تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [الخنساء بنت عمرو]

الخنساء بنت عمرو بن الشّريد بن رياح بن ثعلبة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم السلمية، الشاعرة الصحابية، اسمها تماضر، وخنساء لقب، وهي أم العباس بن مرداس السلمى الصحابي.

قال ابن عبد البر: قدمت على رسول الله ﷺ مع قومها فأسلمت. وذكر أنه ﷺ كان يستنشدها ويعجبه شعرها، ويقول:

هيه يا خناس.

وأجمع أهل العلم بالشعر على أنه لم يكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها.

وكان أول أمرها تقول البيتين والثلاثة حتى قتل أخوها معاوية ثم أخوها صخر فأكثرت من الشعر وأجادت، انتهى.

وقال أبو تمام: الخنساء هي المقدمة من النساء في الشعر. وكان بشار يقول:

ليس لشعر النساء من المتانة ما للرجال، قيل له: وكذلك تقول في الخنساء؟ قال:

أما الخنساء فكان لها سبع خصيّ. وفي الاستيعاب: حضرت الخنساء حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم، من أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وو الله الذي لا إله الا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما انكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، وقد تعلمون ما أعدّ

الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، فإذا أصبحتم فاغدوا الى قتال عدوّكم مستنصرين بالله، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام حميسها، فغدا بنوها للقتال فقتلوا عن آخرهم. فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.

وكان عمر بن الخطاب يعطي الخنساء أرزاق أولادها الاربعة حتى توفى، انتهى.

قلت: رأيته مسندا في الموفقيات للزبير بن بكار بأبسط من ذلك.

ومن قول الخنساء ترثي أخاها:

ألا يا صخر إن أبكيت عينيلقد أضحكتني دهرا طويلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»
بكيتك في نساء معولاتوكنت أحقّ من أبدى العويلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»
دفعت بك الجليل وأنت حيّفمن ذا يدفع الخطب الجليلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»
إذا قبح البكاء على قتيلرأيت بكاءك الحسن الجميلا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا يا صخر إن أبكيت عيني»

وفي الأغاني عن عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن الخنساء سوّمت هودجها براية في الموسم، وعاظمت العرب بمصيبتها، بابنها عمرو وبأخويها صخر ومعاوية، وجعلت تشهد الموسم وتبكيهم، وأن العرب قد عرفت لها بعض ذلك، وأن هند ابنة عتبة لما قتل ببدر أبوها وعمها شيبة وأخوها الوليد فعلت كذلك وقالت: أقرنوا جملي بجمل الخنساء. فصارا يبكيان ويتناشدان.

ورأيت في مناقب الشبان، قال روي الأصمعي: ان النابغة كان تضرب له قبّة بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض أشعارها عليه، فأتاه الأعشى فأنشده، ثم أتاه حسان فأنشده:

لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»
ولدنا بني العنقاء وابني محرّقفأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

فقال له النابغة: لولا أن أبا بصير، يعني الأعشى، أنشدني لقلت أنك أشعر الجن والأنس، فقال حسان: أنا والله أشعر منك ومن أبيك ومنها؟ فقال له النابغة:

يا بني، إنك لا تحسن أن تقول:

فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركيوإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

قال: ويروى أن النابغة قال له: أقللت أسيافك ولمعت جفانك، يريد قوله:

الغر. والغرّة: البياض في الجبهة، ولو قال البيض، فجعلها بيضا كان أحسن،

إلا أن الغرّ أجل لفظا. ويقال: فرس أغرّ: قلّ البياض فيه أو كثر. وذكر ابن قتيبة: أن النابغة قال له: إنك شاعر، إلا أنك قلت: (جفنات وأسياف ويقطرن) ولم تقل (جفان وسيوف ويجرين) وقلت (يلمعن بالضحى) ولو قلت (يبرقن في الدجى) كان أمدح، لأن الضيف بالليل أكثر. وقلت (الغرّ) ولم تقل (البيض) والغرة يسيرة. وقلت (يلمعن) ولم تقل (يشرقن). ورأيت في شرح ديوان الأعشى أن الخنساء هي التي نقدت عليه ذلك. قال الآمدي: لما أجمعت العرب على فضل النابغة الذبياني وسألته أن يضرب قبة بعكاظ فيقضي بين الناس في أشعارهم لبصره بمعاني الشعر، فضرب القبة وأتته وفود الشعراء من كل أوب، فكان يستجيد الجيد من أشعارهم، ويرذل، فيكون قوله مسموعا فيهما جميعا ومأخوذا به. فكان فيمن دخل عليه الأعشى وحسان بن ثابت والخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، فأنشده الأعشى قصيدته:

ما بكاء الكبير بالأطلال

فقال: أحسنت وأجدت. ثم أنشده حسان قصيدته:

ألم تسأل الرّبع الجديد التّكلّما

فقال: إنك لشاعر، ثم أنشدته الخنساء قولها:

قذى بعينيك أم بالعين عوّار

فاقبل عليها كالمستجيد لقولها، فلما فرغت من إنشادها قال: أنت أشعر ذات مثانة: فقالت: وذي خصية أبا امامة، فقال: وذي خصية. فغضب حسان، وقال: أنا أشعر منك ومنها. فقال: ليس الأمر كما ظننت، ثم التفت الى الخنساء

فقال: يا خناس، خاطبيه! فالتفتت إليه فقالت: ما أجود بيت في قصيدتك هذه فقال: قولي:

لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

فقالت: ضعفت افتخارك، وأنزرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا، قال:

وكيف؟ قالت: قلت: لنا الجفنات، والجفنات مادون العشر، ولو قلت: البيض، لكان أكثر اتساعا. وقلت: يلمع، واللمع شيء يأتي بعد شيء، ولو قلت:

يشرقن لكان أكثر، لأن الاشراق أدوم من اللمعان. وقلت: بالضحى، ولو قلت: بالدجى، لكان أكثر طراقا. وقلت: وأسيافنا، والأسياف ما دون العشرة، ولو قلت: سيوفنا، كان أكثر. وقلت: يقطرن، ولو قلت: يسلن لكان أكثر.

وقلت: من نجدة، والنجدات أكثر من نجدة. وقلت: دما، والدماء أكثر من الدم.

فلم يجب حسان جوابا. وحكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه طعن في صحة هذه الحكاية. وكذا نقل أبو حيان في شرح التسهيل، وقال ابن يسعون مجيبا عن حسان: الجمع في الجفنات نظير قوله تعالى (وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ)، وأما الغر، فليس بجمع غرة، بل جمع غراء، وهي البيض المشرقات من كثرة الشحوم وبياض اللحوم.

وقوله: يلمعن، هو المستعمل في هذا النحو، يقال لمع السراب ولمع البرق. وقوله:

في الضحى، لأنه أراد أن طعامهم موصول، وقراهم في كل وقت مبذول. وقد وصف قبل هذا قراهم بالليل حيث قال:

وإنّا لنقري الضّيف إن جاء طارقامن اللّحم ما أضحى صحيحا مسلّما
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «ألم تسأل الربع الجديد التكلما»

وأما قوله: يقطرن، فهو المستعمل في مثل هذا، يقال: سيفه يقطر دما. ولم تجر العادة بأن يقال: سيفه يسيل دما، أو يجري دما، مع أن يقطرن أمدح، لأنه

يدل على مضاء السيف وسرعة خروجه عن الضريبة، حتى لا يكاد يعلق به دم.

وفي الأغاني بسنده عن حسان بن ثابت قال: جئت نابغة بني ذبيان، فوجدت الخنساء حين قلبت من عنده، فأنشدته، فقال لي: إنك لشاعر، وإن أخت بني سليم لبكاءة.

وأخرج في الأغاني عن المفضل الضبي قال: سألني المهدي عن أفخر بيت قالته العرب، قلت: بيت الخنساء:

وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة بهكأنّه علم في رأسه نار
للشاعر الخنساء، من قصيدة «قذى بعينك أم بالعين عوار»

وأنشد:

نحن الألى فاجمع جموعكثمّ وجّههم إلينا

هو من قصيدة لعبيد بن الأبرص يخاطب بها امرأ القيس بن حجر، أوّلها:

يا ذا المخوّفنا بقتل أبيه إذلالا وحينا
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا ذا المخوفنا بقت»
أزعمت أنّك قد قتلت سراتنا كذبا ومينا
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا ذا المخوفنا بقت»
لولا على حجر ابن أمّقطام تبكي لا علينا
إنّا إذا عضّ الثّقاف برأس صعدتنا لوينا
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا ذا المخوفنا بقت»
نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا ذا المخوفنا بقت»
هلّا سألت جموع كندة إذ تولّوا: أين أينا!

ومنها:

لا يبلغ الباني ولورفع الدّعائم ما بنينا
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا ذا المخوفنا بقت»
كم من رئيس قد قتلناه وضيم قد أبينا
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا ذا المخوفنا بقت»

وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن أبي عبيدة قال: قتلت بنو أسد حجر بن عمرو، واجتمعوا إلى ابنه امرئ القيس على أن يعطوه ألف بعير دية أبيه. أو يقيدونه من أي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولا، فقال: أما الدّية فما ظننت انكم تعرضونها على مثلي، وأما القود فلو قيد لي ألف من بني أسد ما رضيت ولا رأيتهم كفؤا لحجر، وأما النظرة فلكم، ثم إنكم ستعرفوني في فرسان قحطان، أحكّم فيكم ظبى السيوف وشبا الأسنّة، حتى أشفي نفسي، وأنال ثاري. فقال عبيد في ذلك هذه القصيدة.

قوله: يا ذا المخوّفنا، استشهد به على إضافة الوصف المعرّف بأل الى الضمير، وقوله: حينا: أي هلاكا. والسراة: بفتح المهملتين، جمع سرى، وهو جمع عزيز، أن يجمع فعيل على فعلة، ولا يعرف غيره. وسراة القوم: أكابرهم وساداتهم. والمين: الكذب. والثقاف: بكسر المثلثة وتخفيف القاف وفاء، ما يسوي الرماح. والصعدة: بفتح الصاد وسكون العين وفتح الدال المهملات، القناة المستوية، تنبت كذلك لا تحتاج الى تثقيف. ولوينا: من لوي الرجل رأسه، أمال وأعرض. والحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه، يقال: فلان عامي الحقيقة.

وقوله (بين بينا) وقد أورد المصنف هذا البيت في شرح الشذور شاهدا على تركيب الظروف وبنائها. وقوله (ونحن الأولى) مبتدأ وخبر، والأولى بمعنى الذين، والصلة محذوفة لدلالة ما بعده عليه، أي نحن الذين جمعنا جموعنا، فأجمع أنت جموعك. وقال أبو عبيد: الذين، هنا، لا صلة لها. وقال بعضهم: تقديره، نحن

الأولى عرفوا بالشجاعة. وقد استشهد بالبيت على استعمال الأولى بمعنى الذين، وعلى حذف الصلة.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.