من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [أبرع بيت قالته العرب]
قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: أبرع بيت قالته العرب قول أبو ذؤيب:
والنّفس راغبة إذا رغّبتهاوإذا تردّ إلى قليل تقنع
وأحسن ما قيل في الاستعفاف قول عبيد بن الأبرص:
من يسأل النّاس يحرموهوسائل الله لا يخيب
وأحسن ما قيل في حفظ المال قول المتلمس:
قليل المال تصلحه فيبقىولا يبقى الكثير مع الفساد
وأحسن ما قيل في الكبر قول الآخر:
أرى بصري قد رابني بعد صحّةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وأحسن المراثي ابتداء قول أوس بن حجر:
أيّتها النّفس أجملي جزعاإنّ الّذي تحذرين قد وقعا
وأرثى بيت قول عبدة:
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
وأمدح بيت قالته العرب قول الآخر:
تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الّذي أنت سائله
وأحسن ما قيل في الصبر قول أبي ذؤيب:
وتجلّدي للشّامتين أريهمأنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
حتّى كأنّي للحوادث مروةبلوى المشقّر كلّ يوم تقرع
وأفخر ما قيل قول امرئ القيس:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّلوقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
وأصدق ما قالته العرب قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والنّاس
والأم ما قالته العرب قول الآخر:
تلقي بكلّ بلاد إن أقمت بهاأهلا بأهل وجيرانا بجيران
وأحسن ما قيل في وصف امرأة عجزاء خميصة قول أبي وجزة السعدي:
أدماء في وضح يكاد رداؤهايعرى ويصنع ما أحبّ إزارها
وأجود بيت قيل في الغيث، قول الهذلي:
لتلقحه ريح الجنوب وتقبل الشّمال نتاجا والصّبا حالبة تمري
وأخنث بيت قالته العرب قول الأعشى:
قالت هريرة لمّا جئت زائرهاويلي عليك وويلي منك يا رجل
وفي البيان للجاحظ: قال أبو عمرو بن العلاء: اجتمع ثلاثة من الرواة، فقال لهم قائل: أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز؟ فقال أحدهم: قول حميد بن ثور الهلاليّ.
وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال الثاني: بل قول أبي خراش الهذلي.
نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
وقال الثالث: بل قول أبي ذؤيب:
وإذا تردّ إلى قليل تقنع
فرد عليه أن الشطر نصف بيت مستغن بنفسه، ونصف أبي ذؤيب لا يستغني بنفسه، لأن السامع لا يفهم معناه حتى يسمع النصف الأول، وإلا فيقول من هذه التي تردّ الى قليل فتقنع؟ والصواب أن يقال قوله:
والدّهر ليس بمعتب من يجزع
وأخرج ابن عساكر عن أبي الحسن المدائني قال: قال الحجاج لابن القرية:
اخبرني بأصدق بيت قاله شاعر؟ قال:
وما حملت من ناقة فوق رحلهاأبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
قال: فاخبرني باشكل بيت؟ قال:
حبّذا رجعها يديها إليهافي يدي درعها تحلّ الإزارا
قال: فأخبرني بأسير بيت؟ قال:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن لقيط: قال قتيبة بن مسلم لأعرابيّ من غنيّ: أيّ بيت قالته العرب أعف؟ قال: قول طفيل الغنوي:
ولا أكون كالزّاد أحبسهلقد علمت بأنّ الزّاد مأكول
قال: فأيّ بيت قالته العرب في الحرب أجود؟ قال قول الطفيل:
يجيء إذا قيل اركبوا لم يقل لهمعواوير يخشون الرّدى أين نركب
قال: فأيّ بيت قالته العرب في الصبر أجود؟ قال: قول نافع بن خليفة (الغنوي):
ومن خير ما فينا من الأمر أنّنامتى ما نواف موطن الصّبر نصبر
وأنشد:
إذا باهليّ تحته حنظليّةله ولد منها فذاك المذرّع
وهو من قصيدة للفرزدق، وفيه: تقدير كان بعد إذا، لأنها لا يليها إلا الجملة الفعلية. والباهليّ: نسبة إلى باهلة، قبيلة من قيس بن عيلان. والحنظلية: نسبة إلى حنظلة، وهي أكرم قبيلة في تميم. وجملة: (له ولد) صفة له ويجوز أن تكون حالية، وفذاك جواب إذا. والمذرّع بضم الميم وفتح الذال المعجمة وتشديد الراء وعين مهملة، الذي أمه أشرف من أبيه، سمى مذرّعا من الرقتين في ذراع البغل،
وإنما صار باقية من قبل الحمار. وكثر في أشعار العرب ذم الانتساب إلى باهلة، فقال رجل من عبد قيس:
ولو قيل للكلب يا باهليّعوى الكلب من لؤم هذا النّسب
وقال آخر:
فما سأل الله عبد لهفخاب ولو كان من باهله
وأنشد:
استغن ما أغناك ربّك بالغنىوإذا تصبك خصاصة فتجمّل
هذا من قصيدة لعبد قيس بن خفاف بن عمرو بن حنظلة، من البراجم، إسلامي. وكلها حكم ووصايا، وهي بضعة عشر بيتا، فلنذكرها جميعا، قال
يوصي ابنه:
أجبيل إنّ أباك كارب يومهفإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصحطبن بريب الدّهر غير مغفّل
الله فاتّقه وأوف بنذرهفإذا حلفت مماريا فتحلّل
والضّيف أكرمه فإنّ مبيتهحقّ، ولا تك لعنة للنّزّل
واعلم بأنّ الضّيف مخبر أهلهبمبيت ليلته وإن لم يسأل
ودع القوارص للصّديق وغيرهكيلا يروك من اللّئام العذّل
وصل المواصل ما صفا لك ودّهواحذر حبال الخائن المتبدّل
واترك محلّ السّوء لا تحلل بهوإذا نبا بك منزل فتحوّل
دار الهوان لمن رآها دارهأفراحل عنها كمن لم يرحل
وإذا هممت بأمر شرّ فاتّئدوإذا هممت بأمر خير فافعل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشّعاترجو الفواضل عند غير المفضل
وإذا رأيت القوم فاضرب فيهمحتّى يروك طلاء أجرب مهمل
واستغن ما أغناك ربّك بالغنىوإذا تصبك خصاصة فتجمّل
واستأن حلمك في أمورك كلّهاوإذا عزمت على الهوى فتوكّل
وإذا تشاجر في فؤادك مرّةأمران فاعمد للأعزّ الأجمل
وإذا لقيت الباهشين إلى النّدىغبرا أكفّهم بقاع ممحل
فأعنهم وايسر بما يسروا بهوإذا هم نزلوا بضنك فانزل
ورأيت في تاريخ ابن عساكر بسنده هذه الأبيات إلى حارثة بن بدر الغداني التميمي، وأورد الشاهد بلفظ: وإذا تكون خاصة؛ ولا شاهد فيه على هذا.
وحارثة هذا يكنى أبا العبهسي أدرك عليا.
قال الحاكم: وذكره بعضهم في الصحابة، وتوفي بنيسابور، وقيل مات غريقا بالأهواز في ولاية المهلب.
قوله: أجبيل، يروى بدله: أبني. وكارب يومه: يريد دنو أجله، من كرب الشيء يكرب دنى وقرب. وطبن: بفتح الطاء المهملة وكسر الموحدة ونون، حاذق، يقال: رجل طبن تبن: إذا كان عاقلا بصيرا. ولعنة: بضم اللام وسكون العين، يلعنه الناس. وبفتح العين، يلعن هو الناس. والنزل: جمع نازل.
والقوارص: بقاف ومهملة، المثالب. ونبا: ارتفع. واتئد: تأنّ ولا تستعجل.
ومهمل: متروك. والخصاصة: الحاجة والشدة. واستأن: من الأناة.
والباهش: الفرح الطالب العطاء. والقاع: الصلب. وممحل: مجدب. وأيسر:
أسرع إجابتهم. والضنك: الضيق، أي أعنهم في ضيقهم.
والبيت الأول استشهد به المصنف في التوضيح على استعمال اسم الفاعل من كرب.
وأنشد:
وبعد غد، يا لهف نفسي من غد،إذا راح أصحابي ولست برائح
عزاه جماعة إلى هدبة بن خشرم، وعزاه صاحب الحماسة إلى أبي الطّمحان شرقي بن حنظلة القينيّ من مخضرميّ الجاهلية والاسلام، ترب الزّبير ابن عبد المطلب ولهدبة روى المبرد في الكامل. وأبو الفرج في الأغاني، وابن عساكر في تاريخه، من طرق، عن محمد بن سليمان النّوفلي والأصمعي وغيرهما، دخل حديث بعضهم في بعض: أن زيادة بن زيد العذريّ قال في فاطمة أخت هدبة بن خشرم:
عوجي علينا واربعي يا فاطماأما ترين الدّمع منّي ساجما
فقال هدبة بن خشرم في أم قاسم، أخت زيادة:
متى تقول: القلص الرّواسمايحملن أمّ قاسم وقاسما
فبيّت زيادة هدبة فضربه على ساعده وشجّ أباه خشرما، وقال:
شججنا خشرما في الرّأس عشراووقّفنا هديبة إذ أتانا
فبيّت هدبة زيادة فقتله، فرفع إلى سعيد بن العاصي، وكان أمير المدينة، رفعه عبد الرحمن، أخو زيادة، فكره سعيد الحكم بينهما فأرسلهما إلى معاوية، فلما صارا بين يديه، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك مظلمتي وقتل أخي! فقال معاوية: يا هدبة، قل. قال: إن شئت أن أقصّ عليك كلاما أو شعرا؟
قال: لا بل شعر. فقال ارتجالا:
ألا يا لقومي للنّوائب والدّهروللمرء يردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تلمّأتعليه فوارته بلمّاعة قفر
فلا ذا جلال هبنه لجلالهولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر
الى أن قال:
فلمّا رأيت أنّما هي ضربةمن السّيف أو إغضاء عين على وتر
عمدت لأمر لا يعيّر والديخرايته ولا يسبّ به قبري
رمينا فرامينا فصادف سهمنامنيّة نفس في كتاب وفي قدر
وأنت أمير المؤمنين فما لناوراءك من معد ولا عنك من قصر
فإن تك في أموالنا لا نضق بهاذراعا وإن صبر فنصبر للصّبر
فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هدبة! فقال له عبد الرحمن: أقدني، فكره ذلك معاوية وضنّ بهدبة عن القتل، فقال: ألزيادة ولد؟ قال: نعم. قال:
أصغير أم كبير؟ قال: بل صغير. قال: يحبس هدبة إلى أن يبلغ ابن زيادة. فارسله إلى المدينة فحبس بها سبع سنين، وقيل ثلاث سنين، فلما بلغ ابن زيادة عرض عليه عشر ديات فأبى إلّا القود، وكان ممن عرض عليه الديات: الحسين بن علي
ابن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم. ولما دنى قتله قال:
عسى الكرب الّذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عانويأتي أهله النّائي الغريب
ولما ذهب به إلى الحرة ليقتل، لقيه عبد الرحمن بن حسان فقال له: أنشدني؟
فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدّهر سرّنيولا جازع من صرفه المتقلّب
ولا أتبغّى الشّرّ والشّرّ تاركيولكن متى أحمل على الشّرّ أركب
وحرّ بني مولاي حتّى خشيتهمتى يحرّبك ابن عمّك تحرب
ولما جئ به ليقتل قال:
ألا علّلاني قبل نوح النّوائحوقبل ارتقاء النّفس فوق الجوانح
وقبل غد، يا لهف نفسي من غد،إذا راح أصحابي ولست برائح
إذا راح أصحابي تفيض عيونهموغودرت في لحد عليّ صفائح
يقولون: هل أصلحتم لأخيكم؟وما القبر في الأرض الفضاء بصالح
ونظر الى امرأته فقال، وكان أنفه جدع في حرب:
فإن يك أنفي بان منه جمالهفما حسبي في الصّالحين بأجدعا
أقلّي عليّ اللّوم يا أمّ بوزعاولا تجزعي ممّا أصاب فأوجعا
ولا تنكحي إن فرّق الدّهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
ضروبا بلحييه على عظم زورهإذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
فسألت القوم أن يمهلوه قليلا، ثم أتت جزارا فأخذت منه مدية فجدعت أنفها، ثم أتته مجدوعة الأنف، فقالت: أهذا فعل من له في الرجال حاجة؟ فقال: الآن طاب الموت. ثم التفت إلى أبويه وهما يبكيان فقال:
أبلياني اليوم صبرا منكماإنّ حزنا منكما اليوم يسرّ
ما أظنّ الموت إلّا هيّناإنّ بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإنّي صابركلّ حيّ لفناء وقدر
ثم قال:
أذا العرش إنّي عائذ بك مؤمنمقرّ بزلّاتي إليك فقير
وإنّي وإن قالوا أمير مسلّطوحجّاب أبواب لهنّ صرير
لأعلم أنّ الأمر أمرك إن تدنفربّ وإن تغفر فأنت غفور
ثم أقبل على ابن زيادة فقال: أثبت قدميك، وأجد الضربة، فإني أيتمتك صغيرا، وأرملت أمّك شابّة! وسأل فكّ قيوده، ففكت فذاك حيث يقول:
فإن تقتلوني في الحديد فإنّنيقتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد
ثم ضربت عنقه. قال ابن دريدة هو أول من أقيد بالحجاز.
وأخرج الدارقطني وابن عساكر عن ابن المنكدر أن هدبة العذري أصاب دما فأرسل إلى أم سلمة، زوج النبي ﷺ، أن استغفري لي. فقالت:
إن قتل استغفرت له. قال ابن عساكر: وهو هدبة، بضم الهاء وسكون الدال المهملة، ابن خشرم، بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين، ابن كرز بن أبي حيّة، بالمهملة والتحتية المشددة، ابن الكاهن، وهو سلمة بن الاشحم. شاعر فصيح متقدم من شعراء بادية الحجاز، روي عن الحطيئة، و روي عنه جميل بن عبد الله العذري. قال الدارقطني: وهو ابن عم زيادة الذي قتله.
قوله: (متى تقول) استشهد به النحاة عن إجراء القول مجرى الظن، في نصب المفعولين بعد الاستفهام. والقلص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. والرواسم:
جمع راسمة، من رسمت، بالفتح، إذا سارت فوق الزميل. ووقفتا: من التوقيف، وهو سواد وبياض يكون في اليدين والرجلين. وفي (يردي ويدري): جناس مقلوب. وتلمأت عليه الأرض: وارته. وذا جلال: نصب بمضمر على شريطة التفسير وقوله: (فإن تك في أموالنا ... البيت) أورده المصنف في (ما) مستشهدا به على حذف فعل الشرط، أي وإن تصبر صبرا. وضمير (تك) للدية لأنها معلومة.
والصبر: الحبس. وروى: (وأن العقل في أموالنا ..). وقوله: (عسى الكرب ...
البيت) أورده المصنف في (عسى) شاهدا لوقوع خبرها مضارعا مجرّدا. والعاني:
بمهملة، الأسير. والنائي: البعيد. قوله (ولا تنكحي ... البيت) قال المبرد: لم يأمرها أن تتزوج الأنزع القليل شعر القفا، وانما أذكرها جمال نفسه ليزهذها في غيره. والغمم: أن يسيل الشعر حتى يضيق الجبهة أو القفا. والأنزع: الذي انحسر
الشعر من جانبي جبهته. قيل: ولا يوصف به إلا الكريم. قوله: (قبل نوح النوائح) يروى: (قبل صدح النوائح) والصدح: شدة صوت الديك أو الغراب وغيرهما. والجوانح: ضلوح الصدر، وارتقاء النفس فوقها، كما يقال: بلغت نفسه التراقي. قوله: (وبعد غد) الذي في الحماسة وفي الروايات السابقة بأسانيدها:
وقبل غد. وقوله: (من غد) يروي بدله: (على غد). وقوله: (إذا راح ..) قال التبريزي: يجوز كونه بدلا من غد على رأي المبرد، من جواز وقوعها في موضع جر، وكونه بدلا من موضع، فيكون في موضع نصب لأن محله نصب على المفعول، مما دل عليه قوله: يا لهف نفسي، أي أتلهف من غد، وعلى ذلك أورده المصنف.
وقال المرزوقي: يجوز كونها بدلا من المجرور، وإن لم يجز وقوعها مجرورة، لأن البدل ليس من شرطه أن يحل محل المبدل منه. وتفيض: تسيل. وغودرت:
تركت.
وأنشد:
وندمان يزيد الكأس طيباسقيت إذا تغوّرت النّجوم
قال العسكري في كتاب تصحيف الشعر: هذا للبّرج، بموحدة وراء وجيم، ابن مسهر، من شعراء طيّ، أحد المعمّرين، وفد إلى النبي ﷺ.
هذه عبارته ولم أر أحد ممن صنف في الصحابة ذكر البرج هذا، حتى ولا شيخ الاسلام ابن حجر مع تتبعه وذكره كل من ذكر، ولو على سبيل الوهم، أو كان مخضرما، وقد فاته هذا، وهو على شرطه لا محالة. وهو من أبيات الحماسة، وبعده:
دفعت برأسه وكشفت عنهبمعرقة ملامة من يلوم
ومنها:
نطوّف ما نطوّف ثمّ يأويذوو الأموال منّا والعديم
إلى حفر أسافلهنّ جوفوأعلاهنّ صفّاح مقيم
وقال في الأغاني: أخبرني ابن دريد: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:
كان البرج بن الجلاء بن الطائي خليلا للحصين بن الحمام ونديمه على الشراب، وفيه يقول البرج: وذكر الأبيات. ولم يذكر ما يدل على إسلام البرج، بل ذكر أنه وقع على أخت له وهو سكران فافتضها، فلما أفاق ندم واستكتم ذلك قومه، ثم أنه وقع بينه وبين الحصين فعيره بذلك في أبيات، وجرت بينهما الحرب فأسره الحصين ثم منّ عليه لتقدم صداقته، فلحق ببلاد الروم فلم يعرف له خبر الى الآن. وقال ابن الكلبي: بل شرب الخمر صرفا حتى قتلته، ثم ذكر عن أبي عبيدة أن الحصين بن الحمام أدرك الاسلام.
الواو: واورب. وندمان: النديم، وهو من ينادم على الشراب. ويزيد الكأس طيبا: أي يحسن عشرته. وتغوّرت
النجوم، ويروى: تعرّضت، أي أبدت عرضها للمغيب. ووقعت برأسه: نبهته من منامه، وأزالت عنه ما كان يداخله من الغم.
يلوم اللائمين إياه على معاطاة الشراب، فان سقيته، معرقة، أي صرفا من الخمر، وهي القليلة المزاج. يقال: تعرّقت الخمر إذا مزجتها. وأعرقه الساقي: سقاه معرقا.
نطوّف ما نطوّف: أي مدة تطوافنا: أي يكثر الواحد منا الطواف على اللذات والبطالات، وليس مآل الجميع الغنيّ منا والفقير، إلا إلى حفر، يعني القبور.
ثم وصفها بأنها جوف الأسافل للحودها، وأن أعاليها، نصبت عليها حجارة كالسقوف لها، وهي دائمة على هذه أبدا. وقوله: نطوف ... البيتين، أوردهما المصنف في الباب
الخامس. وحكى أن بعضهم جوّز كون (ذوو) فاعلا بفعل محذوف.
وأنشد:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضىولا سابق شيئا إذا كان جائيا
هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، وأولها:
ألا ليت شعري هل يرى النّاس ما أرىمن الأمر أو يبدو لهم ما بداليا
بدا لي أنّ النّاس تفنى نفوسهموأموالهم ولا أرى الدّهر فانيا
وأنّي متى أهبط من الأرض تلعةأجد أثرا قبلي جديدا وعافيا
أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوىفثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا
إلى حفرة أهوي إليها مصمةيحثّ إليها سائق من ورائيا
كأنّي وقد خلّفت تسعين حجّةخلعت بها عن منكبيّ ردائيا
بدا لي أنّي عشت تسعين حجّةتباعا وعشرا عشتها وثمانيا
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضىولا سابق شيئا إذا كان جائيا
وما إن أرى نفسي تقيها عزيمتيوما إن تقي نفسي كرائم ماليا
ألا لا أرى على الحوادث باقياولا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا
وإلّا السّماء والبلاد وربّناوأيّامنا معدودة واللّياليا
أراني إذا ما شئت لاقيت آيةتذكّرني بعض الّذي كنت ناسيا
ألم تر أنّ الله أهلك تبّعاوأهلك لقمان بن عاد وعاديا
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترىوفرعون جبّار معا والنّجاشيا
ألا لا أرى إذا إمّة أصبحت بهفتتركه الأيّام وهي كما هيا
ألم تر للنّعمان كان بنجوةمن الشّرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا
فغيّر عنه رشد عشرين حجّةمن الدّهر يوم واحد كان غاويا
فلم أر مسلوبا له مثل ملكهأقلّ صديقا صافيا ومواليا
فأين الّذين كان يعطي جيادهبأرسانهنّ والحسان الحواليا
وأين الّذين كان يعطيهم القرىبغلّاتهنّ والمئين الغواليا
وأين الّذين يحضرون جفانهإذا قدّمت ألقوا عليها المراسيا
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهممنيّته لمّا رأوا أنّها هيا
خلا أنّ حيّا من رواحة حافظواوكانوا أناسا يتّقون المخازيا
يسيرون حتّى حبّسوا عند بابهثقال الرّوايا والهجان المتاليا
فقال لهم: خيرا وأثنى عليهموودّعهم وداع أن لا تلاقيا
وأجمع أمرا كان ما بعده لهوكان إذا ما احلولج الأمر ماضيا
قال ثعلب في شرح ديوان زهير: أنكر الأصمعي كون هذه القصيدة لزهير.
قوله:
أراني إذا ما بتّ بتّ على هوىفثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا
يقول: إن له حاجة لا تنقضي أبدا. وقد أورد المصنف هذا البيت في (ثم) مستشهدا به على دخول العاطف عليها. وقال السيرافي: الأجود، فثم، بفتح الثاء، لكراهة دخول عاطف على عاطف. قوله: كأني وقد خلفت .. البيت. يقول: لا أجد مسّ شيء قد مضى. قوله:
ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
أورده المصنف شاهدا على إبطال قول من قال إن ناصب (إذا) ما في جوابها من فعل وشبهة، لأن تقدير الجواب في البيت: إذا كان جائيا فلا أسبقه. ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئا وقت مجيئه، لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه. وأورده غيره شاهدا على جر المعطوف، لتوهم دخول الباء في المعطوف عليه، وهو خبر ليس.
ورأيته في شرح ثعلب بلفظ: ولا سابقي شيء. ولا شاهد فيه على هذا. وتلعة:
بفتح المثناة والعين المهملة بينهما لام ساكنة، اسم ما علي من مسيل الوادي، وما سفل.
وعاديا: هو أبو السموأل، كان له حصنين أحدهما يقال له الأبلق، ونجوة: بالجيم، أي ارتفاع. والمئين الغواليا: الأبل الغالية الأثمان. ويقال: بدا لي في هذا الأمر بداء: أي نشأ لي فيه رأي. وألقوا عليها المراسيا: أي ثبتوا عليها وأكلوا مثل المرسى للسفينة. وقوله: لم يشركوا .. البيت: أي لم يواسوه في الموت.
والمتالي: التي يتبعها أولادها. واخلولج الأمر: التوى ولم يستقم على جهة لاختلاف الآراء فيه.
قال ثعلب: سبب قول زهير هذه القصيدة، أن كسرى طلب النعمان بن المنذر ليقتله، ففرّ فأتى طيّا، فسألهم أن يدخلوه جبلهم، فأبوا، فلقيه بنو رواحة، من عبس، فقالوا له: أقم فينا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال: لا طاقة لكم بكسرى. وأثنى عليهم خيرا.
فائدة: قوله: كأني وقد خلعتالبيت. أورده عليه عمرو بن قمئة فقال في قصيدة لسميّه:
كأنّي وقد جاوزت تسعين حجّةخلعت بها يوما عذار لجام
وأنشد:
متى تردن يوما سفار تجد بهاأديهم يرمي المستجيز المعوّرا
هو للفرزدق. قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: وأديهم المذكور، هو أديهم بن مرداس، وأخو عتبة بن مرداس أحد بني كعب بن عمرو بن تميم بن مرّ. كان أديهم شاعرا خبيثا. والمستجيز الذي يأتي القوم يستسقيهم ماء ولبنا، وسفار ماء لهم. اه. والبيت: أورده المصنف على أن يوما ظرف ثان لترد، ولا يجوز
كونه ظرفا لتجد، لئلا ينتقل ترد من معموله، وهو سفار بالاجنبي، ولا بدلا من (متى) لعدم اقترانه بحرف الشرط. وأورده في الصحاح بلفظ (متى ما ترد) وقال:
سفار مثل قطام، اسم بئر. وقال في فصل العين: قال أبو عبيدة: يقال للمستجيزي الذي يطلب الماء، إذا لم يسقه: قد عورت شربه، وأورد البيت. والمستجيز، بالجيم والزاي، والمعوّر، بالمهملة وفتح الواو المشددة، اسم مفعول.
وأنشد:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
تقدم شرحه في شواهد من.
وأنشد:
ونحن عن فضلك ما استغنينا
هو من رجز لعبد الله بن رواحة الصحابي ﵁، كان حدا به في زمن النبي ﷺ، وتمثّل به النبيّ ﷺ.
وأخرج مسلم والبيهقي في الدلائل، وابن سعد في طبقاته، واللفظ له، عن سلمة بن الأكوع قال: لما خرج عامر بن الأكوع إلى خيبر جعل يرجز بأصحاب النبي
صلّى الله عليه وسلّم يسوق به الركاب، وهو يقول:
تالله لولا الله ما اهتديناوما تصدّقنا وما صلّينا
الكافرون قد بغوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا
ونحن عن فضلك ما استغنينافثبّت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا
وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت النبيّ ﷺ يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر
صدره، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة، يقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتديناولا تصدّقنا ولا صلّينا
الأبيات ...
وأخرج ابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: لو حرّكت الركاب؟ فقال: لقد تركت قولي. فقال له عمر: اسمع وأطع، فقال:
اللهمّ لولا أنت ما اهتديناالأبيات
فقال رسول الله ﷺ: اللهم ارحمه. فقال عمر: وجبت.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع