواحة، كان أينما أدركته الصلاة أناخ.

وأخرج عن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فأمرنا أن نصلي على ظهور رواحلنا ففعلنا، ونزل ابن رواحة فصلّى في الأرض، فسعى به رجل من القوم، فبعث إليه فقال: ليأتينكم وقد لقن حجته. فأتاه، فقال له: أمرت الناس أن يصلوا على ظهور رواحلهم، فنزلت وصلّيت في الأرض. فقال: يا رسول الله، لأنك تسعى في فك رقبة قد فكها الله، وأنا إنما نزلت لأسعى في رقبة لم تفك. فقال: ألم أقل لكم انه سيلقن حجته.

وأخرج ابن عساكر، بسند فيه الكريمي، عن حسن بن علي، قال: قال رسول الله، ﷺ، لعبد الله بن رواحة: ما الشعر؟ قال: شيء يختلج في صدر الرجل، فيخرجه على لسانه شعرا.

وأخرج عن هشام بن حسان قال: قال عبد الله بن رواحة للنبي ﷺ:

فثبّت الله ما أتاك من حسنكالمرسلين ونصرا كالّذي نصروا

فقال له النبي ﷺ: وإياك يا سيد الشعراء.

وأخرج عن محمد بن سيرين: كان شعراء أصحاب محمد ﷺ:

عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن مالك.

وأخرج أبو يعلي عن أنس قال: دخل النبيّ ﷺ

مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه وهو يقول:

خلّوا بني الكفّار عن سبيله،اليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيلهويذهل الخليل عن خليله
للشاعر عمار بن ياسر، اقرأ القصيدة

فقال عمر: يا ابن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟ فقال النبي ﷺ: خلّ عنه يا عمر، فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل.

وأخرج ابن عساكر عن عبد العزيز بن أخي الماجشون قال: بلغنا أنه كانت لعبد الله بن رواحة جارية يستسرّها سرّا عن أهله، فبصرت به امرأته يوما قد خلا بها، فقالت: لقد اخترت أمتك على حرّتك؟ فجاحدها ذلك. قالت: فإن كنت صادقا فاقرأ آية من القرآن، فقال:

شهدت بأنّ وعد الله حقّوأنّ النّار مثوى الكافرينا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

فقالت: زدني في آية أخرى. فقال:

وأنّ العرش فوق الماء طافوفوق العرش ربّ العالمينا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

فقالت: زدني آية أخرى، فقال:

وتحمله ملائكة كرامملائكة الإله مقرّبينا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

فقالت: آمنت بالله وكذّبت البصر. فأتى ابن رواحة رسول الله ﷺ فحدّثه، فضحك ولم يغير عليه.

وأخرج ابن عساكر عن عكرمة، مولى ابن عباس: أن عبد الله بن رواحة كان مضجعا الى جنب امرأته، فخرج الى الحجرة فواقع جارية له، فاستيقظت المرأة ولم تره، فخرجت، فإذا هو على بطن الجارية فرجعت، فأخذت الشفرة، فلقيها ومعها الشفرة فقال لها: مهيم مهيم، فقالت: مهيم، أما أني لو وجدتك حيث كنت لوجأتك بها: قال: وأين كنت؟ قالت: على بطن الجارية. قال: ما كنت؟ قالت: بلى، فإن رسول الله ﷺ نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، فقالت: اقرأه.

فقال:

أتانا رسول الله يتلو كتابهكما لاح مشهور من الصّبح ساطع
أتانا بالهدى بعد العمى فقلوبنابه موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشهإذا اشتعلت بالكافرين المضاجع
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

قالت: آمنت بالله وكذبت بصري. قال: فغدوت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فضحك حتى بدت نواجذه.

وأخرج ابن عساكر عن الهيثم بن عدي قال: ذكروا أن عبد الله بن رواحة ابتاع جارية، وكتم ذلك امرأته وقد بلغها، فقالت، له ذات يوم، وبلغها انه كان عندها:

إنه بلغني عنك أنك ابتعت جارية. فقال لها: ما فعلت. قالت: بلى، وقد بلغني أنك كنت عندها اليوم، ولا أحسبك إلّا جنبا، فإن كنت صادقا فاقرأ آيات من القرآن.

فقال:

شهدت بأنّ وعد الله حقّالأبيات

قالت: أما إذا قرأت القرآن فإني قد عرفت انه مكذوب عليك. قال: فافتقدته ذات ليلة فلم تجده على فراشها، فلم تزل تطلبه حتى رأته في ناحية الدار فقالت:

الآن صدقت ما بلغني، فجحدها. فقالت: إقرأ آيات من القرآن إن كنت صادقا، فقال:

وفينا رسول الله يتلو كتابهإدا انشقّ معروف من الصّبح ساطع
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

الأبيات ... فحدث رسول الله ﷺ بذلك فضحك حتى ردّ يده على فيه وقال: هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله لك يا ابن رواحة، ان خياركم خيركم لنسائه، فأخبرني ما الذي ردّت عليك حيث قلت ما قلت، قال:

قالت لي: أما اذا قرأت القرآن فإني أتهم ظني، وأصدقك. فقال رسول الله ﷺ: لقد وجدتها ذات فقه في الدين.

وأخرج ... عن أبي هريرة أنه قال في قصصه، وهو يذكر رسول الله ﷺ: ان أخا لكم لا يقول الرفث، يعني بذلك عبد الله بن رواحة، حيث يقول:

وفينا رسول الله يتلو كتابهالأبيات

وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن عروة، قالت لما نزلت: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله اني منهم. فأنزل الله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...) حتى ختم الآية.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة، فقال لها: تدرين لم تزوجتك؟ لتخبريني عن صنيع عبد الله بن رواحة في بيته. فقالت: كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل داره صلى ركعتين، لا يدع ذلك أبدا.

وأخرج البيهقي في الدلائل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنّ عبد الله بن رواحة أتى النبيّ ﷺ، ذات يوم وهو يخطب، فسمعه يقول:

اجلسوا. فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ النبيّ ﷺ من خطبته. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، عن هشام بن عروة عن أبيه. قال:

ما سمعت بأحد أجرأ ولا أسرع شعرا من عبد الله بن رواحة يوم يقول له رسول الله ﷺ: قل شعرا تقتضيه الساعة وأنا أنظر اليك، ثم أبدّه بصره، فانبعث عبد الله بن رواحة يقول:

إنّي تفرّست فيك الخير أعرفهوالله يعلم ما إن خانني بصر
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة
أنت النّبيّ ومن يحرم شفاعتهيوم الحساب فقد أرزى به القدر
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة
فثبّت الله ما أتاك من حسنكالمرسلين، ونصرا كالّذي نصروا

فقال رسول الله ﷺ: وأنت فثبتك الله.

قال هشام بن عروة: فثبته الله أحسن ثبات، فقتل شهيدا، وفتحت له الجنة فدخلها.

وأنشد:

ألا إنّ قرطا على آلةألا إنّني كيده ما أكيد

هذا للأخرم السنبسي، وبعده:

بعيد الولاء بعيد المحلمن ينأ عنك فذاك السّعيد
وعز المحل لنا بائنبناه الإله ومجد تليد
ومأثرة المجد كانت لناوأورثناها أبونا لبيد

قرط: رجل من سنبس، والآلة: الحالة، ولا يقال بغيرها. و (ما) زائدة، لا نافية، لأن (ما) خبرها لا يعمل فيما قبلها، ولا موصولة ولا مصدرية، لئلا يتقدم الصلة على الموصول. والمعنى: اني أكيد كيده كما يكيدني لأكون خيرا منه.

وبعيد الولاء: خبر هو مقدر. وقوله: (من ينأ عنك) على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وبائن: ظاهر. وبناه: خبر ثان، أو حال من ضمير بائن. ومجد:

عطف على فاعل بناه، أو مستأنف، أو لنا مجد تليد. والمآثر: المكارم، لأنها تؤثر، أي تروى وتنقل.

وأنشد:

آليت حبّ العراق أطعمه

هو للمتلمّس، وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسنده عن عمر بن شبّة قال:

كان طرفة بن العبد وخاله المتلمّس وفدا على عمرو بن هند، فنزلا منه خاصة ونادماه، ثم أنهما هجواه بعد ذلك، فكتب لهما كتابين إلى البحرين وقال لهما: إني قد كتبت لكما بصلة، فأشخصا لتقبضاها. فخرجا من عنده، والكتابان في أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق منكشفا يقضي حاجته، وهو مع ذلك يأكل ويتفلى، فقال أحدهما لصاحبه: هل رأيت أعجب من هذا الشيخ؟ فسمع الشيخ مقالته فقال:

ما ترى من عجبي؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوّا، وانّ أعجب منّي لمن يحمل حتفه بيده وهو لا يدري. فأوجس المتلمس في نفسه خيفة وارتاب بكتابه.

ولقيه غلام من الحيرة فقال: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففض خاتم كتابه ودفعه الى الغلام فقرأه عليه، فإذا فيه: اذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه واصلبه حيّا.

فأقبل على طرفة فقال: تعلم والله، لقد كتب فيك بمثل هذا. فلم يلتفت الى قول المتلمس، وألقى المتلمس كتابه في نهر الحيرة وقال:

من مبلغ الشّعراء عن أخويهمأمّا فيصدقهم بذاك الأنفس
أودى الّذي علق الصّحيفة منهماونجا، حذار حبائه المتلمّس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «من مبلغ الشعراء عن أخويهم»
أطريفة بن العبد إنّك حائنأبساحة الملك الهمام تمرّس
ألق الصّحيفة، لا أبالك، إنّهيخشى عليك من الحباء النّقرس

ومضى طرفة بكتابه إلى صاحب البحرين فقتله، فقال المتلمس:

عصاني، فما لاقى رشادا وإنّمايبين من الأمر الغويّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلةيمجّ نجيع الجوف منه ترائبه
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «عصاني فما لاقى الرشاد وإنما»

وهرب المتلمس فلحق بالشام، وقال يهجو عمرو بن هند:

إنّ العراق وأهله كانوا الهوىفإذا نبا بي أهله فليبعد
فلتركبن منهم بليل يا فتىتدع السّماك وتهتدي بالفرقد
لبلاد قوم لا يرام هديّهموهديّ قوم آخرين هو الرّدي
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «إن الحبيبة حبها لم ينفد»
كطريفة بن العبد كان هديّهمضربوا صميم قذاله بمهنّد
إنّ الخيانة والمغالة والخناوالغدر اتركه ببلدة مفسد
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «إن الحبيبة حبها لم ينفد»
ملكا يلاعب أمّه وقطينهارخو المفاصل أيره كالمرود
بالباب يرصد كلّ طالب حاجةفإذا خلا فإلمرء غير مسدّد

فبلغ شعره عمرا فآلى إن وجده بالعراق ليقتله، فقال المتلمس:

آليت حبّ العراق الدّهر أطعمهوالحبّ يأكله في القرية السّوس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»
لم تدر بصرى بما آليت من قسمولا دمشق إذا ديس الكداديس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»
يال بكر ألا لله أمّكمطال الثّواء وثوب العجز ملبوس
أغنيت شأني فأغنوا اليوم شأنكمواستحمقوا في مراس القوم أو كيسوا
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»
شدّوا الرّحال على بزل مخيّسةوالضّيم ينكره القوم المكاييس
وأخرجأن النبي ﷺ كتب لعيينة بن حصن كتابا، فقال:

يا محمد، أتراني حاملا الى قومي كتابا كصحيفة المتلمّس. قال الخطابي: يقول:

لا أحمل الى قومي كتابا لا علم لي بما فيه.

وقال الفرزدق:

يا مرو، إنّ مطيّتي محبوسةترجو الحباء وربّها لم ييأس
وحبوتني بصحيفة مختومةيخشى عليّ بها حباء النّقرس
ألق الصّحيفة يا فرزدق لا تكننكداء مثل صحيفة المتلمّس

قوله: آليت، أي حلفت على حبّ العراق لا آكله، مع أن الحب متيسر، فحذف الجار ونصب، وهو محل الاستشهاد. والسوس: قمل القمح ونحوه. قال الكسائي:

ساس الطعام يساس، وأساس يسيس سوسا، بالفتح، والاسم بالضم. قال العيني:

وقد اختلف في قوله: آليت، هل بضم التاء أو بفتحها، فكلام العسكري يقتضي أنه بالضم، وكذا الرواية السابقة. وقال: وصرح غيره من العلماء بالشعر واللغة بأنه بالفتح، وكذا ضبطوه في كتاب سيبويه، وقالوا: انه يخاطب بذلك عمرو بن هند، لأنه لما هجاه، حلف عمرو أنه لا يطعم المتلمس بعدها حبّ العراق، أي انه لا يقدر بعدها على المقام بالعراق، فلا سبيل له الى أكل حبها. فقال المتلمس ذلك. أي حلفت يا عمرو، لا تتركني بالعراق والطعام لا يبقى وان استبقيته، بل يسرع إليه الفساد ويأكله السوس، فالبخل به قبيح. وقوله: (لم تدر بصري ... البيت) أي لم تعلم بصرى أنك حلفت، فأنا آكل من طعامها، وكذلك دمشق، فانا أكون في موضع لا أمر لك فيه، فلا أخافك على نفسي، وأنا في خصب وخير. والدهر: نصب على الظرف، وأطعمه على حذف (لا) النافية، أي لا أطعمه. وبصرى، بضم الموحدة، مدينة بالشام. والكداديس: أكداس الطعام، ولا واحد لها من لفظها، قاله النحاس.

وقال الجوهري: واحدها كدس بالضم.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.