تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [أبرع بيت قالته العرب]

قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: أبرع بيت قالته العرب قول أبو ذؤيب:

والنّفس راغبة إذا رغّبتهاوإذا تردّ إلى قليل تقنع
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة

وأحسن ما قيل في الاستعفاف قول عبيد بن الأبرص:

من يسأل النّاس يحرموهوسائل الله لا يخيب
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «الفكر في الرزق كيف يأتي»

وأحسن ما قيل في حفظ المال قول المتلمس:

قليل المال تصلحه فيبقىولا يبقى الكثير مع الفساد
للشاعر محمد غريط، اقرأ القصيدة

وأحسن ما قيل في الكبر قول الآخر:

أرى بصري قد رابني بعد صحّةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

وأحسن المراثي ابتداء قول أوس بن حجر:

أيّتها النّفس أجملي جزعاإنّ الّذي تحذرين قد وقعا
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أمسى سمير قد بان فانقطعا»

وأرثى بيت قول عبدة:

فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

وأمدح بيت قالته العرب قول الآخر:

تراه إذا ما جئته متهلّلاكأنّك تعطيه الّذي أنت سائله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

وأحسن ما قيل في الصبر قول أبي ذؤيب:

وتجلّدي للشّامتين أريهمأنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»
حتّى كأنّي للحوادث مروةبلوى المشقّر كلّ يوم تقرع

وأفخر ما قيل قول امرئ القيس:

فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّلوقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وأصدق ما قالته العرب قول الحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والنّاس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

والأم ما قالته العرب قول الآخر:

تلقي بكلّ بلاد إن أقمت بهاأهلا بأهل وجيرانا بجيران

وأحسن ما قيل في وصف امرأة عجزاء خميصة قول أبي وجزة السعدي:

أدماء في وضح يكاد رداؤهايعرى ويصنع ما أحبّ إزارها

وأجود بيت قيل في الغيث، قول الهذلي:

لتلقحه ريح الجنوب وتقبل الشّمال نتاجا والصّبا حالبة تمري

وأخنث بيت قالته العرب قول الأعشى:

قالت هريرة لمّا جئت زائرهاويلي عليك وويلي منك يا رجل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»

وفي البيان للجاحظ: قال أبو عمرو بن العلاء: اجتمع ثلاثة من الرواة، فقال لهم قائل: أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز؟ فقال أحدهم: قول حميد بن ثور الهلاليّ.

وحسبك داء أن تصحّ وتسلما

وقال الثاني: بل قول أبي خراش الهذلي.

نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي

وقال الثالث: بل قول أبي ذؤيب:

وإذا تردّ إلى قليل تقنع

فرد عليه أن الشطر نصف بيت مستغن بنفسه، ونصف أبي ذؤيب لا يستغني بنفسه، لأن السامع لا يفهم معناه حتى يسمع النصف الأول، وإلا فيقول من هذه التي تردّ الى قليل فتقنع؟ والصواب أن يقال قوله:

والدّهر ليس بمعتب من يجزع

وأخرج ابن عساكر عن أبي الحسن المدائني قال: قال الحجاج لابن القرية:

اخبرني بأصدق بيت قاله شاعر؟ قال:

وما حملت من ناقة فوق رحلهاأبرّ وأوفى ذمّة من محمّد
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة

قال: فاخبرني باشكل بيت؟ قال:

حبّذا رجعها يديها إليهافي يدي درعها تحلّ الإزارا

قال: فأخبرني بأسير بيت؟ قال:

ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن لقيط: قال قتيبة بن مسلم لأعرابيّ من غنيّ: أيّ بيت قالته العرب أعف؟ قال: قول طفيل الغنوي:

ولا أكون كالزّاد أحبسهلقد علمت بأنّ الزّاد مأكول

قال: فأيّ بيت قالته العرب في الحرب أجود؟ قال قول الطفيل:

يجيء إذا قيل اركبوا لم يقل لهمعواوير يخشون الرّدى أين نركب

قال: فأيّ بيت قالته العرب في الصبر أجود؟ قال: قول نافع بن خليفة (الغنوي):

ومن خير ما فينا من الأمر أنّنامتى ما نواف موطن الصّبر نصبر

وأنشد:

إذا باهليّ تحته حنظليّةله ولد منها فذاك المذرّع
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إذا باهلي تحته حنظلية»

وهو من قصيدة للفرزدق، وفيه: تقدير كان بعد إذا، لأنها لا يليها إلا الجملة الفعلية. والباهليّ: نسبة إلى باهلة، قبيلة من قيس بن عيلان. والحنظلية: نسبة إلى حنظلة، وهي أكرم قبيلة في تميم. وجملة: (له ولد) صفة له ويجوز أن تكون حالية، وفذاك جواب إذا. والمذرّع بضم الميم وفتح الذال المعجمة وتشديد الراء وعين مهملة، الذي أمه أشرف من أبيه، سمى مذرّعا من الرقتين في ذراع البغل،

وإنما صار باقية من قبل الحمار. وكثر في أشعار العرب ذم الانتساب إلى باهلة، فقال رجل من عبد قيس:

ولو قيل للكلب يا باهليّعوى الكلب من لؤم هذا النّسب
للشاعر أبو هفان المهزمي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

فما سأل الله عبد لهفخاب ولو كان من باهله

وأنشد:

استغن ما أغناك ربّك بالغنىوإذا تصبك خصاصة فتجمّل

هذا من قصيدة لعبد قيس بن خفاف بن عمرو بن حنظلة، من البراجم، إسلامي. وكلها حكم ووصايا، وهي بضعة عشر بيتا، فلنذكرها جميعا، قال

يوصي ابنه:

أجبيل إنّ أباك كارب يومهفإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصحطبن بريب الدّهر غير مغفّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
الله فاتّقه وأوف بنذرهفإذا حلفت مماريا فتحلّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
والضّيف أكرمه فإنّ مبيتهحقّ، ولا تك لعنة للنّزّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
واعلم بأنّ الضّيف مخبر أهلهبمبيت ليلته وإن لم يسأل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
ودع القوارص للصّديق وغيرهكيلا يروك من اللّئام العذّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
وصل المواصل ما صفا لك ودّهواحذر حبال الخائن المتبدّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
واترك محلّ السّوء لا تحلل بهوإذا نبا بك منزل فتحوّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
دار الهوان لمن رآها دارهأفراحل عنها كمن لم يرحل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
وإذا هممت بأمر شرّ فاتّئدوإذا هممت بأمر خير فافعل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
وإذا افتقرت فلا تكن متخشّعاترجو الفواضل عند غير المفضل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
وإذا رأيت القوم فاضرب فيهمحتّى يروك طلاء أجرب مهمل
واستغن ما أغناك ربّك بالغنىوإذا تصبك خصاصة فتجمّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
واستأن حلمك في أمورك كلّهاوإذا عزمت على الهوى فتوكّل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
وإذا تشاجر في فؤادك مرّةأمران فاعمد للأعزّ الأجمل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
وإذا لقيت الباهشين إلى النّدىغبرا أكفّهم بقاع ممحل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»
فأعنهم وايسر بما يسروا بهوإذا هم نزلوا بضنك فانزل
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «أجُبيل إن أباك كاربُ يومه»

ورأيت في تاريخ ابن عساكر بسنده هذه الأبيات إلى حارثة بن بدر الغداني التميمي، وأورد الشاهد بلفظ: وإذا تكون خاصة؛ ولا شاهد فيه على هذا.

وحارثة هذا يكنى أبا العبهسي أدرك عليا.

قال الحاكم: وذكره بعضهم في الصحابة، وتوفي بنيسابور، وقيل مات غريقا بالأهواز في ولاية المهلب.

قوله: أجبيل، يروى بدله: أبني. وكارب يومه: يريد دنو أجله، من كرب الشيء يكرب دنى وقرب. وطبن: بفتح الطاء المهملة وكسر الموحدة ونون، حاذق، يقال: رجل طبن تبن: إذا كان عاقلا بصيرا. ولعنة: بضم اللام وسكون العين، يلعنه الناس. وبفتح العين، يلعن هو الناس. والنزل: جمع نازل.

والقوارص: بقاف ومهملة، المثالب. ونبا: ارتفع. واتئد: تأنّ ولا تستعجل.

ومهمل: متروك. والخصاصة: الحاجة والشدة. واستأن: من الأناة.

والباهش: الفرح الطالب العطاء. والقاع: الصلب. وممحل: مجدب. وأيسر:

أسرع إجابتهم. والضنك: الضيق، أي أعنهم في ضيقهم.

والبيت الأول استشهد به المصنف في التوضيح على استعمال اسم الفاعل من كرب.

وأنشد:

وبعد غد، يا لهف نفسي من غد،إذا راح أصحابي ولست برائح

عزاه جماعة إلى هدبة بن خشرم، وعزاه صاحب الحماسة إلى أبي الطّمحان شرقي بن حنظلة القينيّ من مخضرميّ الجاهلية والاسلام، ترب الزّبير ابن عبد المطلب ولهدبة روى المبرد في الكامل. وأبو الفرج في الأغاني، وابن عساكر في تاريخه، من طرق، عن محمد بن سليمان النّوفلي والأصمعي وغيرهما، دخل حديث بعضهم في بعض: أن زيادة بن زيد العذريّ قال في فاطمة أخت هدبة بن خشرم:

عوجي علينا واربعي يا فاطماأما ترين الدّمع منّي ساجما

فقال هدبة بن خشرم في أم قاسم، أخت زيادة:

متى تقول: القلص الرّواسمايحملن أمّ قاسم وقاسما

فبيّت زيادة هدبة فضربه على ساعده وشجّ أباه خشرما، وقال:

شججنا خشرما في الرّأس عشراووقّفنا هديبة إذ أتانا
للشاعر زيادة بن زيد العذري، اقرأ القصيدة

فبيّت هدبة زيادة فقتله، فرفع إلى سعيد بن العاصي، وكان أمير المدينة، رفعه عبد الرحمن، أخو زيادة، فكره سعيد الحكم بينهما فأرسلهما إلى معاوية، فلما صارا بين يديه، قال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك مظلمتي وقتل أخي! فقال معاوية: يا هدبة، قل. قال: إن شئت أن أقصّ عليك كلاما أو شعرا؟

قال: لا بل شعر. فقال ارتجالا:

ألا يا لقومي للنّوائب والدّهروللمرء يردي نفسه وهو لا يدري
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
وللأرض كم من صالح قد تلمّأتعليه فوارته بلمّاعة قفر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فلا ذا جلال هبنه لجلالهولا ذا ضياع هنّ يتركن للفقر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

الى أن قال:

فلمّا رأيت أنّما هي ضربةمن السّيف أو إغضاء عين على وتر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
عمدت لأمر لا يعيّر والديخرايته ولا يسبّ به قبري
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
رمينا فرامينا فصادف سهمنامنيّة نفس في كتاب وفي قدر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
وأنت أمير المؤمنين فما لناوراءك من معد ولا عنك من قصر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
فإن تك في أموالنا لا نضق بهاذراعا وإن صبر فنصبر للصّبر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هدبة! فقال له عبد الرحمن: أقدني، فكره ذلك معاوية وضنّ بهدبة عن القتل، فقال: ألزيادة ولد؟ قال: نعم. قال:

أصغير أم كبير؟ قال: بل صغير. قال: يحبس هدبة إلى أن يبلغ ابن زيادة. فارسله إلى المدينة فحبس بها سبع سنين، وقيل ثلاث سنين، فلما بلغ ابن زيادة عرض عليه عشر ديات فأبى إلّا القود، وكان ممن عرض عليه الديات: الحسين بن علي

ابن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم. ولما دنى قتله قال:

عسى الكرب الّذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
للشاعر عبد الكريم البَسطي، اقرأ القصيدة
فيأمن خائف ويفكّ عانويأتي أهله النّائي الغريب
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ولما ذهب به إلى الحرة ليقتل، لقيه عبد الرحمن بن حسان فقال له: أنشدني؟

فأنشده:

ولست بمفراح إذا الدّهر سرّنيولا جازع من صرفه المتقلّب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولست بمفراح إذا الدهر سرني»
ولا أتبغّى الشّرّ والشّرّ تاركيولكن متى أحمل على الشّرّ أركب
وحرّ بني مولاي حتّى خشيتهمتى يحرّبك ابن عمّك تحرب

ولما جئ به ليقتل قال:

ألا علّلاني قبل نوح النّوائحوقبل ارتقاء النّفس فوق الجوانح
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
وقبل غد، يا لهف نفسي من غد،إذا راح أصحابي ولست برائح
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
إذا راح أصحابي تفيض عيونهموغودرت في لحد عليّ صفائح
يقولون: هل أصلحتم لأخيكم؟وما القبر في الأرض الفضاء بصالح
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

ونظر الى امرأته فقال، وكان أنفه جدع في حرب:

فإن يك أنفي بان منه جمالهفما حسبي في الصّالحين بأجدعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
أقلّي عليّ اللّوم يا أمّ بوزعاولا تجزعي ممّا أصاب فأوجعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ولا تنكحي إن فرّق الدّهر بينناأغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة
ضروبا بلحييه على عظم زورهإذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

فسألت القوم أن يمهلوه قليلا، ثم أتت جزارا فأخذت منه مدية فجدعت أنفها، ثم أتته مجدوعة الأنف، فقالت: أهذا فعل من له في الرجال حاجة؟ فقال: الآن طاب الموت. ثم التفت إلى أبويه وهما يبكيان فقال:

أبلياني اليوم صبرا منكماإنّ حزنا منكما اليوم يسرّ
ما أظنّ الموت إلّا هيّناإنّ بعد الموت دار المستقرّ
اصبرا اليوم فإنّي صابركلّ حيّ لفناء وقدر
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ثم قال:

أذا العرش إنّي عائذ بك مؤمنمقرّ بزلّاتي إليك فقير
وإنّي وإن قالوا أمير مسلّطوحجّاب أبواب لهنّ صرير
لأعلم أنّ الأمر أمرك إن تدنفربّ وإن تغفر فأنت غفور
للشاعر هدبة بن الخشرم، اقرأ القصيدة

ثم أقبل على ابن زيادة فقال: أثبت قدميك، وأجد الضربة، فإني أيتمتك صغيرا، وأرملت أمّك شابّة! وسأل فكّ قيوده، ففكت فذاك حيث يقول:

فإن تقتلوني في الحديد فإنّنيقتلت أخاكم مطلقا لم يقيّد

ثم ضربت عنقه. قال ابن دريدة هو أول من أقيد بالحجاز.

وأخرج الدارقطني وابن عساكر عن ابن المنكدر أن هدبة العذري أصاب دما فأرسل إلى أم سلمة، زوج النبي ﷺ، أن استغفري لي. فقالت:

إن قتل استغفرت له. قال ابن عساكر: وهو هدبة، بضم الهاء وسكون الدال المهملة، ابن خشرم، بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين، ابن كرز بن أبي حيّة، بالمهملة والتحتية المشددة، ابن الكاهن، وهو سلمة بن الاشحم. شاعر فصيح متقدم من شعراء بادية الحجاز، روي عن الحطيئة، و روي عنه جميل بن عبد الله العذري. قال الدارقطني: وهو ابن عم زيادة الذي قتله.

قوله: (متى تقول) استشهد به النحاة عن إجراء القول مجرى الظن، في نصب المفعولين بعد الاستفهام. والقلص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة. والرواسم:

جمع راسمة، من رسمت، بالفتح، إذا سارت فوق الزميل. ووقفتا: من التوقيف، وهو سواد وبياض يكون في اليدين والرجلين. وفي (يردي ويدري): جناس مقلوب. وتلمأت عليه الأرض: وارته. وذا جلال: نصب بمضمر على شريطة التفسير وقوله: (فإن تك في أموالنا ... البيت) أورده المصنف في (ما) مستشهدا به على حذف فعل الشرط، أي وإن تصبر صبرا. وضمير (تك) للدية لأنها معلومة.

والصبر: الحبس. وروى: (وأن العقل في أموالنا ..). وقوله: (عسى الكرب ...

البيت) أورده المصنف في (عسى) شاهدا لوقوع خبرها مضارعا مجرّدا. والعاني:

بمهملة، الأسير. والنائي: البعيد. قوله (ولا تنكحي ... البيت) قال المبرد: لم يأمرها أن تتزوج الأنزع القليل شعر القفا، وانما أذكرها جمال نفسه ليزهذها في غيره. والغمم: أن يسيل الشعر حتى يضيق الجبهة أو القفا. والأنزع: الذي انحسر

الشعر من جانبي جبهته. قيل: ولا يوصف به إلا الكريم. قوله: (قبل نوح النوائح) يروى: (قبل صدح النوائح) والصدح: شدة صوت الديك أو الغراب وغيرهما. والجوانح: ضلوح الصدر، وارتقاء النفس فوقها، كما يقال: بلغت نفسه التراقي. قوله: (وبعد غد) الذي في الحماسة وفي الروايات السابقة بأسانيدها:

وقبل غد. وقوله: (من غد) يروي بدله: (على غد). وقوله: (إذا راح ..) قال التبريزي: يجوز كونه بدلا من غد على رأي المبرد، من جواز وقوعها في موضع جر، وكونه بدلا من موضع، فيكون في موضع نصب لأن محله نصب على المفعول، مما دل عليه قوله: يا لهف نفسي، أي أتلهف من غد، وعلى ذلك أورده المصنف.

وقال المرزوقي: يجوز كونها بدلا من المجرور، وإن لم يجز وقوعها مجرورة، لأن البدل ليس من شرطه أن يحل محل المبدل منه. وتفيض: تسيل. وغودرت:

تركت.

وأنشد:

وندمان يزيد الكأس طيباسقيت إذا تغوّرت النّجوم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

قال العسكري في كتاب تصحيف الشعر: هذا للبّرج، بموحدة وراء وجيم، ابن مسهر، من شعراء طيّ، أحد المعمّرين، وفد إلى النبي ﷺ.

هذه عبارته ولم أر أحد ممن صنف في الصحابة ذكر البرج هذا، حتى ولا شيخ الاسلام ابن حجر مع تتبعه وذكره كل من ذكر، ولو على سبيل الوهم، أو كان مخضرما، وقد فاته هذا، وهو على شرطه لا محالة. وهو من أبيات الحماسة، وبعده:

دفعت برأسه وكشفت عنهبمعرقة ملامة من يلوم

ومنها:

نطوّف ما نطوّف ثمّ يأويذوو الأموال منّا والعديم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
إلى حفر أسافلهنّ جوفوأعلاهنّ صفّاح مقيم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

وقال في الأغاني: أخبرني ابن دريد: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

كان البرج بن الجلاء بن الطائي خليلا للحصين بن الحمام ونديمه على الشراب، وفيه يقول البرج: وذكر الأبيات. ولم يذكر ما يدل على إسلام البرج، بل ذكر أنه وقع على أخت له وهو سكران فافتضها، فلما أفاق ندم واستكتم ذلك قومه، ثم أنه وقع بينه وبين الحصين فعيره بذلك في أبيات، وجرت بينهما الحرب فأسره الحصين ثم منّ عليه لتقدم صداقته، فلحق ببلاد الروم فلم يعرف له خبر الى الآن. وقال ابن الكلبي: بل شرب الخمر صرفا حتى قتلته، ثم ذكر عن أبي عبيدة أن الحصين بن الحمام أدرك الاسلام.

الواو: واورب. وندمان: النديم، وهو من ينادم على الشراب. ويزيد الكأس طيبا: أي يحسن عشرته. وتغوّرت

النجوم، ويروى: تعرّضت، أي أبدت عرضها للمغيب. ووقعت برأسه: نبهته من منامه، وأزالت عنه ما كان يداخله من الغم.

يلوم اللائمين إياه على معاطاة الشراب، فان سقيته، معرقة، أي صرفا من الخمر، وهي القليلة المزاج. يقال: تعرّقت الخمر إذا مزجتها. وأعرقه الساقي: سقاه معرقا.

نطوّف ما نطوّف: أي مدة تطوافنا: أي يكثر الواحد منا الطواف على اللذات والبطالات، وليس مآل الجميع الغنيّ منا والفقير، إلا إلى حفر، يعني القبور.

ثم وصفها بأنها جوف الأسافل للحودها، وأن أعاليها، نصبت عليها حجارة كالسقوف لها، وهي دائمة على هذه أبدا. وقوله: نطوف ... البيتين، أوردهما المصنف في الباب

الخامس. وحكى أن بعضهم جوّز كون (ذوو) فاعلا بفعل محذوف.

وأنشد:

بدا لي أنّي لست مدرك ما مضىولا سابق شيئا إذا كان جائيا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، وأولها:

ألا ليت شعري هل يرى النّاس ما أرىمن الأمر أو يبدو لهم ما بداليا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
بدا لي أنّ النّاس تفنى نفوسهموأموالهم ولا أرى الدّهر فانيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
وأنّي متى أهبط من الأرض تلعةأجد أثرا قبلي جديدا وعافيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوىفثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا
إلى حفرة أهوي إليها مصمةيحثّ إليها سائق من ورائيا
كأنّي وقد خلّفت تسعين حجّةخلعت بها عن منكبيّ ردائيا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «كأني وقد خلفت تسعين حجة»
بدا لي أنّي عشت تسعين حجّةتباعا وعشرا عشتها وثمانيا
للشاعر صرمة بن أبي أنس الخزرجي، اقرأ القصيدة
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضىولا سابق شيئا إذا كان جائيا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة
وما إن أرى نفسي تقيها عزيمتيوما إن تقي نفسي كرائم ماليا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
ألا لا أرى على الحوادث باقياولا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
وإلّا السّماء والبلاد وربّناوأيّامنا معدودة واللّياليا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
أراني إذا ما شئت لاقيت آيةتذكّرني بعض الّذي كنت ناسيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
ألم تر أنّ الله أهلك تبّعاوأهلك لقمان بن عاد وعاديا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترىوفرعون جبّار معا والنّجاشيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
ألا لا أرى إذا إمّة أصبحت بهفتتركه الأيّام وهي كما هيا
ألم تر للنّعمان كان بنجوةمن الشّرّ لو أنّ امرأ كان ناجيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
فغيّر عنه رشد عشرين حجّةمن الدّهر يوم واحد كان غاويا
للشاعر صرمة بن أبي أنس الخزرجي، اقرأ القصيدة
فلم أر مسلوبا له مثل ملكهأقلّ صديقا صافيا ومواليا
فأين الّذين كان يعطي جيادهبأرسانهنّ والحسان الحواليا
للشاعر صرمة بن أبي أنس الخزرجي، اقرأ القصيدة
وأين الّذين كان يعطيهم القرىبغلّاتهنّ والمئين الغواليا
للشاعر صرمة بن أبي أنس الخزرجي، اقرأ القصيدة
وأين الّذين يحضرون جفانهإذا قدّمت ألقوا عليها المراسيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهممنيّته لمّا رأوا أنّها هيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
خلا أنّ حيّا من رواحة حافظواوكانوا أناسا يتّقون المخازيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
يسيرون حتّى حبّسوا عند بابهثقال الرّوايا والهجان المتاليا
للشاعر صرمة بن أبي أنس الخزرجي، اقرأ القصيدة
فقال لهم: خيرا وأثنى عليهموودّعهم وداع أن لا تلاقيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
وأجمع أمرا كان ما بعده لهوكان إذا ما احلولج الأمر ماضيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»

قال ثعلب في شرح ديوان زهير: أنكر الأصمعي كون هذه القصيدة لزهير.

قوله:

أراني إذا ما بتّ بتّ على هوىفثمّ إذا أصبحت أصبحت غاديا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري: هل يرى الناسُ ما أرى»

يقول: إن له حاجة لا تنقضي أبدا. وقد أورد المصنف هذا البيت في (ثم) مستشهدا به على دخول العاطف عليها. وقال السيرافي: الأجود، فثم، بفتح الثاء، لكراهة دخول عاطف على عاطف. قوله: كأني وقد خلفت .. البيت. يقول: لا أجد مسّ شيء قد مضى. قوله:

ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

أورده المصنف شاهدا على إبطال قول من قال إن ناصب (إذا) ما في جوابها من فعل وشبهة، لأن تقدير الجواب في البيت: إذا كان جائيا فلا أسبقه. ولا يصح أن يقال: لا أسبق شيئا وقت مجيئه، لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه. وأورده غيره شاهدا على جر المعطوف، لتوهم دخول الباء في المعطوف عليه، وهو خبر ليس.

ورأيته في شرح ثعلب بلفظ: ولا سابقي شيء. ولا شاهد فيه على هذا. وتلعة:

بفتح المثناة والعين المهملة بينهما لام ساكنة، اسم ما علي من مسيل الوادي، وما سفل.

وعاديا: هو أبو السموأل، كان له حصنين أحدهما يقال له الأبلق، ونجوة: بالجيم، أي ارتفاع. والمئين الغواليا: الأبل الغالية الأثمان. ويقال: بدا لي في هذا الأمر بداء: أي نشأ لي فيه رأي. وألقوا عليها المراسيا: أي ثبتوا عليها وأكلوا مثل المرسى للسفينة. وقوله: لم يشركوا .. البيت: أي لم يواسوه في الموت.

والمتالي: التي يتبعها أولادها. واخلولج الأمر: التوى ولم يستقم على جهة لاختلاف الآراء فيه.

قال ثعلب: سبب قول زهير هذه القصيدة، أن كسرى طلب النعمان بن المنذر ليقتله، ففرّ فأتى طيّا، فسألهم أن يدخلوه جبلهم، فأبوا، فلقيه بنو رواحة، من عبس، فقالوا له: أقم فينا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال: لا طاقة لكم بكسرى. وأثنى عليهم خيرا.

فائدة: قوله: كأني وقد خلعتالبيت. أورده عليه عمرو بن قمئة فقال في قصيدة لسميّه:
كأنّي وقد جاوزت تسعين حجّةخلعت بها يوما عذار لجام
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

وأنشد:

متى تردن يوما سفار تجد بهاأديهم يرمي المستجيز المعوّرا

هو للفرزدق. قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: وأديهم المذكور، هو أديهم بن مرداس، وأخو عتبة بن مرداس أحد بني كعب بن عمرو بن تميم بن مرّ. كان أديهم شاعرا خبيثا. والمستجيز الذي يأتي القوم يستسقيهم ماء ولبنا، وسفار ماء لهم. اه. والبيت: أورده المصنف على أن يوما ظرف ثان لترد، ولا يجوز

كونه ظرفا لتجد، لئلا ينتقل ترد من معموله، وهو سفار بالاجنبي، ولا بدلا من (متى) لعدم اقترانه بحرف الشرط. وأورده في الصحاح بلفظ (متى ما ترد) وقال:

سفار مثل قطام، اسم بئر. وقال في فصل العين: قال أبو عبيدة: يقال للمستجيزي الذي يطلب الماء، إذا لم يسقه: قد عورت شربه، وأورد البيت. والمستجيز، بالجيم والزاي، والمعوّر، بالمهملة وفتح الواو المشددة، اسم مفعول.

وأنشد:

من يفعل الحسنات الله يشكرها

تقدم شرحه في شواهد من.

وأنشد:

ونحن عن فضلك ما استغنينا

هو من رجز لعبد الله بن رواحة الصحابي ﵁، كان حدا به في زمن النبي ﷺ، وتمثّل به النبيّ ﷺ.

وأخرج مسلم والبيهقي في الدلائل، وابن سعد في طبقاته، واللفظ له، عن سلمة بن الأكوع قال: لما خرج عامر بن الأكوع إلى خيبر جعل يرجز بأصحاب النبي

صلّى الله عليه وسلّم يسوق به الركاب، وهو يقول:

تالله لولا الله ما اهتديناوما تصدّقنا وما صلّينا
للشاعر عبد القادر القصاب، اقرأ القصيدة
الكافرون قد بغوا عليناإذا أرادوا فتنة أبينا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة
ونحن عن فضلك ما استغنينافثبّت الأقدام إن لاقينا

وأنزلن سكينة علينا

وأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت النبيّ ﷺ يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر

صدره، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة، يقول:

اللهمّ لولا أنت ما اهتديناولا تصدّقنا ولا صلّينا

الأبيات ...

وأخرج ابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: لو حرّكت الركاب؟ فقال: لقد تركت قولي. فقال له عمر: اسمع وأطع، فقال:

اللهمّ لولا أنت ما اهتديناالأبيات

فقال رسول الله ﷺ: اللهم ارحمه. فقال عمر: وجبت.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.